قراءة في ديوان ممالك النخلة

140

قراءة في ديوان ممالك النخلة

عندما تتجاوز القصيدة شوقها

ناظم ناصر القريشي

الجمال ليس خاصية في ذات الأشياء بل في العقل الذي يتأملها.. (ديفيد هيوم )

 في البدء غاية التجربة الشعرية لدى الشاعر منصور الشامسي هي البحث عن الجمال أو ابتكاره و السمو بالروح عبر هذا البحث والابتكار ؛ هذه مهمة الشعر الرئيسية والدافع المهم الى الخلق الإبداعي وهذا ما قدمه الشامسي من خلال استلهامه واستشرافه التراث و الموروث الذي أنتجته البيئة التي عاش فيها وهذا ما سنلاحظه عبر تجربته الشعرية في ديوان الجديد(ممالك النخلة) و الصادر عن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات ، و بالتعاون مع مجموعة أبو ظبي للثقافة و الفنون.

فعتبة الديوان ( ممالك النخلة ) والتي ستنفتح على ممالكها السبعة كما مذكور بالإهداء تتكون من كلمتين  كلمة ممالك والتي تشير الى القوة والثبات ؛ و كلمة النخلة التي هي كما قالت العرب ” أشرف الشجر” , و بين تاريخ النخلة كشجرة و شكل النخلة مع معانيها المتغيرة، لأنها تمثل أنواعًا مختلفة من التفسير , تظل النخلة استعارة أزلية و تمثلا مغري و أكثر كثافة بالنسبة للشعراء , فالنخيل له قواعده التي يتحلى بها كالعطاء و السخاء و الصبر و الجمال الطبيعي فهي للعربي ثروة حقيقية متكاملة وكذلك قصة خلقها المعروفة والتي تضفي عليها هالة قدسية مباركة , أذن هي ممالك القوة والثبات والشرف والصبر والعطاء بسخاء

شكل جديد

 لقد ابتكر الشامسي لديوانه شكلا شعريا جديد حيث جعل من المتداول و المألوف عالم مدهشا حد الأبهار , فكانت قصائده كأعذاق النخلة التي بطبيعتها تتكفل بغذاء الكثير من البشر إذا لم تكن الغذاء الرئيس لهم

 و هو الأسلوب الأمثل الذي اتبعه للوصول الى روح الأنسان و روح الطبيعة ,فعندما نتمعن في الديوان جيدا ، سنكتشف أن الشامسي ، بحسه الشعري العالي وخياله الإبداعي ، حاول الاستفادة من بيئته وتراثه، لمصلحة اللحظة الشعرية القادمة ,فكان مثاليا و أكثر خلاص في هذا الجانب منحازا الى الروح المطلقة و الحرة , وهذا تجسيد لما تمثل به من قول الفيلسوف الألماني شلنغ ( الأنا الإنسانيةِ المشدودةِ إلى الحريَّةِ ) وما أكده الشاعر بقوله ( هذا الانْشدادُ والانْجذابُ والانْحيازُ نحوَ «الحريَّةِ» يَخْلُقُ هذهِ القُدرةَ الفِعليَّةَ الإنسانِيَّةَ على التَغييرِ، والتجديدِ، وصُنعِ الأثرِ الجماليِّ، الإبداعِيِّ ) وهكذا تأتي البراجيل

 فالنظر الى ممالُك «البراجيلِ» وترانيمُ الصَّحَارى و هي القسم الأول من ديوانه (مملكة النخلة ) سيجد أن الشاعر جعل الشكل البنائي لقصيدته يشبه البراجيلِ تماما بالشكل والمعنى والوظيفة التي تؤديها جماليا و دلاليا ؛ فجعل من الكلمات شاهقة في المعنى متحركة في كثافتها , تأخذ شكل عموديا متطابق تماما مع ارتفاع البراجيلِ وجعل من تلك المعاني شبه النسيم الذي يدخل الى الداخل هناك لغرض التبريد وتلطيف الجو و هنا لتدخل القلب لتصل الى العقل

 و البراجيلِ كما يقول الشاعر ( هي ابْتكاراً، وإبداعاً، وتعبيراً عن رؤيةِ الإماراتيين القدماءِ الجماليّةِ، وتلمُّسِهمْ لتحقيقِ الْجَمالِ والسّعادةِ في حياتِهم) ,لذا يدعونا في البدء ان نَدخُلُ مَمالكَ «البَراجِيلِ» و لِنشدوَ معاً فيقول :

… هكذا، نَدخُلُ مَمالكَ «البَراجِيلِ» وتَرانِيْمَ الصّحَارى، لِنشدوَ معاً.

