عراقية كارل لا تجد البديل المناسب للتغيير

230

فرات المحسن يلبس ماركس اليشماغ

عراقية كارل لا تجد البديل المناسب للتغيير

حمدي العطار

رواية (كارل ماركس في العراق) لم تكن المحاولة الاولى في أعادة أنتاج ماركس،لمناقشة نظريته الشيوعية التي يصر النظام الرأسمالي على موتها! وهي محاولة لأحياء ماركس ونظريته لتطبيقها على الواقع الحالي، قبل أن نتحدث عن رواية “فرات المحسن”  علينا الاشارة الى مسرحية (عودة ماركس) أو (ماركس في سوهو) للكاتب الأمريكي “هاوراد زين ، مسرحية هي من مسرحيات الممثل الواحد، جسد دور ماركس الممثل الأمريكي” براين جونز″ يستعرض في المسرحية حياته ويشرح أفكاره في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في – سوهر بنيويوك- وفي المسرحية يدافع المؤلف عن الماركسية في الوقت الذي يكرر دائما بأنه (ليس ماركسيا)  معاصرا وينتقد الماركسيون لأنهم قاموا بتشويه الماركسية ! وتدور المسرحية في حوار مع النفس ومع الجمهور في سخرية كوميدية سوداء.

ماركس في العراق

– “فرات المحسن” كعراقي طبق المثل الذي يقول (لو خرج ماركس من قبره وشاهد الماركسيون والشيوعيون بماذا يفكرون ويتصرفون لكفر بالماركسية) – الرسالة تبدو واضحة وضوح الشمس في هذا اليوم المشرق الجميل- هذا هو الاستهلال لرواية ماركس في العراق ، مجموعة من مريدي ماركس يوجهون دعوة الى ماركس لزيارة العراق لحاجتهم لوجوده بينهم، وينصحونه بقراءة (مؤلفات ابن خلدون وكتب علي الوردي) الرحلة الى العراق سوف تستغرق عشرة أيام ،يقرر ماركس أن يصطحب معه كتابين الاول “كتاب المتخيلات الاجتماعية الحديثة لشارلز تايلر “فهو يناقش تشكيل الهوية الوطنية،ومنابع الذات والحداثة والعولمة والدين، والكتاب الثاني “المجتمع الشبكي لدارن بارني” الذي يتحدث فيه عن أقتصاد المعرفة والعولمة،وحال الدولة القومية والثقافة والجماعة، ومعنى العمالة والبطالة في العصر الرقمي.

السردية يرويها ماركس وهو يزور العراق بمفارقات ساخرة لتصرفات العراقيين في بغداد- والنجف- والناصرية- والعمارة- والصويرة وتتصاعد الاحداث من خلال صدمة ماركس بهؤلاء الذين يدعون الماركسية او الشيوعية!ويؤكد الروائي بأن هذه المجموعة لا تمثل (الحزب الشيوعي العراقي) من خلال هذا الحوار بين ماركس والرفاق الذين جاءوا لأستقباله في ساحة عباس بن فرناس “قال ماركس″يمكننا إكمال الحديث في مقرحزبكم، أعتقد إن هذا أفضل من الوقوف هنا،،-رفيق ما عدنا مقر ثابت، – ولكني عرفت أنكم تملكون مقرا ثابتا،- رفيق مو أحنه ألي عرفت عنهم،- ولكن هذا ما أخبرت به من رفاق لي في لندن قبل مجيئي، -يمكن خبروك عن غيرنه،- أذن هناك غيركم؟- نعم وهناك خلافات واختلافات أيدلوجية بيننا وأحنه ما نريد نلتقي وياهم”

من أجل جعل السخرية هي الصفة الغالبة في هذه الراوية جعل من ارسل في  طلب  ماركس نوعا يمثل (حثالة الشيوعية) وهذا ما سوف نكتشفه ونحن نقدم تلك السردية للنقد الموضوعي!!

حينما يكون الخيال واقعا

في هذه السردية يتم زج كل السلبيات الاجتماعية في الشعب العراقي حتى تكاد الشخصية المحورية (ماركس) أن يضيع وسط هذا الزخم الهائل من المتناقضات،ويصبح النموذج أنعكاسا للواقع،وتضيع المسحة الجمالية لقوة الخيال في ظل البحث عن الفضيلة في مسعى فاشل لمفكر يعترف بعجز نظريته لتفسير المواقف والتصرفات العبثية لأشخاص من المفروض أن يمثلون نخبة مثقفة في المجتمع العراقي،فأذا كان الامر مقبولا في حوادث ومقولات ركاب الطائرة ورجال الشرطة والسائق وأخرون اناس بسطاء،  فلا يمكن تبرير تصرفات من جاء يستقبل ماركس بهذا التهريج!”سبعة أشخاص بأناقة تامة رغم الحر القاتل،أحدهم يرفع راية حمراء والآخرون راحوا بموجة من تصفيق يترافق وهتاف مدوي متكرر- هله بيك وبجيتك هله … هله بيك هله وبجيتك هله..هله بيك هله يشيخ المرجله..

