عندما كنت لإبراهيم زغير ظاهر

149

عندما كنت لإبراهيم زغير ظاهر

رواية في الأدب الواقعي و قضية رأي عام

حامد عبدالحسين حميدي

تعدّ الرواية سرداً نثرياً لجملة من الاحداث والوقائع المطوّلة تجسّدها شخصيات خيالية ، ربما تكون مستمدة – أحياناً – من الواقع .. بواقع احداث متسلسلة ، تختلف الرواية عن القصة بأمور عدّة : حجماً ، وعدد شخصياتها ، وتصنيفاتها وتباين الاحداث ، وتعتمد على عنصر السرد ، القارئ يجد المتعة والتشويق فيها . الروائي يستمدّ صفات شخصية البطل من محور المواجهات والتحديات والوقائع اليومية التي تركت اثراً وانطباعاً ، ضمن مجريات متنامية بصورة بسيطة ثم معقدة على وفق تسلسل هرمي متكامل وصولاً الى الذروة فالحلّ .

كتابة الرواية تحتاج الى دراسة متكاملة وشمولية ، للإحاطة بظروفها الزمانية والمكانية ، تتصف بالصدق وجمالية الطرح لكونها لها تأثير مباشر في معالة قضايا عدة : سياسية وبوليسية ووطنية وتأريخية ، اجتماعية ، وعاطفية وواقعية .. ولها حبكة او ما يسمى بالعقدة ( أي المشكلة التي يحاول بطل الرواية ايجاد الحل لها ) والحبكة نوعان : اولا ً / ( الحبكة النمطية ) وهو تدرج الاحداث بالشكل الطبيعي من نقطة البدء المشكلة ، ثم التصاعد المتنامي للحدث ، بحثاً عن الحل ، ثانياً / ( الحبكة المركبة ) تسلسل الاحداث يكون فيها من النهاية الى البداية .

تبنى الرواية على اساس فكرة او موضوع يعتمده الروائي ، تدور احداثها على هذا الاساس ، وتقع ضمن ( زمانية ومكانية ) تعطينا لذّة التتبع والشعور بالتعايش مع الحدث ، يعدّ ( الحوار ) الذي يدور ما بين الشخصيات الروائية عاملا هاماً في سرد الاحداث والمواقف كونه يمثل مرتكز ايصال .

رواية عندما_ كنت ( 1 ) للقاص والروائي ابراهيم زغير طاهر( 2 ) ? تفتح أفقا للإطلاع ، عما يدور في خواطر فتاة حملت في طياتها رؤية واقعية اكثر اتساعاً لمشاكل مجتمعية يعاني منها المجتمع لتكوّن احيانا ً قضية رأي عام ، الهدف من الرواية هذه : الاصلاح والتهذيب وغرس القيم النبيلة ، يقول كاتب المقدمة صباح السيلاوي (3) : ( .. أنها تنتمي الى الادب الواقعي بكل تفاصيله حيث العادات والتقاليد والعلاقات الانسانية بكافة اشكالها … وجدتها رواية تحمل معاني عديدة من حياتنا التي نعيشها في مجتمعاتنا الشرقية المحافظة .. وجدت الحبكة الدرامية ووحدة الموضوع وتسلسل سلس للأحداث التي تدور بين القرية والمدينة … ) ص 7 .

رواية عندما_كنتُ ، تحمل في مواجهة مسارين في حياة البطلة :

المسار الريفي

المسار الاول / ( المسار الريفي ) وما تعلق به من حياة بسيطة ، لا غبار عليها ، روتين يومي مصحوب بطفولة ضاجّة بسلوكيات فطرية ، يحاول الروائي سردها على لسان بطلة الرواية ( حمدية ) وما تمثله من تداخل الاحداث بصورة متشعبة ، لما تسجله من يوميات ساخنة رغم بساطتها وعفوية التصرفات ، العائلة مكونة من سبعة افراد ( ثلاثة ذكور وأربع اناث ) الذكور ثلاثتهم يمتهنون مهن مختلفة واثنتان من الاخوات متزوجات وواحدة تدير شؤون البيت مع الوالدة ، الاب : ( بعد الانتهاء من المدرسة اذهب مباشرة لمساعدة والدي الذي يملك مطعما صغيرا في الناحية ، كنت اغسل المواعين وأواني الطبخ ، وأقوم بتنظيف موائد الخشب والكراسي في المطعم … ) ص 14 .

