حياوي يفتح صفحات بيت السودان

153

حياوي يفتح صفحات بيت السودان

كيمياء التفاعل السردي

محمد جبير

يضع محمد حياوي في روايته “بيت السودان –الصادرة عن دار الآداب –بيروت” المتلقي في أتون الحكاية ليكون مراقبا وفاعلا ومعاشيا لكيمياء السرد الروائي،وإذا كانت عتبة هذا النص تثير إشكالية لدى المتلقي العربي عبر إشكالية مفردة “السودان” فإنها واضحة الأبعاد والدلالات  للمتلقي العراقي بمافيها من إيحاءات إيروكية تشعل حرارة المتلقي السلبي في التفاعل مع التطور السردي للحكاية وتناميها وامتدادها على ضفاف وشواطئ متعددة.

هذه العتبة الإيحائية تستدعي التفاصيل والصور والحكايات المخزونة في ذهن المتلقي وتحدد مساراته في التعامل مع الحكاية السردية في المتن الروائي،وهذا الشد والجذب بين المتلقي والسارد تبدأ تجليات الحكاية في الإضافة من حيث الخيال والإدهاش الواقعي وبين الصورة وتمنيات الحال لدى المتلقي، إذ يتشكل الجدل السردي بين المخزون الذهني والمطروح السردي الورقي ليعيد تشكيل حكاية مجاورة قد تكون الوسيط التلقائي في إنعاش الذاكرة وتجدد المتعة القرائية.

الوطن إنسان

يجسد محمد حياوي في هذا النص السردي الوطن بوصفه إنسانا يعيش بيننا وينشغل عنا بمحنه وعذاباته وانكساراته كما يقول ذلك صديقنا الشاعر المتألق عيسى حسن الياسري، فقد اتخذ الكاتب من “بيت السودان” منطلقا لرواية حكاية إنسان ومن ثم تجسيد حكاية الوطن الإنسان، وهو الأمر الذي لم يبتعد عنه الكاتب في انشغالاته السردية في النصوص السابقة مثل “خان الشابندر أو تغوّر الماء” ولا في النصوص اللاحقة التي لم تصدر بعد مثل “سرّ الفراشة”.

ولم تكن كلمة الناشر التي وضعت على ظهر الغلاف الأخير إلا إشارة تحفيز للمتلقي وتثمين للجهد الفني الذي جسّده الكاتب في هذا النص المتميز “نص مكتوب بمستويات متعددة، يقرأ بانسيابية ويحمل هوية عراقية أصيلة، وتبدو العلاقة بيت الثلاثي علاوي –ياقوت – عفاف كأنها مثلث من نار، لايسمح لمن هم خارجه بالدخول أو الاقتراب منه، علاقة دهشة طفولية تكتشف العالم بواسطة اكتشاف الجسد، مرتكزة على ثنائيات محيرة، تجمع بين العاطفة والرغبة، الاحتياج والارتواء، النقص والاكتمال، حتى تأتي صدمة النهاية القاسية بمثابة صرخة مدوية وكتومة تضعنا أمام سؤال صادم هو الآخر، جوهره ، هل من حدّ فاصل بين القسوة والجنون؟”. إن مثلث النار هو الذي يمسك بالمتلقي الذي يبحث عن حطبه السردي في صفحات الكتاب، إذ إنه لا ينشغل أو يهتم بمستويات السرد المتعددة ولا تعنيه الإشارة إلى محلية النص بقدر ما تعنيه إنسانية التجربة التي يريد أن يكتوي بنارها اختيارا أو رغما عنه، ماعليه سوى أن يختار أحد أطراف الثنائيات أن يكون في حدّ الإيجاب أو السلب، الانجذاب أو الرفض، وإنما يبحث في دائرة أن يكون أولا يكون، إذ إنه يتلوى ويتشظى في بيت الرغبة مثلما يشعر أنه أخذ يكبر ويكبر في حضن بيت السودان الذي يبعث في نفسه الدفء والحنان والتطلع إلى المستقبل المتعلق بخيط الرغبة، فقد جسّد الكاتب بنية خطابه السردي ودلالاته الإنسانية من خلال دقة اختيار الأمكنة التي طاف السرد على حوافها ووقفت الشخصيات في محيطها ومركزها تشد خيوط الحكاية بعضها إلى بعض.

