مفكر حر ناوأه الرجعيون واليساريون والعسكر

187

لويس عوض في سيرته الذاتية

مفكر حر ناوأه الرجعيون واليساريون والعسكر

شكيب كاظم

الدكتور لويس (حنا خليل) عوض،  علم من أعلام البحث والنقد والترجمة في مصر والوطن العربي،  ولد في مدينة المنيا في 21/12/1914،  وتوفي سنة 1990 مع أنه يوثق ولادته عام 1915 وبين هذين التأريخين عاش حياة ممتدة زاخرة بالدرس في جامعة كمبرج البريطانية العريقة،  لينال منها درجة الدكتوراه أوائل عقد الأربعين من القرن العشرين،  ونشر تسعة وأربعين كتاباً أصدر أولها عام 1945،  وهو ترجمة لكتاب (فن الشعر) لهوراس وآخرها،  أصدرته مكتبة مدبولي الشهيرة بالقاهرة عام 1989،  أي قبل وفاته بسنة واحدة،  والذي بدأ بكتابته عام 1982،  ولينتهي منه عام 1986،  ويقع في ست مئة وسبع وعشرين صفحة،  وعنوانه (أوراق العمر. سنوات التكوين) وهو سيرته الذاتية،  ولقد أحسن صنعاً،  إذ صارع الزمن الذي لا يرحم وأخرجها للقراء الجادين قبيل وفاته،  لتأتي شاملة على كل صروف الدهر التي مرت عليه،  هو المفكر الليبرالي الحر،  الذي تعرض لحقد الرجعيين والحاسدين ومنهم الدكتور رشاد رشدي،  الذي ما أكتفى بإيذاء لويس،  بل أمتد الأذى نحو أخيه الباحث الكاتب رمسيس عوض،  ((فكان رشاد رشدي بوصفه ممتحناً يعرقل مسعاه في كل خطوة يخطوها نحو الماجستير والدكتوراه في الأدب الانكليزي،  ويحول دون تعيينه مدرساً في جامعة القاهرة )) ص112.

كما تعرض لأذى كتاب اليسار،  لما كانوا يجدون في كتاباته من دعوات لحرية الفكر،  واقتراب من ثقافة اوربة والغرب،  كما شملته حملات التطهير والإقصاء من الجامعة بعد تموز 1952،  فضلاً عن شمولها العديد من كفاءات مصر،  وفي الذاكرة القانوني الضليع عبد الرزاق السنهوري والشاعر إبراهيم ناجي.

 في اوراق عمره،  ينقل لنا لويس عوض شيئاً من العلاقات الاجتماعية وحسن الجيرة،  بين الاسر المسلمة والقبطية،  لعلها تعود إلى سنوات العقد الثاني من القرن العشرين،  إذ كانت أمه وعامة النساء الأقباط من طبقتهم،  حين يخرجن إلى الشارع يرتدين الحبرة السوداء والحذاء الأسود كنساء المسلمين (( في أعياد المسلمين والأقباط،  كنا إلى جانب التزاور نتبادل الكعك مع جيراننا المسلمين فنرسل اليهم هذه الأشياء أو نتلقاها منهم فيما يشبه الطقوس)) ص17.وينقل لنا صورة من صور الحزم التربوي الأسري،  والغريب،  أو المفرح ان هذا الحزم،  ما كان صادراً عن أبيه،  بل تولته أمه،  يحدث أن تأخر في المجيئ ليلاً،  فلم تفتح له الباب آمرة إياه ان ينام حيث كان،  ولم تَجْدِه كل توسلاته،  فالباب لا يفتح بعد العاشرة ليلاً! هي الأم الرؤوم التي كانت تداري اولادها بتفان،  وتحاول ان تحميهم من غضب أبيهم،  لكن حين حان الجد والحزم،  رأيتها وقد تحولت إلى إنسانة أخرى،  كل هذا الحزم من أجل ان يعرفوا مواطن الخلل فيغادروها.