بطلة الرواية اكملت دراستها الابتدائية والمتوسطة دون الاعدادية ، لعدم توافر الاعدادية في الناحية ، وذا دليل على ما امتلكته من معرفة وعلمية تؤهلها لمعرفة ما يصادفها من مواقف يومية ، هذه الشخصية المتعلقة بطفولة مشبعة بغريزة السذاجة في ميول الى ممارسة الالعاب ( المحلق والقفز على الحبل واقتناء الدمى وكذلك اميل السباحة … ) ص 16 .

لم تستطع ان تتخلى عن نضوجها الجنسي في سن الخامسة عشر ، وهذا ما يسرده لنا الروائي : ( وان شخصيتي قد تغيرت اتلصص على شقيقي في مضاجعهم لكي اراهم ماذا يفعلون مع زوجاتهم حتى رأتني امي يوما ونهرتني بشدة وكادت تضربني …. ) ص 16

والوقوف امام المرآة ورؤية جسدها وبروز صدرها وجمال قوامها ، واستبدال ملابسها باليوم اكثر من مرة وسرقة العطور من زوجات اخويها …. هذه التصرفات يسوقها الروائي الينا من باب تهيئة الاحداث التدريجية بغية الوصول الى نقاط مهمة .

تتطور الاحداث سريعا ، بنمو هواجس العشق الريفي ، بالتعرف على شاب قرب النهر ، ومبادلة الشعور عفويا لتسرقنا العواطف في جو رومانسي حالم ، دون التفكير بالنتائج وما يطرأ من مشكلات جرا هذا التصرف : ( توالت لقاءاتي به كبرنامج صباحي وضعته الحياة لي من دون ملل ، ومن دون ان اضع حسابات مستقبلية لما ينجم من علاقتي بهذا الشاب ، حتى لم افكر بالنتائج السلبية ان علم اهلي بهذه العلاقة ، كل شيء انزاح من تفكيري إلا لقائه …. ) ص 22 .

ثم تبدأ بوادر انفلات الرّغبات دون الاكتراث للعادات والتقاليد او عواقبها .. كونها تلغى امام طيش الشباب وعنفوانه ونزواته : ( .. اخذ يمسح على شعري ويقبلني في جبيني ، شفتاي راحتا تقبلان رقبته من دون ارادة او ايعاز مسبق ، …. ) ص 22 .

لتعجّ افكار الشروع بالهروب أو القبول بالأمر الواقع والتقدّم لخطبة الحبيبة ، لكن الرفض من الوالد وحسب مبررات وضعها الروائي وهي مبررات مطروقة حياتيا وكثيرا ما تواجه الذين يتقدمون للزواج : اولا : مبرر خارجي ( ان البنت مقري عليها الفاتحة لابن عمها ثم انها صغيرة السنّ غير مستحقة الزواج …. ) ص 25 ? ثانيا ًً : مبرري داخلي ( هذه العائلة غريبة على الناحية وجذورهم مبهمة … والدهم شرطي متنقل من بلد لآخر .. جل اثاثهم بضع بطانيات عسكرية وصندوق خشب … ) ص 25 .