لكن “لو أصغيت جيدا،ستسمع نقر الدفوف”، ذلك هو خيط الحكاية الذي يربط العتبة بنص الناشر ونص الشاهد الذي يستهل فيه ومن خلاله أخذ الأذن للدخول إلى عالم النص، إن هذه الإجرائيات الاختزالية البسيطة والممهدة للنص أو التي تشعل الرغبة في الدخول إلى عالم النص لا تستغرق من المتلقي وقتا طويلا، وإنما هو وقت محسوب بزمن القراءة وتقليب الكتاب على الجنبين لفتح أبواب بيت السودان من الشاهد منتقلا إلى المشهد الافتتاحي للنص الذي يكاد يكون مشهدا بانوراميا شاملا محفزا ومثيرا ومؤكدا لإشارات الغلاف الأخير.

” فتشربت الليل كله حتى صرت سوداء” هذه الفتاة تدرك سرّ السحر في لونها وجاذبية التغنج والتمنع، لذا فإنها لاتبدأ في سرد الحكاية، وإنما تواصل سرديات الحكي إذ لم تكن متوقفة عن الحكي بوجود “الفاء” التي تشير إلى استمرارية فعل الكلام السردي، وهو ما يبحث عنه المتلقي لاحقا بين السطور، لكن العلاقات السببية في الجمل النصية لاتوضح الحالة العامة وإنما تقف عند حدود الجملة النصية وكأنه هناك بخل في التفاصيل أو تقطير الحكاية السردية ضمن المشهد الخاص تقطيرا محسوبا.

حياة بائسة

“ها أنا أبرئ ذمتي، حياتك البائسة ستكون هائمة حول بيت السودان أو مخاضة المتعة أو بوابة المدينة للعروج إلى سماء الذهول.. ستجده ولا تجده.. وتدخله ولا تدخله.. لكنه في المحصلة سيحلق في الفضاء حاملا قاطنيه معه”، هذا المشهد الافتتاحي يضع المتلقي أمام ست عتبات لابد أن يمر بها ويتجاوزها أو يتفاعل معها ويفككها للتواصل مع الحكاية العامة، فقد اشتمل الافتتاح المشهدي الآتي:

أولا: تحفيز المخيلة على الابتكار الصوري والتواصل الدلالي بين لون البشرة وتفاعلاته ودلالته، سواء مايحوي أو يفصح عنه النص أو ماتكشف عنهمخيلة المتلقي من دلالات كلٌّ حسب مخزونه الصوري.

ثانيا: التعشيق السردي بين المسموع والمعاش من الوقائع والتفاصيل.

ثالثا: تحذير المتلقي الخارجي من خلال تحذير المتلقي الداخلي في النص.

رابعا: التأكيد على عدم تصديق كل مايقال أو التشكيك في كل مايحدث ويقال في المتن الحكائي للنص، وهو الأمر الذي يحفز على تشكيل وبناء النص الخاص بالمتلقي الذي يحمل صدقيته الذاتية خارج جدلية الصدق أو التشكيك في الحكاية المسرودة.

خامسا: التمسك بالمرأة.

سادسا: المرأة وسيلة هداية وغواية.

وهو لذلك يختتم مشهد الافتتاح هذا بالجملة الآتية “لا تصدق كل ما يقال وتمسك بالمرأة ولا تدعها تتوه منك، فهي هاديتك ووسيلتك للخروج سالما من مخاضة الحكايا”، لذلك تجد التماسك السردي في النص وتراص بنيانه في لحظات اشتعال الرغبة على جمر موقد الفحم واصطفاق الكؤوس وقرع الدفوف واهتزاز الأرداف في رقص مغناج، إذ يعلو صوت الغناء على أنغام ناي حزين.

هذه التجربة السردية الجديدة هي امتداد وتأصيل وترسيخ لتجربة الكاتب في روايته “خان الشابندر” وتجمعهما مشتركات نصية كثيرة على مستوى الشخصيات والخطاب السردي وبنية الحكاية إلا أن الاحترافية والمهارية في السرد وإطلاق الخيال في مدياته الواسعة تبدو أكثر وضوحا ونضوجا في بيت السودان، وهو الأمر الذي يعزز ثقة المتلقي في الكاتب في الإقبال على ماينتج من نصوص من دون تردد لإدراكه أن هذا الكاتب وبعد أن نضجت تجربته في الحياة قادر على تقديم ماهو جيد على المستوى الإبداعي.