ظاهرة الترجمة بتصرف

لقد شاعت في بداية القرن العشرين،  وماتلاها ظاهرة قيام بعض أدباء مصر بإصدار بعض الروايات الاجنبية،  ولاسيما الفرنسية موشحة بعبارة (ترجمة) من ذلك قيام مصطفى لطفي المنفلوطي،  بتعريب عدد من الروايات مثل: سيرانو دي برجراك لأدمون روستان فأسماها (الشاعر) و(تحت ظلال الزيزفون) لألفونس كار،  فعنونها بـ (ماجدولين) ورواية (بول وفرجيني) التي أطلق المنفلوطي عليها إسم (الفضيلة)،  و(في سبيل التاج) لفرانسو كوبيه،  فضلاً عن (العبرات) الذي هو ترجمة لرواية (غادة الكامليا) للكاتب الفرنسي الكسندر دوماس الأبن،  ولقد قرأنا كل آثار المنفلوطي ونحن في مرحلة الفتوة،  طلبة في الثانوية،  كما إبتعت رواية (البؤساء) لفيكتور هيكو،  وقد ذكر على عنوانها ان مترجمها هو شاعر النيل: حافظ إبراهيم وكنت أمام هذه الظاهرة،  أُسائل نفسي كيف ترجما ما ترجماه،  وهما لا يعرفان حرفاً من الفرنسية،  لكني بعد لأي قرأت ما يفسر إرتيابي ويوضحه إذ أنهما كانا يستعينان بمن يقرأ لهما الرواية عن الفرنسية،  ثم يقومان بصياغتها بأسلوبهما،  أي انهما يترجمان بتصرف،  إن يجوز لي أن اطلق على عملهما هذا صفة الترجمة،  ويأتي الدكتور لويس عوض ليؤكد هذه التوصلات ذاكراً ((وقد أذهلني أيام دراستي الثانوية ان أجد في مكتبة أبي ترجمةَ إنكليزية لـ ( البؤساء) لفيكتور هيجو،  تقع في الف صفحة بالبنط الدقيق،  بينما كانت (بؤساء) حافظ إبراهيم تقع في مئتي صفحة من القطع المتوسط،  وبالبنط الكبير،  وكنا ندرسها في المدرسة الثانوية،  فحاولت ان أضاهي الترجمتين فصرفني ابي عن ذلك لأنه أفهمني ان كتاب حافظ إبراهيم ليس إلا إقتباساً وتلخيصاً على طريقة المنفلوطي فلا وجه للمضاهاة)) ص19.. ولقد عجبت لانتقاده إسلوب الروائي نجيب محفوظ في الجزء الأول من ثلاثيته (بين القصرين) التي تصور وقائع الحياة في القاهرة اثناء ثورة عام 1919،  إذ تختلف تماماً كما يقول عن الصورة التي رسمها نجيب محفوظ لسلوك ابطال روايته اثناء الثورة،  في حين يشيد بما كتبه الصحفي مصطفى أمين في سيرته الذاتية،  إذ وجد صورة الحياة لمصر بين عامي 1920-1930 مطابقةً تماماً لصورة الحياة التي وعتها ذاكرته عن تلك السنوات،  وأرى أن هذا هو حقاً الفرق بين السرد الروائي وبين الذكريات التي سطرها مصطفى أمين،  فمحفوظ يكتب رواية وما كتب تأريخاً،  كي نطالبه ان ينقل الوقائع نقلاً حرفياً،  فهذه وظيفة المؤرخ لا الروائي.