لكنهما لم يرضخا لهذا القرار بل عمدا الى التفكير بطريقة الهرب والابتعاد عن العيون ، والعيش معاً .. واغتنام الفرصة الملائمة التي ستفتح لهما باباً جديداً : ( أنا عند وعدي لن اتركك ما زال فيّ عرق ينبض ، اذهبي الى البيت وهيئي بعض ملابسك وسألتقيك الساعة الثانية بعد الظهر قرب موقف السيارات … سأهيئ لنا سيارة تنقلنا الى بلد ومن هناك سنرحل الى بغداد . ) ص 29 .

المسار الثاني / ( مسار المدينة – بغداد ) ، الوصول الى بغداد شكل منطلقاً حياتياً آخر ، لدى ( حمدية ) استئجار غرفة في بيت قديم والتعرّف على صاحبة البيت العجوز ، هذه البدايات كانت مصحوبة بتغيير الجنسية من ( حمدية ) الى ( رسمية ) مع تغيير اسم الاب والأم ، دلالة / الانسلاخ من الماضي والدخول في فضاءات عالم جديد ، هروباً من ذلك الواقع الذي لم يقبل ان يكونا مما هما عليه الآن .. يحاول الروائي أن يصعّد الحدث من خلال وقوع العشيق بمأزق في العمل بعد ان كشف بذاته ، لعملية سرقة المخزن من قبل وكيل التاجر ، هذا الحدث جعل بطلة الرواية تواجه احداثاً لم تكن في حساباتها اليومية مما اضطرها الى البحث عن عمل لتأمين قوتها اليومي ، لتعمل مع العجوز في تنظيف غرف احدى الفنادق بعد مغادرة النزلاء ، استمرت على هذا الحال ما يقارب ستة الأشهر مع ثلاثة اشهر من هروبها مع العشيق ، يتصاعد الحدث شيئاً فشيئاً ، بسبب غياب المسبب الرئيسيّ ، وعرض الزواج عليها من احد نزلاء الفندق وبعد وقت تمّت الموافقة فالخيارات توقفت عند هذا الخيار المطروح امامها ، وبعد انقضاء فترة شهر العسل في شمال العراق والعودة افصح الزوج الجديد عمّا نفسه : ( حبيبتي رسمية لي بيت كبير يقع على شارع مهم اثري ، يمارس هذا البيت الدعارة تديره امرأة في العقد الخامس من عمرها وكنت اقيم علاقة معها عند حاجتي لاني غير متزوج ، عملي اسافر الى بغداد والموصل وكافة مدن العراق ، لي فيها من النساء القوادات اللواتي يهيئن لي بعض الفتيات ضمن مواصفات انا ابغيها ، …. ) ص 44 .

هذه الانتقالات توافقت مع تغيير الاسم ثانية من ( رسمية ) الى ( جنان ) مع جنسية جديدة ليهيئ لها ظرفاًً آخر غير متوقع ، اوقعتها في جملة خيارات اخرى ، كون هذا العالم لم يشكل لها بيئة مناسبة لما مرّت به من ظروف قاسية ، العودة الى اهلها ، العودة الى العجوز وانتظار العاشق الغائب ، البقاء مع الزوج ( القوّاد ) وكيفية التعامل مع المومسات وعشاق الهوى ، هذه الدوّامة كانت تحرك فيها مشاعر وأحاسيس الاحباط والخوف والقلق والضياع ، اجبرتها على التعايش والتأقلم واخذ دور سيدة الموقف : ( وأصبحت سيدة الموقف وتجاوزت مرحلة الخوف والقلق ، وذاع صيتي بين الزبائن وغدت لي حظوة عند الجميع ، استبدلنا كادرنا اكثر من مرة … هو نشط في استقطاب الفتيات ذوات المواصفات الجيدة ليتطور عملنا .. ) ص 50 .