وفي أول محاضرة لماركس في بغداد يصطدم بالجمود العقائدي الذي تمتاز به بعض التنظيمات الشيوعية في العالم الثالث متجاهلين أن من يتحدث معهم هو مؤسس الماركسية (ماركس) “أن ما سوف أطرحه عليكم لا علاقة له بالماركسية الكلاسيكية،حيث كنت والرفيق إنكليز عهد ذاك أن التاريخ مجال مكشوف أمامنا بالكامل، ومهيأ أن نتناوله بما نرغب أو نعتقد،وكنا نتصور أمتلاكنا القدرة على استحواذ الماضي والحاضر ومن ثم المستقبل،وحددنا خطوط التطور حصرا بالصراع الطبقي، وتفسير هذا الصراع وصياغة شروطه وتفكيكها يقع على عاتق الطبقة العاملة دون غيرها” ويستطرد ماركس في شرح تأثير الماركسية الكلاسيكية على التغيرات التاريخية التي حدثت في العالم،ومن ثم ينتقد تطبيق الماركسية ليصل الى لب الانتقاد والتغيير في هيكلية العلاقة بين العمال واصحاب رؤوس الأموال “سمي لاحقا بالصلح التاريخي، حين عقد هذا الصلح بين نقابات العمال وأصحاب رؤوس الأموال، وكان هذا الصلح كافيا لدفعنا جميعا لإعادة التفحص من جديد في أسس النظرية”بهذا الاسلوب السردي عالي المستوى من قبل الشخصية المحورية ماركس سنجد الكثير من التحليلات النظرية الذكية للربط بين ماركس في زمنه وماركس في هذا الزمن، وخلاف ذلك سيكون هناك تقاطعات في الوعي ينعكس في احاديث الشخصيات الاخرى في الرواية ماعدا والى حدما شخصية (جبار)حينما يعترض بعض الرفاق بشكل فج على طروحات ماركس وانتقاده للماركسية الكلاسيكية التي لم تعد قادرة على تقديم الاجوبة المقنعة لهذا العصر ،وما يواجه من غضب واستهزاء من الحاضرين يقول جبار لماركس “رفيق لا تهتم فالمراهقة السياسية دائما ما تواجهها جميع الأحزاب والتنظيمات، وهي واحدة من المعوقات لا بل المؤذيات في العمل”

ماركس في جنوب العراق

السردية دائما من وجهة نظر أجنبية لعادات وتقاليد العراقيين ،وشعائرهم الدينية والمذهبية، سيكون فيها أنتقاد كبير، وكيف سيكون الموقف حينما يكون هذا الاجنبي (ماركس)! ويجب ان لا نستغرب تحليل ماركس للفعاليات الدينية فهناك الكثير من العراقيين لهم نظرتهم الانتقادية عن تلك الشعائر ولكن لأسباب تختلف عن التحليل الفكري، قد يكون لهؤلاء موقف طائفي من تلك الممارسات المذهبية، أو يكون تفكيرهم علماني يرى المبالغة في تلك الشعائر من أجل التغطية على الفشل في أدارة الدولة أو استخدامها من أجل التضليل والفساد!