ولعل من القول النافل ان أذكر ان الكتابات السياسية لا تجلب خلود ذكر لكاتبها،  لأنها -غالباً- كتابات آنية،  مرتبطة بزمانها،  فضلاً على ضرورة ان لا ينغمس الكاتب والأديب في السياسة،  لا بمعنى العيش بعيداً عنها في برج ناءٍ،  بل عدم الأرتماس حتى أعلى أذنيه فيها،  ولقد أطلعت في هذا الكتاب (أوراق العمر. سنوات التكوين) على صورة من هذه الكتابات السياسية الآنية التي كتبها طه حسين الذي كان منتمياً لحزب الاتحاد الدستوري بقيادة عدلي يكن،  فضلاً عن كتابات عباس محمود العقاد المنغمس في توجهات حزب الوفد بقيادة سعد زغلول،  والتقلبات التي رافقتهما فيترك طه حسين حزبه إلى الوفد،  ويحصل الأمر ذاته للعقاد،  فذهب إلى الاتحاد الدستوري بعد ان يفصله حزب الوفد،  وكأنما يتبادلان المواقع على لغة العسكريين،  وذهبت كتاباتهما السياسية،  مع ما تحمل من هَجْر القول وبذيئه،  وظلت كتاباتهما الأخرى،  مع ما كان يشوب كتاباتهما السياسية من إمتهان وإرتزاق،  إذ كانا يكتبانها لقاء أجر،  وكتابة مأجورة،  وموحى بها لا تشرف قلماً،  يجب ان يكون نزيها ولا يكتب إلا بضمير ووجدان،  ممثلاً لآرائه،  لا بوقاً للغير.

الكتابة السياسية الآنية لا تجلب خلوداً

لقد كان (حنا خليل عوض) الموظف في حكومة السودان،  أبو لويس،  قارئاً جيداً بالعربية،  وبالإنكليزية غالباً،  وكان ذا نظر ثاقب،  أثر في توجهات إبنه،  وكان لويس يقف مأخوذاً متعجباً من هذه المكتبة وكتبها في غالبها بالإنكليزية،  لذا كان يوضح كثيراً من غوامض الأمور التي تعترض سبيل ابنه لويس،  فهو يتابع قراءات أبيه لما يكتبه العقاد  في (البلاغ) وما كان يكتبه طه حسين في جريدة (السياسة) من مقالات سياسية،  ويحس ببذاءة كل منهما في هجاء خصوم حزبه،  وإذ ذهبت كل مقالات طه حسين مدفوعة الأجر أدراج الرياح وطوتها يد الدهر التي لا ترحم أحداً،  ظلت كتاباته الثقافية في الجريدة ذاتها باقية في عقول الناس وضمائرهم،  وكان (حديث الأربعاء) كتابه الرائع بعضاً من هذه الكتابات،  والأمر ينطبق على العقاد.قال لويس عوض: (( كان طه حسين حراً دستورياً،  فكان يهاجم سعد زغلول بهجر القول،  رغم كل ما تحمله سعد من آلام في سبيل الجهاد الوطني،  وكان يسميه (زعيم الرعاع) (…) وكان العقاد كاتب الوفد الأول،  وكان يؤله سعد زغلول (…) ويقول هجر القول في عدلي يكن رئيس الأحرار الدستوريين (…) وكان قاموسه في الشتائم أفحش من قاموس طه حسين لأنه كان يتجاوز السب العام إلى السب الشخصي)) ص388.

 ولعل هذا الأسلوب،  هو الذي دفع بالدكتور عبد الرحمن بدوي،  إلى الرد على العقاد لا بالكتابة ذاتها بل بالضرب وهو ما سُرد علينا في سيرته الذاتية التي وَسَمها بدوي بـ ( قصة حياتي) والصادرة طبعتها الأولى سنة 2000،  إذ كتب العقاد أكثر من مقال ضد جماعة (مصر الفتاة) التي أسسها السياسي المصري أحمد حسين،  وكان بدوي من أعضاء هذه الجماعة ذات التوجهات الفاشية،  ولقد رد أحدهم على كتابات العقاد،  لكن عبد الرحمن بدوي الفيلسوف،  تحول إلى (أشقياء) في السياسة،  لم يرق له هذا فأوعز إلى اثنين من أنصار جماعته،  بالترصد للعقاد عند عودته ليلاً إلى منزله.