صفقة مرتبة

جعلها تستقطب بعض الفتيات كصفقة مرتّبة مع بعض الوسيطات ، ولاسيما سكن الغجر والتعرف على فتاة اسمها ( نظيمة ) وإبداله بـ ( سماح ) ليتطور الحدث في الرواية من خلال شخصياته وربطها مع ما دار – ماضوياً – من احداث مع بطلة الرواية ، كعنصر محفز لأحداث درامية لاحقة ، الروائي لم يكن بعيداً عن اوضاع البلد من فشل في السّياسة الاقتصاديّة ومعاناة الفرد من هذه الاوضاع نتيجة تفاقم الأزمات الخانقة ، مما اثر سلباًً على الواقع الاجتماعيّ والأسريّ ، الامر الذي هيّأ لزجِّ شخصيات مركبة / فاعلة في التفاعل مع الاحداث وسياقاتها لتكون ضمن دائرة ، ( المله ) شخصية مركبة بنى عليها الروائي ما اراد من خلالها احداث مقابلة بين شيئين متناقضين ، ومتابعة تأثيرها اجتماعية في الخانة الاخرى ، هذه الشخصية لشاب ذي اخلاق حميدة ، سائق سيارة أجرة يستأجر من قبل القوّادة المعروفة ( أم غايب ) صاحبة المال والجاه ، المغموسة بوحل الرذيلة ، هنا نقف عند نقطة هامّة لماذا هذه الرغبة الملحة من قبل ( المله ) للعمل معهن ؟ ليبدأ الروائي يضع لنا اجوبة عدة منها : ( رغبته الملحة للعمل معهن وتقبلهن على هذا النحو قد تكون له ابعاده ، لأنه لم يلج واقع حياتي اجتماعي من هذا النمط فهو غريب عليه ، أو قد يريد أن يعي تجربته الحياتية بالتعمق بهذا الوسط الغير مألوف لديه ، وربما هناك رغبة للهرب من قيود نفسية اجتماعية القت بظلالها الكثيف عليه ، أم ان عواطفه غلبت على اتزانه دفعته ان ينساق خلف هذه الصحبة ، أو لأنه لم يعط الاهمية من الجنس الاخر مثلما خلعت عليه هذه الصحبة ، اسباب كثيرة افتراضية لكن هو وحده يعرف السبب الحقيقي ، ولا يرغب البوح به ، هو لا يريد ان يخلع جلباب الطهارة بمصاحبته لهذه المجموعة المغرية . ) ص 65 .

متناسيا ً ما عرضه علينا من الظرف الذي يمر به البلد من أزمة اقتصادية خانقة وتدهور الوضع المادي للفرد ، ومن التزامات عائلية وتسديد اقساط السيارة وتصليحاتها المستمرة ، ص 59 . اضافة الى ان ما عرض عليه من اجرة كبيرة من قبل ( أم غايب ) : ( بعد عودتي الى البيت شرعت بعدّ النقود التي دستها ( أم غايب ) في جيبي ، استغراب كبير انتابني لكثرة المبلغ الكبير يجعلني اتمسك بالعمل معها وأكون طوع بنانها ، … ) ص 64 .

حياة خاصة

وأيضاً في قوله : ( إلا أن هدفي أن آخذ أجري من دون التدخل في حياتهن الخاصة ، .. ) ص 68 .

وقوله : ( ربما العمل معها يوم واحد في الاسبوع لا ضير فيه ويدرّ عليّ رزقاً أنا بحاجة له ، .. ) ص 70 .

ثمّ تُعرض علينا جملة مبررات أخرى تعكس انطباعات شخصية ( المله ) في حالة رؤيته معهن ، ليضع مسوغات نفسية واجتماعية وإنسانية ، عملت على التأثير في سلوكهن وميولهن الى هذا الانحراف : ( إن الذي يتحمل وزر انحرافهن هو المجتمع ، عليه تقع تبعية هذا السلوك الخاطئ ، لولا ظلمه وتعسفه وعاداته المتخلفة القاهرة لما كن في المربع المشبوه ، ومن باب الانسانية يجب ان يعاملن بأسلوب يعيد لهن الثقة ويشعرن انهن في خضم هذا المجتمع غير منبوذات ، ويعتقد ايضا ان العامل النفسي له الاثر الاكبر في استقامة وانحراف البشر … ) ص 77 – 78 .