 الانحراف السردي

بحثا عن المرأة في بيت السودان

يذهب الكاتب في التعبير عن تجربته السردية في اتجاهات الخيال والحلم السردي البعيد عن التشكيل الحدثي اليومي أو القريب من قناعات المتلقي، إذ يسير الخلق السردي في منعرجات وانحرافات خارج الأطر الواقعية أو يتقاطع معها ويشاكسها من أجل خلق البديل الحكائي حتى في طريقة الحكي المتجاوز للواقع والقريب من لغة الابداع.

هذا الكاتب لا يمكن له أن يستقر أو يهدأ أو يقف عند جملة أو حاله أو شخصية أو مكان، وإنما يتوهم كل الحالات والأمكنة والشخصيات، ويراها ملك يده ومن بنات أفكاره سواء إن كانت له أو لغيره من مبتكراته أو من مبتكرات الآخرين، إلا أنه مع ذلك يدرك جيدا الحدود الفاصلة بينه وبين الآخرين من سبق أو من جايل أو حاط به، هذا الإدراك هو بداية معيارية الوعي الفني في الحدود الفاصلة بين هذا العمل وذاك، وهو الشحنة الصادمة ليقظة المتلقي المراقب أو الراصد لهنات وعثرات النص أو المتفاعل مع عملية الخلق الإبداعي، إذ يبقى الكاتب اللاعب القافز للموانع الطبيعية أو المصطنعة لإيجاد فسحة أو فضاء لمبتكراته الحياتية.

هكذا يمكن أن يكون التخطيط الهندسي أو الإنشاء المعماري للنص، لاسيما ذلك النص الذي يبنى على عدة أركان متقابلة ومتضادة تعكس وجوه الشمس المختلفة في أوقاتها ومواضع إطلالاتها، لأن التجربة هي شمس النص،أما أن تكون مشرقة بفعلها أو منطفئة بموانعها المعيقة الطبيعية والمصطنعة، لكن الكاتب يفكر في كل ذلك ليقفز إلى فضاء شمس النص، من هذه النافذة يرى أن الحياة تتجدد بفعل قوة الخيال ورصانة العبارة، إذ لابد من الأطلال علىروح النص من خلال تلك العبارات المشرقة التي تريد أن تسابق الحدث والزمن لتخلق حدثها وزمنها الخاص، في مثل هذه الأجواء وحمى الأفكار بشأن الكتابة يفتح محمد حياوي نافذة يسعى من خلالها أن يطل على “بيت السودان” بما فيه من غرائب وعجائب ووقائع أيضا، مستذكرا ومغادرا ومتجاوزا محطته السابقة “خان الشابندر”.

خيال المرأة

هل يتلاعب محمد حياوي بمشاعر المتلقي في العزف على أوتار المرأة؟ أم إنه يتخذها حافزا للانطلاق إلى مشهد إنساني أشمل وأعمّ من الحدود الجسدية لهذا الكائن الرقيق الحالم “وتلك المرأة التي في خيالك، مهما كان اسمها…تمسك بأذيالها، لاتفلتها مهما حدث”، ماهي مواصفات هذه المرأة التي في الخيال؟ لاسيما إن خيال الكاتب لم يقف عند هذه المحطة السردية وإنما هناك محطات سردية سابقة وأخرى لاحقة، فإذا كانت المحطة الحالية “بيت السودان” تقف عند أيقونة “ياقوت وعفاف” وكذلك الجدة “عجيبة”، فإن هذه الأيقونات تناسلت أو انحدرت من سلالة “ضوية وهند” في “خان الشابندر” والتي تعود في أصولها إلى بذرة الخيال الأولى “فاطمة” في نصه القصير “غرفة مضاءة لفاطمة”، هذه الخلطة الكيميائية الغريبة والعجيبة للمرأة “الرائحة والروح والجسد” كتجربة وخيال في آن واحد هي مزيج مركب من فعل الرؤيا والحلم والفكرة وتجاوز متشظيات الواقع عبر انتقائية التجارب الذاتية لتشكيل صورة المثال الخيالي الذي يطمح الكاتب في الوصول إليه، لذلك فإنه يتشظى عبر المسميات المختلفة ليصل إلى بر الأمان في الروح التي تنقذه من هذا التيه، والذي يمكن أن يكون متجسدا في شخصية “سارة” في روايته اللاحقة “سر الفراشة”.