(1)

هذي «البراجيلُ»

وَجْدٌ

ومَجْدٌ

أرْضٌ

وبَحرٌ

بُيوتٌ

وتَراتيلُ

عَهدُ حُبٍ عربيٌّ؟ دُنيا؟

لَوحةٌ رسَمَتْها رِيشةُ فَنَانٍ

أَشكالٌ غَارقَةٌ في السُّكونِ،

شُجُونٌ /? تَقْرأُ الرُّوحَ /? والسّماءَ

مُتُونٌ

 إذن هذه الممالك تشكل حضورا وتفردا بامتياز على اعتبارها تمثل فترة تاريخية مهمة من حياة الإماراتيين فهي تراتيل و عهد , تقرأ الروح على متون السماء

أن الاستحواذ على اللحظة الشعرية وتدوينها و تصويريا كالواقع  وجعلها قصيدة مؤطرة متوهجة بالحيوية و منسجمة مع نفس الشاعر و فكره المتألق العالي المعنى ؛ يحتاج الى صفاء روحي و عمل دؤوب ومعاناة حقيقية ، يقابله موهبة شاعر بالفطرة والمعتمدة على مرجعياته الثقافية والمعرفية و الجمالية والاجتماعية ؛ و هذا يبين لنا كيف طوع الشامسي الكلمات وجعلها تتماهى مع الفكرة بانسجام ورسمها على الورقة كلوحة انطباعية و حول تجربته الذاتية الى تجربة عامة

ترحَلُ «البَراجيلُ» عن جُفونِ الصّحارى

تغدو أمانيَّ تقتربُ من عُيونِ الشّواطئِ

مُستَسلمةً للفضاءاتِ،

مداراتٌ

تَرقَى المنازلَ

وتبُثُّ الْمَواويلَ

تحرسُ مدائنَ اليابسةِ

تنظرُ آفاقَ البُحورِ

وترقُبُ مَسيرَ السَّفينِ

 تُغازلُ الشمسَ حينَ تقومُ لِمِيعادِها الصَّباحيِّ، وتَرتَقي في ملكوتِ البَذْلِ والنُّوار، وتبلغُ الأوجَ، ثم تصحَبُها في رَحِيْلِها الأُرجُوانيِّ نَحْوَ الْمَغيبِ، تحكي لَها عنِ الْحُبِّ عند جيرانِ البَحْرِ، كيفَ يَصيرُ؟

 يهيئنا الشاعر وبلغته الواسعة للرحيل و يضعنا على عتبة الشواطئ والبحور فالبراجيل تبتعد عن عيون الذاهب نحو البحور وبين البراجيل والبحر ترنيمة الصحاري

 و اللون الأرجواني دائما يذكرنا بالشمس الذاهبة لتغرق في محيط الوقت , في محيط الروح ؛ هنا الكلمات خارج إرادة التنظير لدى بارت والتفكيك لدى دريدا وحتى الرموز وما توحي اليها والدلالات و ما تدل عليه و سيمياء المعاني وما تشير إليه لان الشاعر هو ذاته تحول الى كلماته , فالإبداع أولا كالحرية

كُلُّ العِتابِ

رَجاءٌ

ويبدأ سفره يطوي الوقت والمناظر و الأماني

تغدو أمانيَّ تقتربُ من عُيونِ الشّواطئِ

مُستَسلمةً للفضاءاتِ،

مداراتٌ

أصبحت الكلمات التي سترافقنا في السفر  مشرقة وامِضة منتشية بشوقها للحظة التي ولدت منها فهي مُستغرقةً في قراءةِ أحلامٍ تَعْبُرُ في الامتداداتِ