كل هذه التبريرات من أجل أن لا يفقد ( المله ) احترامه أمام المجتمع ، لكن هذا لم يثن ِ أن صحبتهن خلال هذه المدة سرّبت الى قلبه بوادر عشق وتناغم واضح بينه وبين ( أم غايب ) : ( – الفتيات على قناعة تامة بعشق أمهن لي ، وأنا أيضا أشعر بميول غير طبيعي نحوها ، طيلة هذا الوقت كنت أبرر للفتيات مبررات بعيدة عن الحقيقة … ) ص 84 .

ثم تتدرّج الشخصيات المركبة التي لها التأثير المباشر في احداث الرواية ، لنتعرف على شخصية ( ابو مالك ) وهو شيخ عشيرة وصاحب موقع اجتماعي من سكان الوسط ، يلتزم بالكثير من القضايا الاجتماعية والعشائرية ، وهو تاجر حبوب لديه مخازن كبيرة لخزن الحبوب وبيعها بالجملة ولاسيما الرز العنبر ، وهو مولع بعلاقة غرامية بأحدى بنات الهوى ( سماح ) او ( نظيمة الموصلية سابقا ) الى درجة مفرطة ، وإقامته لديهن ايام عدة ، اتاح له التعرف على شخصية ( المله ) ان يفتح الشيخ له قلبه قائلا ً : ( … أما نحن ابناء الذوات فمكاننا محجوز عند من نشاء من الفتيات ، لأننا ندفع بسخاء في الوقت الذي كانت الظروف المعاشية متدنية والفقر منتشر قد طال الكثير من الناس في هذه الاوساط لذلك يكون للدينار قيمة ومكانته مرموقة عند ( الكجي ) بحكم المهنة وتطويرها يبحث رجالات الغجر عن فتيات صغيرات فقدن من يرعاهن لذلك غدون عرضة للضياع فتارة يتم شرائهن من عوائلهن لظروف الفقر القاسية والقسم الكبير يلتقطونهن من الشارع ، اناس مختصين بهذا العمل …. ) ص 112 .

هذا الهوس الغرامي والبحث عن حلول مقنعة امام مجتمع يرفض ، وعادات تكبل ، وأوضاع تؤزّم ، والنفس يتغير مجرى هواها ، ما دار بين ( ابو مالك ) و ( الملة ) من سرد حياتي حافل المغامرة والشجن والعشق ، حفّز الآخر للاستماع الى ( سماح ) ، وهي تسرد له خبر وفاة والدتها بعد انجاب اخيها ( ناظم ) واضطرار والدها من الزواج من ( امرأة يهودية ) وعدم زيارة اقاربهم لهم بسبب هذا الزواج ، وعن اقتياد رجال الشرطة لوالدها بسبب انتمائه لحركة ( لم يعرّف عنها الروائي بأيّة تفاصيل ) ، ومشوار البحث عنه وتعرضهم الى شظف العيش ومن ثم اضطرار زوجة الاب الى زجّهما في عمل شاق ٍ ، اشتغل ( ناظم ) لدى حلاق ، وهي اشتغلت في بيت ( للدعارة ) وتطوّر الحدث الروائي بعلاقة غرامية بين الزوجة والحلاق ، وتعرض ( سماح / نظيمة سابقا ) الى اغتصاب مدبّر من زبائن صاحبة بيت الدعارة : ( هذه المرأة قد اغروها ببعض المال على ان يمارسوا علاقة معي وانا طفلة وهم مجموعة سباب مفتولي العضلات ، اجابتهم المرأة على طلبهم ، هي لا يعنيها ان اتعرض لأي شيء ولا تخاف من أي شيء ليس ورائي من تخاف منه ، ….. ) ص 130 .