وإن تجسد “الحلم – الخيال” فهل تنتهي المغامرة في مشروع الكاتب السردي والبحث عن مغامرة جديدة؟ ويمكن أن تكون الإجابة فورية على هذا السؤال، إلا أن هذه الإجابة ستكون أقرب إلى السطحية منها إلى المنطق السردي، لأن لمنطق السرد اشتراطاته في التأسيس للخلق السردي، وقد يرتكز النص على ثوابت أقربها هي:

أولا: الجنوح إلى الخيال.

ثانيا: المزاوجة بين الخيال والواقع.

ثالثا: الانحياز إلى الواقع.

يحسم الكاتب جدله بين الأركان الثلاثة في اختيار أسطرة الواقع في الذهاب به إلى مناطق الخيال الخلاق بعيدا عن روح السكينة والمهادنة النصية،إذ إنه ينحرف عن السياق محطما النسق التقليدي ليخلق النسق الخاص في بنية النص الحكائية ضمن المتن المفترض من السارد إلى المسرود له وإشكالياته مع المتلقي الفاعل الذي يتلاعب بخيال الكاتب والسارد ويوظف خياله لابتكار متخيله السردي للمرأة التي يريد مخالفا أو معاضدا لمتخيل الكاتب.

لم يقف حياوي عند نقطة الأنثى بوصفها نبع النص وعطره، وإنما وضع المحفز المثير والمثار في آن واحد في طريق أحلام تلك الأنثى التي تشظت في  مسميات متعددة، فقد كان أمامها “علي موحان” في “خان الشابندر” و”علاوي” في “بيت السودان”.

يبدأ الانحراف السردي في تشكله كبنية نصية من مغامرة التجاوز في المتخيل السردي لخرق السائد والمألوف والتراتبي أو التسلسلي في تنسيق تنامي الحكاية إلى تفجير وتفتيت الحكاية الواقعية المنظور لها من نافذة البيت المطلة على باحة الفعل إلى مستويات خارج تلك الباحة إلى باحات وطن متعددة، لنكون هذه الباحة في بيت السودان التي هي فضاء للفرح والنشوة والتحليق مع المتخيل الافتراضي من بؤرة حكاية نصية إلى بؤر أحداث متشظية في فضاءات أخرى لتكون في النهاية حكاية وطن.”نعم ياعزيزي .. عقلك البشري لا يتسع لمثل هذا الخيال.. أعرف ذلك .. لكن صدقني ولو هذه المرة فقط.. فإن لم تفعل فستبدد روحك هباء وتتعذب وتنوء في غياهب الطرق المتقاطعة ويتلاعب بك السحرة .. فالحكايا التي ستسمعها والوقائع التي ستعيشها يشيب لها شعر الرضيع″.

بين خيال السارد والمؤلف من جهة وخيال المتلقي في تقبل أو استيعاب هذه الحكاية من عدمه وهو أمر لاعلاقة له بصدقية أو واقعية التفاصيل الحكائية في المتن السردي، وإنما يتعلق بمنطق الخيال وإجرائياته الحكائية في تجسيد مغامرة الخيال وتفعيل الواقع سرديا للخروج بالوطن من إطار الشكل إلى إطار المعنى الإنساني، إذ يمكن أن يقال “أعذب السرد أصدقه” ولا تعني الصدقية السردية هنا “واقعية الحوادث”، وإنما درجة المقبولية والرضا وفق معيارية المتلقي المعرفية والثقافية في قبول النسق السردي والاقتناع بسياق الحكاية السردية بعيدا عن مقياس التطابق أو الاختلاف مع الواقع، لأن النص، أي نص، جيد أو رديء، يمتلك واقعه الخاص، من هذه الزاوية الخاصة التي تذهب إلى البحث عن الأكاذيب الصادقة أو الصدق الكاذب والمخادع في خلق مركب الخيال الافتراضي في النص السردي في انحرافه أو اعتداله لتكون المتجسدات الجمالية النصية مشعة وجاذبة وممسكة بالمتلقي من كلمة الافتتاح الأولى إلى جملة الختام النهائية في النص التي تفتح نافذة البيت على فضاء الوطن “وكنت كلما التفتّ ورائي لمحت النساء السبع السوداوات يلوحنّ لي من بعيد، وفي لحظة خاطفة دهمني طيف خاطف مثل طائر وهتف في أذني بنبرة حنون.. اذهب مع عفاف ياحبيبي ..لا تخف”.