فتَغدو نوافيرَ

وطُيورُ الفَجرِ

تَمُرُّ بالبراجيلِ

تدنُو منها

تجلِسُ على شُرُفاتِها

تَقْفِزُ مِنْ حَولِها

ترفرفُ بأَجْنِحَتِها

تذهبُ عنها

تعودُ إليها

 الزمن هنا مطلق تشكل لحظاته أجنحة طيور الفجر التي مرت قرب البراجيل , ونذهب في السؤال بعيدا ونقول : كم لحظة تأمل تمنحنا بين رفت جناح و جناح , و اللغة متحركة وذات ترتيب دينامكي عبر الصور التي تشكلها و الإيحاءات التي تبثها الكلمات و إيقاعاتها التي تمثل ذات المعنى الذي تسعى إليه و الشاعر منذ البدء يحاول أن يعبر لنا عبر لغته المرئية و صورها المتحركة و المتوالية و المدهشة بتناسق و متناغم عن هذا السفر التأملي الذي ينفتح أكثر فأكثر على التأثيرات المتنوعة وكان يتطلع إلى ما هو أبعد من زمانه فهي :

ترى البُعدَ الآخرَ من الهوى،

تعاليمَ شوقٍ

لا تشبَعُ الروحُ منها،

لا تَمَلُّ

فالبَراجيلُ حياة و أمال و انتظار

«بَراجيلُ» لا تَفْنى في الشرقِ الْمُحْتَشِدِ على جَبهاتِ البَحْرِ،

هذه الصورة الشعرية تضفي جوا خياليا على المتخيل

 يعرف أندريه تاركوفسكي الشعر على أنه (الوعيّ بالعالم),ونضيف نحن هو الوعي بالذات التي تعي العالم ؛ويعرف مارتن هيدغر الشعر جوهر الفن ونضيف نحن الشعر هو جوهر الحياة أيضا فكل شيء نجد فيه جمال النسق والانتظام هو قصيدة

 لذا عبر الشاعر الشامسي من خلال وعيه لذاته التي تعي العالم عن جوهر الحياة , فهو يعرف العمل الأدبي فيقول (العمل الأدبي إلى جانب كونه مُتعة ومعرفة وتساؤل، فهو نشاط حسي بصري، مادي، عقلي، روحي، ذهني، نفسي، شعوري، متداخل )

 فبأسلوبه الخلاق في تركيب الصور يعبر عن الرؤيا الجمالية و الإبداعية والمعرفية لدى الشامسي الذي تفوق على نفسه وعلى لغته فهو يهيم في ميادين شاسعة من الإبداع ,نقش روحه فيها أولا , وروح بيئته على اعتباره نتاجها ثانيا ، فهو يدرك أن الصورة الحية التي اقتنصها هي المعيار الأوحد لبناء القصيدة فأصبحت كل قصيدة له بمثابة لوحة يغلب الجمال فيها على ما هو سواه في مجمل عملية الخلق الشعري لديه.

 ولان التجربة الشعرية في ضمير الشاعر الشامسي ملتصقة بواقعه وبيئته , نجد أن إحساسه الشعرية منجذب دائما إليه في اتجاهات إنسانية عدة ففي ممالك النهّام ومرايا البحر

ممالك النهام

 يفتتح الشاعر دخوله الى ممالك النهّام ومرايا البحر , بهذا المشهد الواسع و المدهش والمشدود بتوتر الى لحظته , التي تتميّز بسكونها وجمالها العميق , باستدعاء الصمت والوقت البطيء الذي يمر . و سنكتشف من خلالها العلاقة بين الداخل والخارج، وبين العام والخاص فالنهّام يقف على حافة الوقت مستغرق مع نفسه, أخر الوداع و أول السفر , أمامه البحر كتراتيل مقدسة لكن موجاته كالمرايا مخادعة وتدعوه لان يتوحد معها و من خلفه الصحارى و البراجيل كانتظار و وعد وأمل , و اكف كأجنحة الحمام تودعه

الحب مرايا

في «النهّام» الواقف

عند حافة البحر

يودعُ أشياؤه الصغيرة

المتناثرة في داره المزهرة بعذب اللحظات

يترك لياليه ذات الشهد

ويمضي في سفين الوله

 مُنشداً: يعود الحب من جديد !

وتبدأ الرحلة مع صوت النهام ؛والشمس التي تؤكد حضورها عبر الحافات الخارجية للغيم ,وهذه الوجوه السمراء التي لفحتها الشمس وملح البحر هي أشبه بالغرين الذي يذكرنا ببداية التكوين والحضارة , مشدودة الى صوت النهّام الذي يسري كالنسغ في أعماقهم

فوق الموج

يبحث عن قصيدة فريدة

يُرسلها في الأرجاء

تمضي في الظلمات

تحكي عن أقوامٍ

قد نهضوا للنهار

يصمت البحر

صمت الخاشعين

يُنصتُ للغة «النهّام» السارية

هذا عطرها

هذا شوقها

قد جاءت الأغنية العاطفية

مغتسلة بالليل

والروح الغضة

متسربلة بالأنوثة البعيدة

يصرخ بها «النهّام»:

«قادم لكِ باللؤلؤة»

كان قد ودعها؛ حبيبة الشواطئ،

وعدها بالهناء

والبهاء.