 قال بدوي في مذكراته (قصة حياتي) ما نصه: ((وكان من رأيي أن العقاد يرحب بهذه المقالات،  فلا علاج له عن هذا الطريق،  بل لا بد من استخدام العنف،  لأنه لا يردعه إلا العنف،  وأخذ برأيي إثنان من اعضاء الجماعة،  فتربصا للعقاد،  وهو عائد إلى بيته وانهالا عليه بالضرب والصفع والركل،  وأفهماه ان هذ تأديب مبدئي،  بسبب مقالتين ضد (مصر الفتاة) فان عاد عادا اليه بما هو اشد نكالاً (…) فخرس العقاد خرساً تاماً)).

ولقد علقت على فعلة بدوي: بخ بخ لك يا عبد الرحمن بدوي،  وهكذا يكون الفيلسوف وإلا فلا! وهذا الكتاب أدرت عنه حديثاً نقدياً نشرته جريدة (العرب) الصادرة في لندن بعددها ليوم الثلاثاء 15/8/2000 وأعدت نشره في كتابي (مطارحات في الثقافة) الذي أصدرته سنة 2007 دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد.

سباب العقاد وطه حسين

اقول: لقد عجبت لهذا القاموس المفجع من السُباب الشخصي الذي كان العقاد يدلقه على زعماء السياسة في مصر،  مما ذكره الدكتور لويس عوض في كتابه،  فهو يصف رئيس الوزراء محمد محمود باشا في وزارته الأولى سنة 1928،  مما يعف عن قوله السوقة وأسافل الناس بـ((المجنون المفتري،  العيي الالكن،  منكر الصوت،  مسلوخ المخارج،  لسانه من قصدير وذراعه جريد،  مغتصب المناصب)) ص483،  ومن أجل الدقة فأن عوض يرجع إلى صحافة تلك الايام يفحصها وينقل عنها،  وتلك – لعمري- مهمة شاقة لا يقدم عليها إلا من يحترم قلمه وقارئه،  فهو يرجع إلى عدد جريدة (البلاغ) الصادر في 5/يوليو1928،  وينقل عوض لنا خلجاته وآراءه على الطبيعة من غير تزويق وتعديل،  فهو يذكر أنه كان يطرب حين يقرأ هذا السباب،  كان فتى في الثالثة عشرة من عمره،  ((أما أبي فكان يقرؤه بامتعاض شديد،  ويقول إن هذه قلة أدب،  وليست جدلاً سياسياً،  وقد كان في إمكان العقاد ان يرد (…) بالمنطق دون حاجة إلى شتائم)).ص483.

التحاسد وتبكيت الضمير

وإني ليعروني سؤال: هل كانت كتابات العقاد السياسية بذاءةً وقلة أدب – مع اعترافي ببذاءتها- أم أنها كانت تؤشر إلى أن صدر المجتمع كان رحباً،  وليس ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء،  فقبل هذا الهجاء،  واضعين في الحسبان أن من كان العقاد يهجوه بقارص الكلام هذا،  هو رئيس وزراء مصر؟!

لقد قدم لنا لويس عوض في كتابه (اوراق العمر. سنوات التكوين) صوراً قلمية لكل أفراد أسرته،  أباه وأمه وأخوته وأخواته،  أسماها (بروفايل) ولكن الصورة الأهم هي التي رسمها  لشقيقه الدكتور رمسيس عوض،  وهي ما تعنيني بوصف رمسيس كاتباً وأستاذاً جامعياً،  قرأت من كتبه القليلة كتاباً واحداً عنوانه (الهولوكوست. بين الإنكار والتأكيد) الصادر في ضمن سلسلة (كتاب الهلال) رمضان 1421هـ – كانون الأول 2000م ،  قرأته عام 2007،  إذ يحاول أن يطفف كيله،  ويبخسه شيئاً،  أو بالحري بعض شيئه فالتنافس والتحاسد شأن في جَبِّلة الانسان وتكوينه،  وسيكون التنافس أشد بين أبناء التوجه الواحد،  وسيمسي الأشد إن كان بين أفراد أسرة واحدة،  ولاتسألني عن الأخوة ومكارم الأخلاق،  فهذه تصلح للمواعظ،  ولكن هذا الانسان وقاراته المجهولة شيء آخر.