نتفاعل مع الاحداث و رغبة الشيخ بالزواج من سماح .. لكن وجب عليهما ايجاد مبرر قوي ومقنع ، لذا كانت الحلول مطروحة من قبل شخصية ( المله ) الذي تبنى فكرة تمهّد لهما الزواج ، من خلاله هو وعائلته باعتبار سماح ابنتهم ، وهم من يتكفلون بها امام عائلة الشيخ ، وفعلا .. سرت الفكرة حسب ما وضعت له ومن قبل الاطراف كلهم ، ليعمّ نوع من الهدوء النفسي ، وراحة البال : ( بعد ان اعلنوا عن الحاضر والغائب امام الحضور تمت قراءة الفاتحة ، ابرم عقد الزواج بين الطرفين أحد رجال الدين المجازين الذي احضره ( المله ) لهذا الغرض ، تعالت الزغاريد والأهازيج وعمت الفرحة أجواء البيت بعدها تم تقديم الطعام للجميع وقد ابهر ( المله ) الحاضرين بهذا الكرم اللامتناهي حينما ضمت المائدة صنوف الاطعمة وبإجادة من الطباخ زكي . ) ص 157 .

لتنتهي عندها معاناة ( الشيخ وسماح ) برابط اسري ، وانتقالهما الى عالم بعيد عن الواقع الرذيل ، ثم تتسارع الاحداث بمرض ( ابو غايب ) وسوء حالته الصحية وتدهورها بشكل مفاجئ بسبب الافراط في شرب الكحول والإدمان عليها ، مما أثر على نفسية ( أم غايب ) بطلة الرواية ، ومحاولة انقاذه بشتى الطرق من اجل الحفاظ على صحته : ( ، ذهبا الى غرفة الطبيب وجداه بانتظارهم قال : – بعد اجراء التحاليل الخاصة وجدناه مدمن على الخمر ، ليس من اليسير عليه الاقلاع عن تناوله ، ان قلبه ضعيف جدا لا يحتمل أي نسبة كحول وان كانت ضئيلة ، وان تناول أي نسبة مستقبلا يعني الموت المحقق ، ناهيك عن ارطال الشحوم التي تغلف القلب فبدانته مفرطة ، انصحكم ان كانت لديكم امكانية مادية جيدة انصحكم ان ترسلوه الى الخارج الى بلد لديه مستشفيات مختصة لمعالجة الادمان ، وأظن أن لبنان قريب وبلد عربي وفيه امكانيات طبية عالية ومستشفيات تخصصية اجنبية ، .. ) ص 168 .

وتجري احداث الرواية بصورة متنامية ، لتبدأ رحلة الشفاء لزوجها ( ابو غايب ) حسب رأي الطبيب المختصّ ، وإخضاعه لتحاليل في لبنان ، وتركه بعد مدة من الزمن ، لتعود الى بغداد ، وهي تحمل لذيذ الشوق لـ ( المله ) ، رفض ( المله ) بالذهاب معها للفندق لأخذ استراحة والاستحمام وتبديل الثياب ، دليل على تمسكه بعدم الدخول في عالمها المشحون ، العودة الى البيت بعد رحلة شاقه ، وتسارع مجريات الاحداث وعودة زوجها ( ابو غايب ) من لبنان بعد انتهاء فترة العلاج وشفائه ، نجد تطوّراً في مجيء ( عشيق سمر ) وهو رجل اعمال وتاجر تركي الاصل يعمل بالتوابل الهندية في العراق ، وبسبب رغبته للعودة الى بلده ولأسباب سياسية ، قرّر الزواج من ( سمر ) : ( – أنتي تعلمين وسمر تعلم ايضا اني لا يمكن ان استغني عنها أو العيش بدونها ، اعتبر علاقتي بسمر رباط مقدس يجب ان احترمه بالرغم من كبر سني ، كما وهناك في تركيا الكثير من تتمنى العيش معي ومصاحبتي ، لكني لن اغفر لنفسي ان تركت سمر ..

