وارد بدر السالم في الحلوة

196

وارد بدر السالم في الحلوة

مهارات السارد البارع

محمد جبير

لا يمكن للمتلقي أن يتجاوز نصا يحمل اسم وارد بدر السالم من دون أن يتوقف عنده لمعرفة ما هو الجديد الذي يقدمه هذا الكاتب بعد حصيلة تجربة كتابية امتدت لأكثر من ثلاثين عاما وحصدت العديد من الجوائز المحلية والعربية، وكيف سيكون الحال لدى المتلقي ذاته وهو يقف عند عتبة “الحلوة” بما تحملها من إثارة معززة بصورة دالة على العتبة؟

إن عناصر الجذب التي تشد المتلقي إلى اقتناء الكتاب “الرواية” متوفرة بشكل باذخ من خلال شكله الخارجي “الغلاف” بما يحمله من جمالية فنية ونصوص محيطة تحفز على الاقتناء، سواء في الطبعة العربية الصادرة عن دار “نينوى” في سوريا ودار “سطور” في بغداد، وهو أيضا عنصر محفز مضاف لقراءة هذا النص الجديد.

لا أفشي سرّا إذا قلت إني اقرأ السالم منذ بداية معرفته لطريق النشر في مطلع ثمانينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، والمراحل الكتابية والتحولات التي مرّ بها وأيّ المحطات كانت أكثر إثارة وإغراء في القراءة بالنسبة لي على المستوى الشخصي على أقل تقدير، وعرفت خلال تلك السنوات أنه من الصعب عليك أن تمسك بهذا الكاتب على المستوى السردي،لأنه سرعان ما يفاجئك بتحوله من نمط إلى آخر، سواء كان ذلك على مستوى النص القصصي أو الروائي، قصيراأم طويلا.

هذا الأمر يشير إلى حقيقة تكشف عنها نصوصه السردية الأخيرة بصورة واضحة، لاسيما في عذراء سنجار وتجميع الأسد والحلوة،إذ تبرز فيها قدرات ومهارات الكاتب في صياغة نص روائي وتوجيهه وقيادته بالاتجاهات التي يروم إليها الكاتب، إذ لم تعد الحرفية  العالية في الكتابة السردية عنصر ضعف في النص السردي، وإنما هي عنصر قوة مضاف لتحفيز المخيال الروائي وتنشيطه لابتكار واكتشاف حكايات تشيع جمالية النص  المبتكر.

فالنص المبتكر والمدوّن ورقيا هو نص ابتكاري من صنع مخيلة المؤلف وإن كان يرتكز على بعض القدحات أو الشرارات أو الصور المنتجة في الواقع، لأن كل ذلك يرى بعيون الآخرين،إلا أنه لايحفز على الابتكار أو صناعة نص إلا عندما تكون عين الرائي مرتبطة بمخيلة إبداعية.

“حلوة” وارد بدر السالم، هي من هذا النمط، حكاية ليست بعيدة عن مسامعنا وأحداث غير بعيدة عن رصدنا أو رؤيتنا، لكنها لايمكن أن تشكل نصا إبداعيا عند الآخرين، وإنما هي نص السالم الذي يبحث عنه وهو نص مركب من عدة مستويات وعدة حكايات وعدة مصادر وعدة اتجاهات، وتلك هي مهارات الصانع في خلق عنصر التشويق في نصه السردي.

فقد وقف على مستوى الشكل التعبيري للنص على بنية جديدة مستخدما “الناي” في تنويعاته النغمية، إذ تصبح كل نغمة لونا في بنية السرد المقطعي والانتقال من الحزن إلى الفرح، ومن القلق إلى الاستقرار، ومن الشبق إلى السحر، كما أراد من هذا الشكل حتى في معماريته السردية أن يصل بخطابه إلى مبتغاه، وهو إدانة الاحتلال الأمريكي للعراق الذي دنس الأرض والعرض متمثلا بشخصية “الخال” الذي أسقط كل حدود المحرمات ليسقط ابنة أخته في أحضانه.

لكن ما أرا د أن يؤكده الكاتب في الجانب الآخر من الخطاب السردي في هذا النص الروائي هو أن رائحة الوطن لا يمكن أن تدنس،إذ يبقى عطرها منتشرا على الرغم من ظلام الظرف الذي يحيط بالإنسان العراقي المحب للحياة والسلام.

أرى أن نص “الحلوة” كتب ليكون شاهدا على تاريخ مرحلة يستكمل فيه الكاتب مشروعه الإبداعي والفكري الذي بدأه في عجائب بغداد وعذراء سنجار، وقد يواصله في نصوص لاحقه مثلما كان في مشروعه السابق “الغرائبي” الذي بدأه في ” المعدان” ومولد غراب و”شبيه الخنزير”، وهذا ليس بالغريب على كاتب مثل وارد بدر السالم،إذ لايمكن له رؤية وطن ينزف دما ويبقي قلمه عنده حافة المنضدة منتظرا “وحي” الكتابة،لأن وحي الكتابة لا يأتي عندما تعجز المخيلة على التقاط وتفعيل وخلق ما هو موجود من حال السكون الواقعي إلى الحركية الإبداعية المتجددة.

مشاركة