قرأت في الـ (بروفايل) الخاص بشقيقه رمسيس،  استهانة بقدرات شقيقه واصفاً ذكاءه بـ ((فوق المتوسط ولكن لا حدة فيه ولا إبداع. وقد عوضه دأبه في العمل عن نقصه في الإبداع)).ص108.

لا بل إنه لم يعطه حقه في الامتحان الشفوي،  يوم كان رمسيس طالباً في قسم اللغة الإنكليزية بآداب جامعة القاهرة،  ولويس أستاذا فيها،  مع أن زميله الأستاذ الإنكليزي،  كان أقترح منحه درجة (جيد جداً) لكن لويس رفض ذلك ومنحه درجة(جيد).

هذه الدرجة (جيد) حرمت شقيقه من الوصول إلى درجة الامتياز مما يؤهله لدراسة الماجستير،  يقول لويس عوض: (( وقد سبب لي هذا الحادث الماً عميقاً لمدة طويلة لأنه حَرَمَ أخي رمسيس من الامتياز في البكالوريوس،  أو ربما ساعد على حرمانه،  وقد أثر هذا في مستقبله تأثيراً مخرباً(…) كنت كثيراً ما أحاكم نفسي بقولي: ربما كنت واحداً من أولئك الذين قال فيهم قاسم أمين: أعرف قضاة حكموا بالظلم ليشتهروا بالعدل بين الناس. في هذه الحالة يجب ان أدين نفسي بالأنانية والرغبة الخفية في تمجيد الذات ولو على حساب الحق)) ص110.

وإذ يحاول التخفيف عن نفسه من تبكيت ضميره إياه،  فانه يردفها بأخرى يوم كان مسؤولاً عن القسم الأدبي في جريدة (الأهرام) إذ النشر فيه مطمح الأنفس فيحجب الكثير من مقالات شقيقه عن المسرح المصري أو عن برتراند رسل أو عن الروائي جورج أرويل وينصحه بنشرها في الجرائد الاخرى مثل : (الجمهورية) أو (الأخبار) أو (أخبار اليوم) أو المجلات الاسبوعية: ( المصور) أو (روز اليوسف) أو (صباح الخير) لكنه يعلل سلوكه هذا،  تعليلاً مقبولاً،  فهو بيوريتاني باحث عن حقائق الاشياء ودقتها (( وكنت ارفض نشرها في ملحق الجمعة،  وانبهه إلى اني لو نشرت له شيئاً في صفحة الأدب التي اشرف عليها فسوف يعيره أعداؤه،  بأنه يبني اسمه في ظل أخيه،  وليس بقيمته الشخصية،  وسوف يتهمني أعدائي بأني استغل منصبي لأحابي أخي)) ص110.

لكن رمسيس استطاع النشر في ملحق (الأهرام) الأدبي في وقت تالٍ أيام تولى أحمد بهاء الدين رئاسة تحرير (الأهرام) في عامي 1974-1975 وما أكتفى لويس عوض بكل هذا الذي ذكره عن أخيه رمسيس،  وفعله إزاءه فأنه يؤكد ان أخاه رمسيس كان يغار منه،  ويحاول إخفاء هذه الغيرة تحت قناع من الهدوء،  والسبب -كما يقرره- أن أخاه مهما حاول فلن يحصل على ربع ما أصابه لويس من تأثير في الرأي العام بسبب جرأته،  واصفاً أخاه بأنه يخشى المجازفات وبطش الأعداء،  وأرى أن هذا تعبيراً نفسياً داخلياً لما يعرف بعلم النفس بـ (الأسقاط) فهو يسقط ما في نفسه على أخيه،  توهماً أو صدقاً ربما للتخفف من شعور بالإثم.