الوهم السردي

يبدو لي أن محمد حياوي مولع بالوهم، أو في رأسه مجموعة من الأوهام المجنونة التي تدفعه إلى سرد حكاياته من أجل تخفيف ثقل جعبته السردية، هذه الأوهام هي لعبته السردية في نص “بيت السودان” أو “خان الشابندر” التي ترتقي بالحكاية السردية إلى ضفاف الغرائبية في التجربة الواقعية، وهو الأمر الذي يضع المتلقي في إشكالية تحديد المستوى السردي في النص الذي لا يمكن أن يسير وفق نسق سردي محدد يوقعه في النمطية الحكائية، وهو ما لا يرضاه الكاتب لنفسه.

قد يأخذه الخيال إلى نقطة الاسترجاع، استرجاع ماسمعه وعاشه في سنوات بعيدة، ليعيد بعثه من جديد  بإطاره المحكي أو المرئي أو المعاش، وإنما في إطاره الجديد الذي يعيد تركيب مفاصل الحكاية بما يلائم مع الأنساق المحدثة للحياة وللسرد أيضا، ويتخذ من ذلك الاسترجاع منصة لإطلاق فضاء الوهم إلى أبعد مدياته ليكوّن الحياة في شكلها الجديد “سنحرسك في الليالي الحالكة من دون أن ترانا.. لكن احذر، لأنك  لن تعود إلى طبيعتك السابقة على الإطلاق” “خان الشابندر –ص8.

مواجهة الأمر

هذه هي جملة هند،أطلقتها في وجه “علي” في “خان الشابندر” والتي لاتختلف كثيرا عن جملة “عفاف” في نص “بيت السودان”،إذ تقول “لا.. لم تقفز من الفندق ولم يكن ثمة رجال أمن بانتظاري.. أنت لاتريد مواجهة الأمر.. تحاول الهرب من الحقيقة ظنا منك أنها ستتغير حين تنكرها.. لقد كسرت ساقك حين رمتك ياقوت من فوق السطح، ومنذ ذلك الحين ترفض الذهاب معي إلى الطبيب لعلاجها”.

نعم الوهم لن يعيده إلى طبيعته السابقة كما قالت “هند”، وإن الهرب من الحقيقة إلى الوهم لا يعني بالضرورة إنكارها، كما تقول عفاف، وإن هذا اضطراب نفسي تصاب به الشخصية الذكورية في النص، وتكون الشخصية الأنثوية بوصلة النفس التي تعيد التوازن للإنسان والأشياء المحيطة به من أجل فهم العالم وفق ماهو كائن، وليس مثلما يكون أو يتجسد في أوهام ” علي وعليوي” في النصين الروائيين، فقد أرادت عفاف أن تنهض بمن تحب خارج مهيمنات البيت ليعيش حياته إلا أنه يرى في البيت كل حياته على الرغم من انجذابه لعفاف التي يتشارك معها في الوعي والاهتمامات الثقافية والسياسية.”كانت عفاف تروي لي الحكاية بطريقة آلية كما لو كانت قد روتها عشرات المرات من قبل، ولم تكن تنظر ناحيتي، بل تتطلع في الأفق البعيد وحسب تكرارالحكاية على مسامع الشخصية أفقدها بريقها، لذلك لم تعد جاذبة بالنسبة له لأنه لا يريد أن يصدق ما حدث لبيت السودان على أيدي مجموعة مسلحة قامت بحرق البيت لتطهير المدينة من دنسه وهذه هي المفارقة النصية في  “المدنس يقوم بفعل التطهير”.

هذا المشهد السردي الختامي لنص “بيت السودان” ليس بالبعيد عن المشهد الختامي “الحلمي” في رواية “خان الشابندر”، حيث يكون فعل التطهير فعلا جماعيا في التحليق نحو سماء الحياة بعيدا عن أرض الموت الوحشي التي دمرت خان “الحب” لتحوله إلى أنقاض تشكو غدر الفعل المدنس والوحشي لجرائم العصابات المسلحة التي هيمنت وتحكمت بمصائر الشخصيات السردية.

ولا يختلف مشهد الختام في نص “بيت السودان” عن مفتتحه، وإنما كان هناك خيط سري يربط النهاية بالبداية ليختم النص ببصمته الخاصة من حيث الخطاب السردي، وبنيته الفنية، ليضع المتلقي في لجة قلقه السردي في التفاعل والانسجام مع هذا النص، إذ يرى فيه في تجربة ومعنى، وخطاب وحكاية، ولم يكن نصا مجردا أو إنشائيا وإنما أريد أن يكون نصا شاهدا على متغيرات عصره في زمن لم يعد الحاق  بتلك المتغيرات ممكنا.

مشاركة