محمد نوشي تهدي مذكراته لـ ( الزمان ) (1-2)

211

محمد نوشي تهدي مذكراته لـ ( الزمان )     (1-2)

ملحن عشك أخضر حاضر في ذكرى رحيله

فائز جواد

يقينا ان الساحة الغنائية العراقية كانت ومازالت وستبقى متخمة باسماء الملحنين العراقيين بالالحان الشجية ليس على الصعيد المحلي بل على العربي عندما استقطبت الساحة الغنائية العراقية كبار الاصوات العربية الذين قدموا الى العراق لغرض الاتفاق مع كبار الملحنين العراقيين بعدما نالت اعمالهم الغنائية شهرة واسعة على الصعيد المحلي والعربي بالتالي حرصت اصوات عربية مهمة ان تتعامل مع اسماء ملحنين عراقيين ، واذا ماستعرضنا اسماء الملحنين العراقيين المبدعين ومنهم من رحل الى عالمنا الآخر ومنهم مازال يبدع ويتواصل مع مدرسة الغناء العراقية وخاصة المدرسة التي لم تتاثر قط بالاغنية المصرية وهذا مااعطى اهمية للالحان العراقية الجميلة فحرص كبار الاصوات العربية على التعامل مع الملحنين العراقيين بهدف الحصول على لحن غنائي ينال الشهرة لحنا من اول بث لها في الاذاعات ومحطات التلفزة العربية ويقينا ان الشواهد عديدة  على اسماء عمالقة الملحنين العراقيين ،

وفاء من ( الزمان ) التي حرصت على استذكار رموز الفن والثقافة والمبدعين تقدم ملفا خاصا عن الراحل محمد نوشي الذي كان اصراره وصبره هما من صفانه المميزه ، وحفر اسمه بين اسماء كبار الفنانين من الملحنين العراقيين  الاوائل الذين كانوا يتفوقون على ما عداهم  من الملحنين الناشئين. في سنوات الخمسينيات والستينيات  من القرن الماضي، كانت ثمة اغنيات تلفت الاسماع من خارج حلبة هؤلاء الاوائل. من ملحن  ناشئ، اغنيات متباعدة ولكنها تترك اثرا لدى المستمع ومن هذه الاغنيات مثالا وليس حصرا سبحانه الجمعنة بغير ميعاد لوحيدة خليل، وياكلبي لا تكول التوبة لمائدة نزهت والقائمة تطول سنذكرها بالتفاصيل في الملف الخاص الذي قدمته لنا عائلة الراحل محمد نوشي والذيدونه وكتبه الراحل بخط يده قبل رحيله باشهر ليبقى شاهدا حقيقيا على مسيرة فنان وملحن كبير يتباهى به العراق لما قدمه من مسيرة حافلة بالمنجزات الموسيقية واللحنية وتتمنى الامم والشعوب ان ينتمي مثل هذا العملاق لهم ويقينا ان الدول التي تحترم مبدعيها  ورموزها في الفن والثقافة والادب لاتكتفي بالاحتفاء بهم وتستذكرهم بمناسبة رحيلهم الى عالمنا الآخر بل تسهم بطبع كتب وملفات توثق مسيرتهم الزاخرة بالمنجزات والابداعات بل وتقيم لهم اسابيع استذكارية تقيمها الجهات المعنية بالثقافة والادب وتخصص وسائل الاعلام كافة برامج وملفات عن اعمالهم التي تفتخر بها الساحة الفنية والثقافية والفنية اضافة الى ان تسمي قاعات وشوارع وساحات ومنتديات وصالونات ثقافية وادبيه باسمائهم وفاء لما قدموه خلال مسيرتهم الطويلة وبكل تاكيد هذا يعطي جرعات اضافية للمبدعين الشباب في التواصل والمسيرة ولايفكروا قط باختيار دولا عربية واجنبية يقيمون بها ليقدموا ابداعاتهم ومنجزاتهم .