الشاعر متعاطف بعمق مع عنفوان لحظته  الجامح و المتغيرة المزاج كالبحر , وتجلى هذا التعاطف بأصراره على الإمساك بها بلغة الصور المرئية و المنزلقة مع زمنها على نسيج القصيدة والذي يتخلّله إحساس بالحركة فاستعان بالمؤثرات البصرية ؛ و نزع بلغته إلى التكثيف والتوسيع حيث يفرض الشعر قوته التعبيرية داخل نطاق اللغة بجمالية مدهشة , فاللغة هنا قصيدة داخل قصيدة

قد تساوت لديه الحروف

في ممالك العواطف الأسيرة تطوف

من كل جانبٍ بحرٌ

ومن كل جانب

وجهها ينتظر

أيهما الإشراق؟

أيهما الدُجى؟

مُنى

قد جاء يسعى

«النهّام» بالأسطورة

مُستغرقاً في استنطاق وعدها

أن تبقى ذهباً يلمع على جبينه.

 الشاعر يتبادل الأدوار مع النهّام فهو يحاول تنطيق مفرداته بحيث تتشارك وتتناغم وتتفاعل مع حنينه واشتياقه ولوعته و الذي يبدو ، في هذا النص ، أكثر صفاء وبهاء ؛ فلكي يمسك بتأثيرات البحر جعل لغته متموجة كالمرايا بانعكاساتها التي تؤكّد على التفاصيل الجميلة للشوق والحنين الذي يصل الى درجة الوله , الذي يتطوّر ويتداخل و يتوافق مع الصور و إيقاعات البحر التي تتماوج مع صوت النهام ،و مع صوت النهام لا تحتاج الى ذاكرة فصوته المجدول مع الماء هو الذاكرة الممزوج برائحة البحر , و صوته الحياة أو حياة أخرى في ملكوت الصوت النشيط الذي يغزو الشعر كدم طري

فوق الموج

يبحث عن قصيدة فريدة

يُرسلها في الأرجاء

تمضي في الظلمات

تحكي عن أقوامٍ

قد نهضوا للنهار

يصمت البحر

صمت الخاشعين

يُنصتُ للغة «النهّام» السارية

هذا عطرها

هذا شوقها

قد جاءت الأغنية العاطفية

مغتسلة بالليل

والروح الغضة

متسربلة بالأنوثة البعيدة

يصرخ بها «النهّام« :

»قادم لكِ باللؤلؤة«

كان قد ودعها ؛ حبيبة الشواطئ،

وعدها بالهناء

والبهاء.

 ميزت الشامسي أن صوره التي يبتكرها صورة وجدانية لا تتلاشى في اللحظة لكنها تحتشد لتعبر عن اللحظة القادمة فهو يتكئ على حرية التعبير الخلاقة , و تحرير الطاقة داخل الكلمات في التعبير عن نفسها تعبيرا حقيقياً وهكذا يدخل ملكوت الشعر إذا اشتد به الحنين

كان «النهّام» إذا اشتد الفراق

دخل ملكوت الشِعر

ليرى سُكنى امرأة

قد حدّث الأصدقاء عنها

أرخى لهم ربابة قلبه

فرأوا عزفها على أوتار صوته

من يغني؟

«النهّام» أم العاشقة؟

 الكلمات تتجاوز مديات وجودها لأقصى للامساك باللحظة التي لا يمكن الإمساك بها محاولة للاقتراب من مملكة الشعر , هذه اللحظة التأويل كلحظة التجلي الكبرى لدى الصوفية , وهذا ما سعى إليه الشاعر وحول لحظته الى لحظة عرفان , فرأى الحرف الأزرق , و الأزرق هو توئم النقاء في اللجة العميقة قد استحال عطرا

ترى الحرف الأزرق

في اللجة العميقة

قد استحال عِطرا

وزهرة أعراس.

والممالك الشِعرية

جلال التمازج

حين تغدو ممالك هيام واحدة.