– إذن ما الحل في نظرك ؟

– سأتزوج سمر شرعا وأضمها الى سجلي في ( النفوس ) وآخذها معي الى اسطنبول لتعيش معي الى النهاية … ) ص 186 .

ويبدأ السرد عن ( باسمة جاسم حمود ) الاسم الحقيقي لـ ( سمر ) وهي فتاة من أحدى الشعوب العربية المجاورة للعراق ، وانتحاله الصفة العراقية ، لكي يتزوج من امرأة عراقية ، وهو مطلوب قضائياً لدولته ، تجري الاحداث ضمن سرد متنامي .. وشيّق ، وكيفية وقوعها في فخّ الرذيلة والدعارة ، وحسُن الاصغاء والحلول تأتي من نقطة المرتكز ( المله )

التتابع السردي مستمر بقدوم تاجر آخر من الزبائن للغرض نفسه ، والتقدّم للزواج من ( سهام ) ليتمّ المطلوب ويكلل الفرح بنتائج طيبة ، ومحاولة ( سهام ) سرد قصة حياتها على ( المله ) ورفضه للاستماع ، ليعيش فرحة تبعده عن الهمّ والنكد ، بعد مدة زمنية من زواج سهام من تاجر الاقمشة ، نقف على قدوم الزوج الى ( ام غايب ) لغرض ايكال تجارته الى ( المله ) وصديقه ( زكي ) ، وقيام ( ام غايب ) بشراء بستان لها اشارة منها الى انفصالها عن زوجها ( ابو غايب ) ، وما محاورتها لـ ( المله ) عما أخطأت فيه خلال مسيرة حياتها ، الا دليل على الشعور بالذنب والخطأ ، لكن الروائي يحاول ان يوصل الينا رؤية ( المله ) تجاه ( أم غايب ) لمواساتها عما فعلته معها الحياة المتعبة قائلا : ( ، ان لك بنيات لهن بيوتهن تستطيعين زيارتهن متى شئت ، وان جادت عليهن الحياة بمواليد ستكونين ( جدة ) وتستحقين هذه الصكوك ، صكوك الغفران لتعلقيها على صدرك ، لان السماء قبلتها منك وستمنحك كل شيء ….. اصبري ) ص 209 .

وبذا يكون توظيف الحدث النهائي للرواية مفرحاً ، استطاع من خلاله الروائي أن يشدّنا وبقوة وصولاً الى هذه الخاتمة .

تبقى رواية ( عندما_ كنت ) رواية خالية من الاثارة الجنسية الفاضحة ، مثلما نجدها في روايات احسان عبدالقدوس وبعض الروائيين ، وعلى الرغم ان الرواية تدور احداثها عن الرذيلة والدعارة والسقوط في وحل الضعف والهزيمة والضياع في دروب الهوى ، كون الهدف منها هو : معالجة مشكلة اجتماعية وعادات وتقاليد صارمة تقع تحت وطأتها الانثى حينما تخونها الاقدار لتكون فريسة سهلة تتناوشها أنياب القاصي والداني بلا رحمة أو شفقة ، انها مظلومية حياة المرأة العربية عامة والعراقية خاصة ، فالتقاليد والأعراف والعادات البالية شكلت لديها أزمة ثقة وحجراً لا يمكنها أن تتخلص منها .