( الزمان ) تقدم اليوم ملفا خاصا عن الراحل الملحن الكبير محمد نوشي كان قد دونه وكتبه بخط يده قبل رحيله ليبقى كما اسلفت شاهد عيان على مسيرة مبدع من بلد المبدعين وعمالقة اللحن العراقي الذي تباهت الاغنية العراقية باعماله الكبيرة ، فكان الراحل المولود عام  1935 انطلق في العام 1954 وحتى وفاته رحمه الله  . وقد اطلق محمد نوشي اغنيات كانت صفاتها الشعبية والريفية القاعدة الاساس لها وقد لحن لعدد كبير من المطربات والمطربين مثل عفيفة اسكندر، مائدة نزهت، فاضل عواد، حسين نعمة، لميعة توفيق، وفاء البغدادي، محمد عبدالمحسن، جميل قشطة، سعدي الحلي مجموعة الريف عبدالجبار الدراجي وغيرهم الكثير وقد حقق الكثير من النجاح على مستوى الجودة ولولا فضيلة الصبر والتواصل لتوقف محمد نوشي في بداية المشوار ولكن صبره واصراره هو الذي جعله يضع بصماته في يا سفانة وعشك اخضر وليلة ويوم وهذا الحلو كاتلني وغيرها. ومثل محمد نوشي  بين تلحين الاغاني الريفية والعاطفية والوطنية واستطاع  ان يثبت قدميه على نحو يسمح له بان يسمع الناس  بين الحين والاخر شيئا يستحسنونه. الاصرارا هو من صفات الملحن محمد نوشي وهذا الاصرار جعله واضحا في اكمال دراسته الموسيقية في معهد الفنون الجميلة متخطيا عامل السن والزمن ومواظبا في الوقت نفسه على التلحين وقيادة فرقة الريف ومشرفا على برنامج الوان من الريف بالاضافة الى عمله خياطا من الدرجة الاولى. ان مثل هذا الاصرارا الذي اتبعه محمد نوشي رحمه الله هو الذي نريده لفنانينا الذين لم تتح لهم فرصة الدراسة الاكاديمية وبهذا الاصرارا وصل المرحوم محمد نوشي الى ما وصل اليه وحفر اسمه بين كبار الملحنين العراقيين.

مادونه الراحل من مذكراته بقلمه قبل وفاته

    بسم الله الرحمن الرحيم

هذا السجل لبعض سيرتي ومسيرتي الفنية التي قاربت على النصف قرن في خدمة الموسيقى والغناء العراقي الأصيل .فليسامحني كل من يطلع على هذا السجل حيث أتى غير متسلسل تاريخيا وعذري إني لا املك سجلا لمسيرتي الفنية وإنما اعتمدت على ذاكرتي وبعض من أوراقي القديمة … ومن الله التوفيق …. مذكراتي/ 30-6 –  2000  الملحن محمد نوشي

الطفولة والصبا

كتب الراحل بمذكراته يقول (لم تكن طفولتي تشبه طفولة أبناء محلتنا حيث لم يكن ميلي للعب مع الأطفال كثيرا وإنما كنت اجلس مع أخي الكبير عبد الستار لسماع أغاني كبار المطربين العرب في  ذلك العصر أمثال : عبد الحي حلمي وصالح عبد الحي وسلامة حجازي ومنيرة المهدية ومحمد المسلوب ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم . أما المطربين العراقيين مثل محمد القبنجي ورشيد القندرجي  ونجم الشيخلي  وعبد الأمير الطويرجاوي وزكية جورج  ومنيرة الهوزوز وسليمة مراد واشخير سلطان وغيرهم من أكابر مطربي ذلك الزمان ).

ويضيف ( كان والدي وأعمامي يجيدون غناء المقام العراقي كغيرهم من البغداديين . كان أكثر أبناء بغداد يجيدون أصول وفروع غناء المقام العراقي حيث إن  بعضهم لا يمتلك صوتا شجيا ولكن يستطيع أن يدرس أصول غناء المقام بأدائه القوي المتقن . أما أخي عبد الستار كان من هواة جمع الاسطوانات ولديه مئات المئات من الاسطوانات لكل المطربين العرب والعراقيين. أول عود اشتريته بدينار وخمسمائة فلس سنة 1951 ومن حسن الصدف كان الأستاذ جورج الخيالي يسكن في دار قريب من محلتنا وهو من الرعيل الأول الذين قدموا حفلات غنائية من إذاعة بغداد وكان عالم في جميع المقامات الموسيقية والتراكيب الإيقاعية .

