الحرمان في تجليات عطشى

151

الحرمان في تجليات عطشى

التأثر والتأثير والإنسجام المتدارك

رشا سمير غانم

شاعر الرافدين، سليم الفطرة والمنطق. برغبة من الشاعر الذي لا ارض له، سوى هويته التي لم تخدشها حيثيات البعد والترحال عن ارض الوطن لأسباب كثيرة. هو الأديب والمترجم الذي ترجم عدة روايات وكتب نقدية، من اللغة الاسبانية إلى العربية الأم وذلك لإتقانه الاسبانية مثلما يتقن العربية وغيرها من الشهادات التي حصل عليها حباً بالأدب والشعر وقريحته تناسب ذلك جدا. أعماله الشعرية تندرج تحت طائلة الشعر الحر، كغيره من شعراء العصر الحديث. وقد اهتممت بدراسة بعض أعماله الشعرية كونها مادة مهمة، ومعجمه اللغوي مختلف عن أبناء عصره خاصة في بعض قصائده التي تتحدث عن الوجود والأنثى الغيبية التي تثير قريحة الشاعر والحب الذي يخدر الحاجة حينما تطلبها الخيالات. فقد مر معي في أثناء قراءتي لقصائده شخصية الشاعر التي تتغلغل في تفاصيله، حيث أنها نسخة أصلية من الطبيعة لا من الاختلاق. وكثيرا ما كنت أتوقف عند بعض قراءتي له، فكان يذكرني بعهد قديم لكثير من الشعراء، وسأسهب بذلك فيما بعد (التأثر والتأثير). وقد استخدمت المنهج الاستقرائي والتحليل الانطباعي في قراءتي لأشعاره.

أولا، في قصائده حرة الوزن الطوال، كان لا بد من أن أنتبه للأصل النفسي للإبداع وكيف تنساب منه عبارات الألق والتجلي وسط هذا الحزن والركام، وككل شيء محفور في ثناياه الذات الشاعرة التي تقول الشعر حتى إن ما قصدت النظم، ففي أصلها النفسي هي قريحة منمقة وبهذا ابدأ من قصيدة (فجر التعاويذ) هذا المقطع:

ِ وحدكِ تفرّعت من خاصرتي،

طُقوس الكتابة

ومنكِ تمادت بُخور الدَواة،

قرابين كلمات فِدىً للغياب.

أكتبُ لكِ فجراً وغسقا

فلم تعد تعنيني الأزمنة،

كل أوراقي موصولةٌ بعقارِبكِ،

كيفما درتِ دارت

وأنّى أسْتكنتِ، أستكانتْ.

في فجرِ التعاويذ،

وانا أشدُ بقاياكِ

وأزعمُ اني راحلِ

وأني سأترككِ على فراشِ

 الفراقِ تعانين

وأزعمُ لنفسي بأني مهدكِ الأخير

واعرِفُ جيداً، انني رجلٌ

يتسلّقُ عنقَ الطُموحِ أجيراً،

وانكِ امرأة لا تتمدد على أبسطةِ الحُلمِ،

ولا تستريحُ في ضبابِ حقائبِ المُسافرين،

مثلي.

إنها من أجمل قصائده التي قرأت فيها شيطانه الشعري الذي ينبه حواسه على النطق، ألا وهي (الأنثى) التي يعاتبها على وجودها المُتعب. فالشاعر يحتاج البراءة أحيانا لتوخز بنبضه, حيث مافات كان ألذ للذكرى وأنثاه المبهمة متعبة للذهن تجبره على الشعر والنظم ليتخلص منها. ففي أشعاره استخدم الرمز والأسطورة الأنثوية التي كان ينسجها في كل مرة من خياله المكتنز بالأبجدية التي لا تخص أحدا سواه وبذلك فقد أتم أهم خصائص الشعر الحر في مقاطع شعرية عدة وذلك دون ان يتقصد توظيف هذه الأسطورة فالعمل الأدبي كالأسطورة الشخصية التي نبع منها وحدة مركبة لا ينفصل فيها الإدراك عن النزوع. هو من الحالات الشعرية التي تقول وتنظم ما يطرأ في الذهن مباشرة كمن يقول الشعر لنفسه فلا يحتاج للتزييف أو الترتيل المعتاد وفي زاوية أخرى حيث قال:

فانا احبكِ وانتِ تصهِلين

على أرضِ جدودي

احبكِ وانتِ عليها تركضين،

فيا امرأة هزمتني

حتى في الغيب،

لستُ اول الخاسرين

 في مُدُنكِ

ولستُ اول البائسين

ولا اول النادبين فُقدانكِ.