أسر موهبة تنتج كفاءات نادرة

وتأتي خاتمة الاتهامات قوله إن من النادر،  لا بل من الأندر ان تنجب أسرة ما أكثر من كفاءة،  لكنه إذ رأى رأيه مجروحاً وضعيفاً،  لا يلبث ان يستدرك قائلاً: ((ولا نعرف شذوذاً من هذه القاعدة إلا إسكندر دوماس الأب وإسكندر دوماس الأبن،  والفونس دوديه وليون دوديه وفلتات قليلة من هذا الطراز(…) وسعد زغلول وأخوه فتحي زغلول وشتان ما بينهما،  هناك أيضاً قبيلة الرافعي: أمين الرافعي ومصطفى صادق الرافعي وعبد الرحمن الرافعي،  وقبيلة النقاش،  ثم هناك الزعيم الفاشي أحمد حسين،  وأخوه المفكر الماركسي عادل حسين)) ص111-ص1112،  وإذ ذكر كل هذه الشواهد،  داحضة فكرته،  فأنه يضرب ضربته القاضية،  مستدركاً،  وليعزز قولته ناصاً على أن ((التأريخ وحده هو الذي سيغربل هذه الأسماء))ص110.

نعم. إن البون شاسع بين إمكانات لويس،  وإمكانات شقيقه رمسيس،  وظل لويس،  يدق كي يوقظ هذه المجتمع البليد،  وهذا ما كان في وكد رمسيس وما كان قادراً عليه،  ومع ذلك يظل في تقرير لويس شيء من (حتى) شيء من حسد وتنافس.

ولقد أدرت عن قولته هذه حديثاً نقدياً،  نشرته جريدة (القادسية) يوم السبت 9/9/2000،  وأعدت نشره في كتابي آنف الذكر عنوانه (الدكتور لويس عوض. تضخيم الذات على حساب الآخر) ذكرت فيما ذكرت: مجد أسرة بختيشوع الأثيل في دنيا الطب،  فضلاً عن أبناء الأثير الثلاثة: مجد الدين وعز الدين وضياء الدين وأسرة التنوخي،  ومن أشهر أبنائها،  مصنف (كتاب الفرج بعد الشدة) و(كتاب نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة) كان أبناً لشخصية لامعة في الأدب وخلّف ابناً هو القاضي هو عبد المحسن،  فضلاً عن أسرة (آل برونتي) الأدبية في إنكلترة: شارلوت صاحبة رواية (جين إير) وإملي،  مبدعة رواية (مرتفعات وذرنك) وآن برونتي كتبت رواية (مستأجر قاعة وايلد فيل).والأسرة التيمورية في مصر وعميدها: أحمد تيمور باشا وشقيقته عائشة التيمورية وابناه محمد ومحمود تيمور،  وأسرة آل ناصف وعميدها حفني ناصف وابنه الباحث الدكتور عصام حفني ناصف،  وشقيقته ملك حفني ناصف،  فضلاً عن أسرة سليم الفنية في العراق: الأب والأبناء: جواد ونزار وسعاد ونزيهة سليم،  والشاعر حسب الشيخ جعفر وشقيقه النحوي الكبير: الدكتور صاحب جعفر أبو جناح،  ولا أريد أن أطيل فأختم بآل المطلبي: عبد الجبار ومالك وعبد الحسين( حسان المطلبي) وغالب وعبد الرزاق ومحمد شمسي. لذا فان الحياة تجود بأكثر من كفاءة وطاقة في الأسرة الواحدة،  بخلاف قول الدكتور لويس عوض.