ذهبت مع شقيقي عبد الستار إلى دار الفنان جورج الخيالي وقلت له أنا أحب الموسيقى والغناء وأريد أن ادرسهما .بعد الترحيب قال هناك ثلاثة طرق لدراسة الموسيقى .قلت ماهي .قال : أولا : طريقة الحروف التي تكتب عربيا يعني دو / ري / مي/ فا / صول /لا / سي / دو

ثانيا : الطريقة الثانية هي الطريقة التركية التي كانت تدرس في معهد الفنون الجميلة في ذلك الوقت . ثالثا : تسمى هذه الطريقة بالعالمية  ويستطيع أي موسيقي أن يقرا ويعزف بسهولة كل لحن مكتوب بالتدوين المتعارف عليه أي  ( النوتة ) . قلت : أحب أن ادرس الطريقة الأخيرة وبقيت فترة غير قصيرة ادرس أصول الموسيقى عند هذا الرجل الكريم الذي  لم يبخل علي بأي شيء من علمه الموسيقي العميق ….)

الفنان جميل قشطة

يضيف الراحل بمذكراته (في سنة 1962 قدمت لحن بصوت الفنان جميل قشطة وكان وقتها يلقب بمطرب المطربين ,قدمت له لحنا مميزا وكان وقت الاغنية ست عشرة دقيقة وفيه تراكيب موسيقية وايقاعية مختلفة وجميلة , اسم الاغنية سنين الحب  وهي من كلمات كريم خليل . في السبعينات من القرن الماضي كان يوفدون الى العراق الكثير من الفنانين العرب وكان من بينهم المطرب محمد رشدي .كلفني قسم الموسيقى أن اعد لحن لهذا المطرب الكبير وفعلا لحنت له لحن يتناسب وامكانياته الكبيرة , أغنية بعنوان أم الخزامّى من كلمات كاظم الرويعي وفعلا عملنا بروفات مع الفرقة الموسيقية ولم تنجز في يوم واحد وقلنا ان غدا لناظره قريب . وفي الساعة الثانية عشر من نفس اليوم أتت برقية مستعجلة تحثهم للسفر لبلد عربي وفعلا سافر الوفد والمطرب محمد رشدي الى ذلك البلد في الليل وبقي اللحن ينتظر مطرب اخر .

وبعد يومين التقيت بالفنان محمد عبد المحسن وقال لي ( ممكن ان تعطيني اللحن الذي وضعته للفنان محمد رشدي) وطبعا رحبت به وقلت له (كل ألحاني طوع يديك ). وفعلا سجل وصوّر لحن أم الخزامى الفنان محمد عبد المحسن وأجاد وأبدع كل الابداع كما هو معروف في ادائه الجميل الشفاف. ومثل ما حدث مع الفنان محمد رشدي ,حدث مع الفنانة سميرة توفيق ولكن بشكل اخر ففي  سنة  1974 أتت الى العراق لإقامة حفلات غنائية بمناسبة العيد الوطني للعراق . اتصل بي الفنان الأردني جميل العاص وقال سميرة توفيق معجبة بألحانك وتريد أن تعمل لها كم لحن وفعلاً هيئت لها بعض الألحان منها أغنية  الجوبية  من كلمات كاظم الرويعي وكان دوام الفرقة الموسيقية الحديثة مساء , اجرينا بروفات على أغنية الجوبية  وفي اليوم التالي أتى الفنان جميل العاص وسأل رئيس قسم الموسيقى عن أجور الأغنية تسجيلا وتصويرا فقال له رئيس قسم الموسيقى (ان الفنانة سميرة توفيق مشهورة ومعروفة وسوف نصرف لها أعلى أجر) فقال الفنان جميل العاص ( كم ؟) قال رئيس قسم الموسيقى ( عندنا لوائح صرف أعلى اجر لأشهر مطرب او مطربة هو 40  دينارا). سافرت سميرة توفيق في اليوم التالي ولم تأت الى العراق الى يومنا هذا وبعد ايام التقيت بالفنانة غادة سالم وقالت ( يا محمد ممكن أن أسجل أغنية الجوبيه) فقلت لها ( توكلي على الله ). ذكرت هذه الحادثتين بظني لو غنى المطرب محمد رشدي  أم الخزامى  وغنت سميرة توفيق الجوبيه  لأصبح الأمر مختلفا ولكن كل شيء بيد الله سبحانه وتعالى ..ذكرت سابقا أني أول من قدم الفنان الدكتور فاضل عواد تلفزيونيا وبعدها قدمت له مجموعة من الألحان أذكر أبرزها أغنية عادو الغياب كلمات كاظم الرويعي وأغنية عمي يبو مهيله وياك كلمات زامل سعيد فتاح وقصيدة  عروس الرافدين  شعر يحى السماوي ).

مشاركة