************

هل تعرِفين أنني رجُلٌ

تستوطنهُ العبرات

وتتنفسهُ الزفرات،

لا يؤمنُ بالعشق

إلا لامرأة مثلكِ؟

الحرمان الذي يظهر في جل عباراته المبطنة التي يشير فيها إشارة لبعض ما يجول في نفسه، وكان يتذكر أنه رجل شرقي عليه بالإظهار حين، والسكوت عن الزفرات في حين أخر حتى لا يقع بشراك التوسل لأنثى أخرى، فنجد في مقاطعه هذه استجابة وجدانية للمادة الشعر والأدب لدية. فعباراته تأن بالوجع الأبدي معجمه اللغوي قليلا ما يكون مستهلكا وبعض العبارات كانت ملكا لأبجديته التي هي عكس ما ينطق بها فقط هي تحاكي الذات الشاعرة التي تستوطنه فحسب.

اكتمال نسبي

 وفي حين أخر اطلعت على جمهوره الذي يقتات شعره وأدركت إن النص لا يكتمل اكتمالا نسبيا دون جمهور يثق بلغة ما يعرض ويكتب وهذه كرامة أخرى , وبهذا الاطلاع كنت أحرس العمل الأدبي كوظيفة إي ناقد لأجعله مفهوما لأبناء عصره دون التدخل بحيثيات الشاعر أو اللغة المكتوبة تحفظا على الدور وعلى أن لا أهلك القصيدة بأي إسهابات أخرى وذلك لان ما يحصل في ذهن القارئ ليس كما يحصل في ذهن الكاتب فعلينا التشبع بفكرة الفن للفن وأن القراءة تبقى خاطئة وصحيحة حتى تحمل على المجاز ولولا أني شعرت باندماج ما أكملت هذه القراءة.

وفي قصيدة (حزن المساء) كان مسهبا جدا بريح الصبا التي تدخل كلام أي شاعر بعبارات ملثمة وتثير أحزانه التي لا تعد ولا تحصى وتقتله قتلا مبررا فما اهتممت بالشكل بقدر المضمون وأسطورته لم تغب عن ذهن أي قارئ، وهي التي تجعلنا كقرّاء أو ناقدين نعتمد القراءة النصية الداخلية لبوحه والتي تتجمع في بؤرتها مناهج عدة من مناهج النقد الحديث.

في قصيدته انضباط ذاتي يحاكي ما بروحه من بعثرة للحواس حيث قال:

ما الذي يتبقى حين يكّرُ المغيب؟

ظِلٌ باهتٌ منكِ

وذكرياتٌ ماطرة،

وليكتمل حُزن المساء،

أصبُ في كأسٍ أخيرة،

كل المُدن التي انغرست في أمسي

وكل النساء اللواتي راودننيِ عن نفسي.مثل مُصور عجوز،

أنفُضُ عن عدسةِ الذاكرة

غُبار الوُجوه،

وأعيدُ تجميل بعضها الآخر

وأُصلحُ الرتوش

علّها تصيرُ أنضر،

ويصيرُ الليل بها أقصر.

في هذه القصيدة تحديدا، تجليات كثيرة، فقد ظهر تأثره بكثير من ثقافة الشعراء. وهنا ظهرت قضية التأثر والتأثير وغيرها من الانسجام المتدارك الذي يدل لا محالة على الثقافة المطبوعة في ذهن الشاعر والتي تتدخل في شعره رغم انفه ونجد في عباراته التدخل القرآني كصبغة أولية في تأثره الأول كشاعر عربي يقرأ القرآن.

إذن، حسين نهابة، شاعر من بلاد الرافدين يحتفظ بأسطورته وهي أجمل ما يكاد يقرأ عنده وما أردت أنا كطالبة في اللغة العربية إظهاره كروح لقصائده وهذه قراءة مبدئية لبعض نصوصه التي حصلت عليها بانتظار أن أجسد عباراته بمقالة نقدية متشعبة المدارك.

مشاركة