– في جولة مكوكية اصطحب جبار ماركس الى المحافظات الجنوبية، (النجف- الناصرية- البصرة) وحينما يصادف زيارة دينية على طريق النجف (مشيا) تساءل ماركس ” عن هذه الحشود وهي تسير تحت لهب الشمس الحارقة”؟ يجيبه جبار “هؤلاء يذهبون مشيا على الأقدام للوصول إلى مدينة كربلاء حيث قبر الحسين الذي قتل ..وهذه الحشود تتوجه مشيا تبركا..ولنصرته،وايضا يضنون أنهم يفعلون هذا تكفيرا عن مشاعر ذنوب يحملونها ويتوارثونها جيلا بعد جيل وبالذات الفقراء منهم،أما أغنياؤهم فهم أسياد الموقف وهم المنتفع الأول من كل تلك المشاعر والشعائر،ويوظفونها لكسب الأرباح المادية والمعنوية”! نتوقف عند هذا التحليل الذي يحمل مغالطة،فالمشي لا يقتصر على الفقراء الشيعة بل يشمل كل شرائح المجتمع! وقد يكون الكثير ممن يمارس هذه الشعائر ليس نموذجا صالحا في المجتمع وهذا ايضا يشمل من كل الطبقات ولا يقتصر على الاغنياء فقط! التفسير الطبقي للشعائر ليس موفقا في هذه الجزئية، قد ينطبق هذا التوصيف على بعض السياسيين من الاسلام السياسي لكنه لا ينسحب على الاغنياء وهذا تعميم فيه تجني!ثم يرد ماركس عليه قائلا “هذا ما قلناه في الكثير من مجالات بحوثنا وكتاباتنا، وما يفعله المنتفعون من الدين بتخدير البشر بنصوصه لتطويعهم وإفقارهم”وقد يكون السارد فسر مقولة ماركس (الدين أفيون الشعوب) بهذا التفسير!

– يسرد لنا الروائي مفاصل من كيفية ادارة الملف الامني من خلال السيطرات وممارسة تعاطي الرشوة او المحسوبية والمنسوبية! ويعود جبار يسرد لماركس فساد السلطة المحلية في المدينة الدينية التي تكسب مبالغ مهولة من السياحة الدينية ،لكن النجف “بقيت، حالها حال باقي المدن الدينية في العراق، دون عناية واهتمام، ينتشر فيها الجوع، وانعدام الخدمات الصحية” ويتحدث عن الامام علي بن أبي طالب “أبو الفقراء والاشتراكي الأول، معددا مناقبه ومستعرضا بعض أقواله”

– في الناصرية يعقد ماركس ندوة يقترح فيها جبار ان تكون على صيغة اسئلة الى ماركس اختصارا للوقت!

ففي سؤال “بأن المجتمع العراقي ناضل كثيرا ولكن في الأخير رجع كل شيء إلى الوراء وسيطرت عليه مافيات تحكم بأسم الدين وامتلاك الحقيقة”؟ في طي اجابة ماركس عن هذا السؤال يجيب “لا ننسى أن الدين في مثل هذه المجتمعات يعني عجز عقل الإنسان عن التعامل مع حوداث لا يمكن فهمها أو يتعذر عليه تحليل كنهها”

– في الطريق الى البصرة،يضع السارد النزاع العشائري المسلح لأسباب بسيطة حجة امام عدم الوصول الى البصرة والرجوع الى بغداد،”خروف طاب بمزرعة عشيرة البو حميرة وجهال العشيرة لازمينه وذابحينه وصار ما صار”ويشخص ماركس مثل هذا الانفلات الامني قائلا”دائما حين تهزل السلطة وتضعف مؤسسات الدولة وتزول الملاحقات القانونية تتفجر مختلف النوازع الجرمية العدوانية وتطفح نحو السطح مختلف أشكال العنف والاعتداءات وخرق القانون دون مراعاة لأي حقوق للإنسان”

العراق خارج (نظرية ماركس)

أذا لم يتوصل الشيوعيون وعلى رأسهم ماركس بعد عودته للحياة ورحلته الى العراق لمدة عشرة أيام والتي تمتد لعدة أشهر يتعرض فيها الى الاهانة والخطف والتعذيب والسخرية ويتم تجريده من شهرته (الشكلية) -اللحية والشعر – نقول أذا لم يقدم ماركس الاجوبة على أسئلة العراقيين ويحل عقدة اليسار وحيرة الشيوعية

تجاه تطورات العراق المعقدة، أو هو يقدم تحليلا غير دقيقا ،فهذا لا يعني أن العراق خارج التحليل السياسي “ولكن ما العمل مع بلد مثل العراق يخلو من تصنيف وانشطار طبقي، فالبرجوازية الوطنية طعنت من السلطة فأفرغت ساحتها لصالح تجار الفساد وصناع الجريمة… أما الطبقة العاملة فتبدو في حالة أكثر غرابة وتغريب من البرجوازية، فهي تظهر منزوعة طبقيا” لا يا سيدي ماركس ومعك الروائي “فرات المحسن” فالبرجوازية في العراق وباقي الدول العربية لا تشبه البرجوازية في المانيا وأوربا في ذلك الوقت، فقد كانت البرجوازية الاوربية (ثورية) بالمقارنة مع نظام الاقطاع ، بينما ولدت البرجوازية في العراق والعالم العربي وهي رجعية وليست ثورية هي تابعة للرأسمالية العالمية، البرجوازية بعد 2003 تمارس دورها في اشاعة ثقافة الاستهلاك (المولات) وتجارة العقارات وأغراق الاسواق بالسلع الرديئة! أما الطبقة العاملة فقد تعرضت الى تشويه وتهجين ، وممثل الطبقة العاملة (الحزب الشيوعي ) تعرض الى التصفية والتسقيط والتهميش ، فما هو الحل من وجهة نظر ماركس بطل فرات المحسن “أيمكن أن تكون نظرية فولتير في الحكم صالحة للعراق بشكل خاص” فأن فولتير خلص إلى فكرة عدم الثقة بالديمقراطية،كونها تروج لحماقات العامة والدهماء، وكان ينادي بحاكم مستنير منفرد بالحكم ولكنه يستمع لنصائح مستشارين أذكياء.. فولتير يفكر بالاستبداد المستنير كمفتاح للتقدم والتغيير”