هناك مقولة نقدية عربية قديمة مفادها،  أن على من يجد في نفسه بذرة الشعر وجنونه،  أن يقرأ كثيراً من الشعر ويحفظه،  ثم يحاول نسيانه،  كي يتخلص من تأثيره،  ويختط طريقه الخاص به،  ولعل الدكتور عوض،  قد وعى هذه المقولة وحاول تطبيقها في قراءاته ودراساته فهو يصف ذاكرته بالذاكرة الحديدية فكان سريع القراءة،  شديد الاندماج والتركيز واصفاً عقله ((مثل مخزن جسيم متقن الترتيب،  ولكن مهما كان المخزون جسيما ومرتباً فكان لابد ان ينتهي التكدس فيه بالفوضى (…) فقررت ان أدرب نفسي على النسيان كما دربتها على الحفظ تماماً،  كما يلقي الملاح الحمولة الزائدة في البحر،  حتى لا تغرق السفينة. وكان لي منهج خاص بي في الدراسة،  فكنت اقرأ كل نص هام ثلاث مرات: المرة الأولى لمجرد المتعة والمرة الثانية للدراسة والمرة الثالثة للمتعة والدراسة)) ص 571. لذا أسعفته ذاكرته في الإغداق علينا بكل هذه الدراسات الرصينة،  فضلاً عن خطه الخاص في الكتابة والبحث وإصدار الراي بعيداً عن تأثيرات قراءاته.

أساتذته

وكما تحدث أستاذي الدكتور علي جواد الطاهر،  بكل مشاعر الشكر والعرفان عن أساتذته يوم أدار عن العديد منهم أحاديث نشرتها صفحة (آفاق) الرائعة بجريدة : (الجمهورية) في سنوات الثمانين من القرن العشرين درس فيها مصطفى جواد ومحمد مهدي البصير وطه الراوي ومحمد أحمد المهنا،  أعاد نشرها في كتاب أصدرته دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد بطبعته الأولى سنة 1987عنوانه (أساتذتي. ومقالات أخرى) فأن الدكتور لويس عوض بعد أن حدثنا عن زملائه في الدراسة،  يواصل بوحه ليحدثنا عن أساتذته الغربيين وأكثرهم إنكليز،  وقلة من الإيطاليين،  فضلاً عن أساتذته المصريين ومنهم: أحمد الشايب،  وأمين الخولي،  وطه أحمد إبراهيم،  والشيخ مصطفى عبد الرازق،  شقيق الشيخ علي عبد الرازق،  صاحب كتاب (الإسلام وأصول الحكم)،  وأستاذ الفلسفة أبو العلا عفيفي،  ويوسف كرم،  وعبد الحميد العبادي،  وشفيق غربال وغيرهم.وإذا كان لويس عوض جريئاً في كتاباته وصريحاً،  جلبت له وعليه جرأته وجراءته أذى كثيراً،  فأنه في مذكراته،  وسيرته الذاتية هذه،  كان أقل جرأة وصراحة،  حتى لكأن شخصاً آخر يتحدث،  ولعل ذلك ناتج عما رسخ في الذات الشرقية وترسخ،  من تهيب لدى الحديث عن الذات،  التي نحاول تلفيعها بالأغطية والعباءات،  ورأيي بها يكاد يقترب من رأي الجواهري الكبير في مذكرات الأستاذ كامل الجادرجي،  لقد كان الأستاذ كامل غائباً أو مغيباً،  وظلاً باهتاً لكامل الجريء الذي أمضى العمر يقارع من أجل الحق والحقيقة وأحقاقهما.

قال الجواهري،  قرأت مذكرات الأستاذ كامل الجادرجي وما وجدت كاملاً الجادرجي. وأقول،  قرأت مذكرات لويس عوض وسيرته الذاتية،  وما وجدته بل وجدت ظله،  وما وجدت لويس عوض المقارع من أجل حقائق الأشياء،  والتي تعرض بسببها إلى حملات المتزمتين والأصوليين،  ولعله في أخريات أيامه،  قد تطامن وضعف،  أو لعله امتثل لرأي جدنا أبي نواس الحكمي الذي كبح نفسه عن البوح بأسرارها،  مقرراً أن لما وصلت إلى مواطن الأسرار قلت لها قفي!

أنا لا أطالبه أن يكتب مثل الغربي،  ولا أتعهد أن لو كتبت مذكراتي،  أن أكتبها كما يكتب الغربيون،  لكنها كانت خلواً حتى من أسرارها البسيطة.

لقد كانت ثرداً قرب الإناء،  لا ثرداً في الإناء.

مشاركة