اقصى الريف

بعدها نلتقط ابتعاد الروائي عن تسمية الاماكن بأسمائها الصريحة المباشرة (المحافظة / البلدة / الناحية / المنطقة / النهر ) إلا ما ندر ، بل الاكتفاء بالإشارة ، تحفظاً منه : ( – طفولتي من اقصى الريف التابع لإحدى النواحي … ) ص 13 ? ( انتقلنا بعدها الى مركز الناحية حيث سكنا في احدى الضواحي الزراعية التي تبعد عن المركز حوالي كيلومترين … ) ص 13 ? ( – اننا نتشرف بقدومكم وهذا الرهط الكريم من ذوي الوجاهة في الناحية ، .. ) ص 25 ? ( لأنه يقول هذه العائلة غريبة عن الناحية وجذورهم مبهمة .. ) ص 25 ? ( هذا الرجل من المناطق الجنوبية وأنا أجهل ماذا يعمل لكنه زبون قديم … ) ص 39 ? ( – رجل من سكان الوسط في منتصف العقد الخامس من العمر … ) ص 111.

كما نجد أن الروائي ( ابراهيم زغير طاهر ) مال الى استخدام اللهجة العامية ، كون ما يسرده بحاجة اليها ، لأنها تشكل اشارة ودلالة واضحة لمستوى الطبقة ، وأيضاً لإضافة من خلالها نوعاً من التملّح والطرفة التي تشوّق القارئ : ( كصيبة ، دشداشه ) ص 14 ? ( الى العاب الطفولة المحلق .. ) ص 16 ? ( ولج انت شجاج اليوم جنج مسودنه ) ص 20 ( أهي ضميمة القدر ) / ( وي بعدها ياهل ) ص  24  ( والدنيا لسه بخير ) ص 35  ( تهانينا عيني باجي واكعة بغرامك ) 67 ( نيالك عيني ) / (عزيزي الاحترام شعليه بالحب ) ص 68  ( هو بقه عز . بقه شباب ) ص 77  ( ليش يمه اشبيه زهور حسين ) ص 79 ولكننا نهزر .. ) ص 97 الليل كلو .. ص 103 كيف يقضي الليل بكامله معاك .. ) ص 108   ندهوا عليها وامروها … ) ص133  ندهت عليهم قلت : ) ص 114   ندهوا عليّ وسلموني .. ) ص 135  لو خليت قلبت ) ص 146  ( ندهت على ابو مالك ) ص 149 ( الشيلة والجرغد ) ص 155 ? ….. الخ .

ورد مقطع : ( في ليلة قارصة شديدة البرودة ……. في ردهة الانعاش ) ص 160 وجبَ على الروائي التنبه اليه وحذفه ، كونه مقطعاً مكرّراً ، ويقع ضمن مقدمة ص 163 .

كثرة الاخطاء الطباعية والنحوية والإملائية ، مما يدلّ على عدم المراجعة لغرض التدقيق والتنقيح ، اشير الى بعض منها ، كي لا أبعد وأفقد القارئ متعته في قراءة الرواية : ( بتهيأة ص 12 والصواب بتهيئة / في نفسي اساً ص 15 والصواب أسىً / بمساعدة زوجات شقيقي اللتان ص 16 والصواب اللتين / لم ارى زوجك ص 34 والصواب لم أرَ / انشاء الله ص 40 والصواب ان شاء الله / أكلما يهوى قلبي ص 40 والصواب أكلما هوى / أيقضت صاحبي ص 49  والصواب ايقظت / التي يبدوا ص 54  والصواب يبدو / جعلتني خط احمر ص 154 والصواب خطاً ….. الخ .

………………………………………………

1- عندما_ كنت ( رواية ) ابراهيم زغير طاهر ، دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع – بغداد الطبعة الاولى 2016 .

2- ابراهيم زغير طاهر : شاعر وقاص وروائي ، تولد ميسان 1942 عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق ، عضو نقابة الصحفيين ، مستشار ثقافي في البيت الثقافي في ميسان ، صدر له : غروب آخر / قصص قصيرة 2010 هذا رمادي / قصص قصيرة 2012 هروب الى اللاشيء / شعر 2012 صوت في فم مغلق / شعر2014  تحت الطبع : النيرن / قصص و احرس ظمأي / شعر .

3- صباح السيلاوي : اعلامي وصحــــــفي عراقي ، مدير البيت الثقافي في ميسان .

مشاركة