نحن دائما نحاور فرات المحسن وليس ماركس الذي اشتهر بقانون تطور التاريخ ،ونفترض عند الراوئي حسن النية ،لكن النص يضغط علينا باتجاهات التفكيك لمعرفة ما وراءه من أفكار لنرى كيف يحلم ماركس بالحديث مع صديقه ورفيقه انجلز وهو نائم على تخت مقهى في باب الشرجي ” صديقي ورفيقي ماركس أنت من أكتشف قانون تطور التاريخ البشري وهذه الحقيقة البسيطة والواضحة دائما ما كانت تخفيها وتشوش عليها هيمنة الايدولوجيا،وهي إن الإنسان يجب أولا أن يأكل ويشرب ويجد المأوى والملبس قبل أن يصبح في استطاعته الأهتمام بالسياسة والعلم والفن والدين. ألم تلاحظ هذا هنا في العراق؟ يجيبه ماركس :- أعرف هذا عزيزي إنجلز،وما مجيئي إلى العراق غير محاولة لسبر غور حركة وتطور التاريخ البشري واكتشاف الحقيقة المتعلقة بالصراع الطبقي وطبيعة وسائل الإنتاج في هذا البلد العجيب الغني بإفراط والفقير بذات المستوى ونفس الوقت،..لم أعد أمتلك القدرة لتلمس وتتبع الأحداث والتطورات المتسارعة والمعيقة،فلم أجد طبقة عاملة بالمعنى الحرفي والاحترافي للكلمة،وأيضا تختفي بشكل مشوش البرجوازية” ويستطرد ماركس في تشريح الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في العراق حتى يصل الى أن (العنف ذاته أصبح قوة اقتصادية وولدت من رحمه مافيات مدججة بالسلاح” فيسأله إنجلز “ولكن أين منظمات المجتمع المدني من كل هذه الفوضى؟ يقول ماركس “ربما فاتنا سوية تطوير مفهوم رأس المال الاجتماعي..فقيمة وفعاليات العلاقات الاجتماعية ودور التعاون والثقة، لها الأثر الكبير في تحقيق الأهداف الاقتصادية” هنا يحتاج الحلم والحوار الى وقفة نقدية ،ماركس قد كتب عن النشاط بين الدولة والمجتمع (علاقات أقتصادية خارج الاسرة) حركات شعبية تفتقر الى ايديلوجية واضحة ، حركات أجتماعية متكونة من فئات مختلفة قد تتفق على هدف معين كما في الرواية (الاصلاح) ولكنها لا تملك برنامج سياسي للتغيير، لقد أصيبت الجماهير ليس في العراق وحسب بل حتى في العالم  بخيبة  امل جعلتهم يبتعدون عن الاحزاب السياسية ،المشكلة أن الماركسيين العرب لم يراعوا ظروفهم الخاصة لذلك ماركسيتهم لم تتوفق في تفسير وتغيير الواقع! في المجتمعات الشيوعية قبل انهيارها شكل المجتمع المدني معلرضة مؤثرة ضد النظام الماركسي الشيوعي ففي بولندا لعبت النقابات دورا هاما في اسقاط النظام،لأن النقابة كانت تمثل طبقة معينة وتملك نفس المصالح اقتصاديا، التظاهرات ومساعي منظمات المجتمع المدني في العراق لم تحقق أهدافها بسبب غياب التماثل الطبقي وعدم وجود التنسيق المناسب لمطالب المتظاهرين لذلك فشل هدفهم في الاصلاح ، فهل كان عليهم تبني شعار (شلع قلع) لأن النظام السياسي لا ينفع معه الا هذا البديل،أو أن يلجأ الماركسيون الى التقرب من الاتجاهات الدينية والتيار الثوري فيها كما هو يحدث الان ! أوكما حدث لشخصية (جبار) وأنماجه في الاسلام السياسي الحالم من أجل أن يحظى بمنصب في وزارة الخارجية كما في رواية – ماركس في العراق-