المستوحشون في البحر

 و يبدأ التحول والتجلي , فقد بدأت أسطورته المشبعة بروائح البخور و المُرّ و التي تتغذى على عشبة الصبر , في التشكل تكشف عن نفسها من خلال أفكارا وكلمات وإيماءات وحركات وأفعال . فالبحارة احتواهم صوت النهام والشاعر رسم أشواقهم وحنينهم و أحلامهم بكلماته المنفلتة خارج زمانها , كأننا نغادر الزمن الى زمن أخر ونحن في نفس الزمن , أو زمن يجمع بين زمنين , زمن الحضور و زمن التلقي بحيث يتشاركان ويتناغمان ويتفاعلان مع بعضها البعض عبر خطوط متوازنة بين ما يبدو وكأنه مزيج من الصور والأفكار و المشاعر

 فتبدأ الأسطورة بكلمات أثيره ممتلئة بالدفء والشاعرية كلحن رقيق مكتوب على سطح الماء يثير التأمل ويتسم بمسحة صوفية

تُرْشدُ إلى الحبِّ، قالوا

رَفيقُ هوىً أنْتَ

ننطلقُ معاً في الأكْوانِ مُرْتَعِشَةً قُلوبُنا

لا تَصْمُتُ

تُعَلّمُنا الوَجْدَ الْمُتّجَدِّدَ

لا يَنْهَزِمُ عاشِقٌ دَخَلَ الأُسْطُورةَ

الْحُبُّ بُحُورُهُ

لحظة مثالية

في اللّحْظَةِ الْمِثالِيَّةِ , لحظة التوهج المُشبَعة بالتحولات ،و هو يبتكر أسطورته التي تنمو شيئا فشيئا و تتمايل اللغة كالأغصان إذ تتدفق الهواجس و الأحلام معا , تجسدها المرايا ,فيتمثل الشاعر كلماته ,و يستعيد حضوره كاملاً.

عِنْدَ الْمَرايا

تَزْهُو الجذورُ العاطِفِيَّةُ

تَنْبَعِثُ

تُجاذِبُ الأنْداءَ

في أَشْيائِها الصَّغِيرَةِ

وحَرائِرها الْمَوْضُوعَةِ في الدّواليبِ

رائِـحَةٌ

وغَاديةٌ

أَشواقُها

 قَدْ جَعَلَتْني شاعراً

أن الشاعر الدكتور منصور الشامسي في ديوانه (ممالك النخلة ) يقدم مشروع شعري ذو قيمة تأمّلية عالية ، يعبر عن قدرت الإنسان على مخاطبة واقعه و موروثه التراثي على اعتباره ملحمة أو أسطورة , بحيث يمكن قراءة ديوان (ممالك النخلة ) على أكثر من وجه ، وبعدت مستويات دلالية ، فقصائده خصيبة , وظف الشاعر فيها الصور المرتبطة بالذاكرة التراثية ، و الصور المرتبطة بتجاربه الذاتية ، وحولها إلى لوحات إيحائية بلغة تحتاج لكثير من التأمل ، إذاً هناك تتابع زماني ومكاني ، يشير بقوة الى التشكيل الجمالي عبر مبتكرات لغويا تكشف الجانب البلاغي والذوقي المرهف لدى الشاعر ، بأجمل صورة تعبيرية ،التي جاءت للإبهار في الجانب الفني والإبداعي ، التي تتطابق مع المفاهيم المعرفية والجمالية للإنسان الأماراتي , و تتطابق بشدة مع رؤيا الشاعر و رؤيته ، المكتظ بالأحاسيس الرهيفة , التي تتأتى من قرابته الروحية من بيئته و الطبيعة المحيطة بها التي كان يصغي إليها بكل جوارحه و كأنه عنصر منها ، وبلغة فارهة، و مشحونة بالمخيلة كتبها الشاعر مستخدمًا شكلًا شعريًا شيقًا , وضعنا تحت تأثير الدهشة والإعجاب بهذا الإبداع، فكأنه يقظة شعرية جعلت من أرض الأمارات قصيدة دائمة مفرداتها لانهائية في قاموس الروح و لكأنها امتداد لهذه الأرض والعكس أيضا , و الشاعر وبعد ما مر به من تحولات التي تعيشها الذات تعكس إدراكا معرفيا في مستوى الوعي و التشكيل لديه , و سنكتشف أن المعنى يسلمنا إلى معنى آخر و انه حول كلماته الى موجات دافقة على الساحل الذي تعلن منه ابتدأها

مشاركة