سد الطريق على التغيير

عدم طرح البديل في السرديات لا يعد ميزة حيادية! خاصة أذا كانت الرواية تعالج مشاكل سياسية حتى لوكان فيها الكثير من الخيال والفنطازيا! والشخصية الرئيسة ماركس في رواية ماركس في العراق ليس هو ماركس الحقيقي، الذي كان يضع مبادئ عامة تصلح للتغيير متلا متى ما  كانت الظروف الموضوعية والعامل الذاتي متوفر ،لكننا في المفصل الاخير من الرواية الذي حمل العناوين التالية:- خبز حرية دولة مدنية-الشباب زباين المقهى- وفي ساحة التحرير) يتوصل ماركس الى بديهية تفترض أن يرى التغيير يحدث بالشكل التالي”فالبشرية تطرح نفسها فقط المهام التي باتت الشروط المادية متوفرة لحلها، تتعمق وتدمج في الأنماط والأشكال والوسائل التي تنجز بواسطتها تلك المهام فعليا”ولكن في العراق لا تتوفر تلك الظروف المادية !فكيف يكون البديل الذي يتشكل بملامح شباب يريدون الاندماج بالحراك المدني للضغط على السلطة وتحقيق الاصلاح وليس التغيير الجذري ” اما عن الحقيقة التي أصبحت عند الفكر الليبرالي هي ما تسطيع أن تحققه هو الصحيح والحقيقة فهي في تصورات ماركس في العراق (أن المجانين وحدهم من يمتلك الحقيقة!

ثم أن ماركس لا يرى هناك أملا لولادة دولة مدنية في العراق وأقتصاده ريعي يعتمد فقط على تصدير النفط،كما يتم استغلال الدخل الوطني لمصالح فئوية وحزبية كما “ان حلم هؤلاء بالإصلاح يحتاج إلى أفق أوسع ” يغير ماركس اداة التغيير في العراق من الطبقة العاملة الى “هؤلاء الشباب أجد فيهم المعرفة الجدية والإيمان بضرورة خلق البديل المدني الديمقراطي، وهو البديل الوحيد القادر على بناء وطنهم”

كان بودي لو أن الرواية تنتهي في معرفة ماركس مقر الحزب الشيوعي العراقي ويلجأ اليه لحل الاشكال الذي وقع فيه وقد فقد كل المستمسكات حتى يبقى الباب مواربا لا أن تكون النهاية لماركس الاستعانة بشيوعي فوضوي مثل سامر لإيصاله الى الرفيق الجبار الذي تحول الى التدين الطائفي المزيف !كما يقول صديقه سامر “يعني يصلي ويقشمر بالناس على أساس هو متدين ورايح بالدين للوحة..وكصته صارت سوده من هلكد يصلي..وتخشخش ويه الجماعة المتدينين ألي بالحكومة، وأتعين بمركز مهم بوزارة الخارجية ومن ذاك الوكت أربع سيارات جيسكاره توديه وأربعة ترجعه وحرس أباب بيته”

قد وضع الكاتب في نهاية السردية مقولة لماركس قد تكون هي بصيص الامل في هذه الرواية (كان ماركس يتسقط حشود الجماهير وهو يبتعد مع سامر .. جموع غفيرة تصرخ وتهتف بملء حناجرها وتلوح بالأعلام،ويبدو الإصرار رغم التوتر هو السمة والطابع الظاهر على هذه الجموع.. شيء حسن يبعث على التأمل والأمل” ولو كان ماركس قد طلب من سامر أن يذهب به الى (مقر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي) لكان هناك فعلا مغزى من مجيء ماركس الى العراق ،لكنه كان يحث سامر أن يوصله الى (الداعية جبار) الذي أصبح مولانا جبار وليس رفيق جبار الشيوعي، هنا الخلاص عند جبار وليس عند الحزب الشيوعي ! عندها تكون العبارة الاخيرة لماركس لا تحقق جوهرها المعنوي (الإفكار تتحول إلى قوة مادية حين تتبناها الجماهير،ودائما ما تبدأ الثورة ببؤرة صغيرة ثم تتسع″

{  كارل ماركس في العراق رواية صادرة من دار الجواهري للنشر والتوزيع – بغداد، ودار العودة – بيروت سنة الاصدار 2017 يقع في 314 صفحة من الحجم الكبير

مشاركة