عندما تعبّر الكاميرا عن خواطرها

252

عندما تعبّر الكاميرا عن خواطرها

عطر الأهوار ودلمون في جماليات الصورة وتأثيرها

نعيم عبد مهلهل

 ((بين الجنة والحنة نقطة واحدة

هذه النقطة هي من صنعت ضفائر النساء))

مقطع شعري من كتابي فقراء جنة عدن

(مقدمة للصورة والكلمة ودلمون)

 سنفترض أولا أن ذخيرة المعري ودانتي هو ما الهمته جنة دلمون لأرواح العراقيين الذين ماتوا في الحروب الأزلية منذ أن أحرقت عيلام أور في عهد ملكها آبي ــ سين والى اليوم الذي يتم فيه محاربة داعش في شوارع وأزقة مدينة الموصل القديمة.

وتقديرا منا لحجم المأساة وسعت الدمعة في خواطر الجغرافية والدين، نقرر نحن (، ونعيم عبد مهلهل   وسعد نعمة أصدار تلك الرؤيا بين الكتابة والتصوير ، والكتابة عن تلك التراجيديا القدرية وفي نص حكائي لرواية روح عذبتها تلك القدرية المسكونة بالحجر الذي شج فيه واحد من أبناء آدم رأس أخيه وقتله . أنها مهمتنا أن نكون شهودا ورواة وليس نعامات تدفن رأسها في التراب . لقد قال إيطاليو كالفينو وهو يفسر سبب كتابته لكتاب مدن لا مرئية، أردت من ماركو بولو ان يتخيل الحقيقة على شكل فنتازيا، ونحن نفعل مثلما فعل الرجالة البندقي وهو يقابل واحدا من طغاة الأرض (قبلاي خان ) ولآننا لانكتب عن قبلاي خان أمريكي بما ما نهوى استكشاف دوافع قتل أرواح العراقيين ، نضع إحساس دلمون ( الجنة ) ملحقا يتحدث في هواجسه عن كل الذي اردنا الإشارة فيه في مدونتنا ومرويتنا هذه. البحث عن الجنة التي يسعى اليه سعد نعمة، هي ذاته التي سعى اليها الرحالة القدماء، فلم يجدوها ،لا في الهند زلا في الصين ولا في روما ، لأنها مختبئة في عمق بلاد القصب ،او مختبئة في حلم سعد نعمة وهو يؤشر لها بأصابع مرتعشة ومثل سين اله القمر يضيئ عليها مصابيح تحولات الصورة وينادمها بالقول :كوني بلادا ولوحة او سيناريو لفيلم يتحدث عن وجع الشوق في دموع المعدان حين تهجرهم 130 ملم النمساوية او يقرر حسين كامل تجفيف منابع الغرام في قلبوهم . لكنهم لا يتصحرون، بالرغم من انهم ابتدأوا الهجرات الى مدن أخرى ليس فيها سوى مجار لأنهر تكاد ان تجف، غير ان حنينهم بقي ينادي دلمون البعيدة بتضرع يشبه تضرع أهل اور يوم يخدعهم الملك بالذهاب مع نعشه الى أقبية الموت السومري التي عثر عليها المنقب ليونارد وولي في عشرينيات القرن الماضي في مقبرة اور المقدسة. صورة دلمون ، في نمط الجمال المعبر في خاطرة الكاميرا التي يتعامل معها سعد نعمة كما يتعامل دافنشي مع موناليزا ، الفرق ان الرسام البندقي تعامل مع وجه امرأة ،اما سعد فأنه يتعامل مع وجه البيئة. طبيعة الماء والقصب والآلهة المسكونة بقصائد سريالية تمشي على إيقاع موسيقاها أرتال الجواميس كما تمشي أفواج الحروب الى الغرق بعاطفة الشظايا وبنادق القنص ،ولكنها عكس سيرهم الحزن فأن كانوا هم يعزفون موسيقى الراجمات فهي تعزف موسيقى قيلولات الماء والظهيرة المشمسة والأرض التي كلما جفف ضرعها ومنه عنها مائي دجلة والفرات ثارت مع توثيتها وبندقيتها ومردي المشحوف فكان الثمن إعدام المزيد من المعدان بحجة انهم هربوا من الجيش أثناء حروبنا ضد عيلام والأمريكان وأبناء طيب الذكر وليم شكسبير. يصور سعد نعمة المكان ويفترض بحس جنوبي وأثري يسكن عاطفته السينمائية انه يستطيع الاقتراب الى دلمون من خلال الصورة، فيحاول ان يترصد اللقطة من خلال هاجسها الشعري أولا لتصبح مؤثرة ومن دون طلاسم غامضة وأحجية، ولكنك ما ان تحاول ان تفك مشفرات الصورة حتى تشعر انك تغرق في بحيرة أساطير المكان وأن وجوه المعدان الذين تلتقطهم كاميرىة سعد نعمة تحيلك الى ضوء وفكرة وجهة هي ذاتها الجهة التي كتب فيها شولكي الملك السومري تربيعات أغانيه الملحنة وهي تشتاق الى دلمون لتكون منفى لراحة القلب. يصور سعد نعمة المكان بلقطة الإيحاء وتقنية الظل والضوء، وربما يستخدم فلاتر يدوية تشتغل على تحسس ذائقته بجعل الصورة اقرب الى اللوحة التشكيلية، لهذا نراه متقنا لتلك الرؤية في جعل الموهبة صورة الاحتراف لنقل المكان الى العالم من خلال ثنائية الحس والجمال. اقترب من دلمون من خلال صورة سعد نعمة. افتح بوابة بهجة التأمل للون وهو تسع مع مديات الجفن فأتذكر كل الأمكنة التي عشت فيها صبيا ومن ثم معلما ومن ثم أصبحت أناجيها من خلال شتاء ليل اوربا الثلجي. ومع روح الصورة وإيقاعها أسجل تفاصيل المرئيات في اللوحة الفتوغرافية التي ينتجها أبداع سعد نعمة فأتخيل مع الصورة قصائد مرئية عن دلمون وانشد في حضرتها رؤية الكتابة لتكون مثل خواطر المعدان في ليل مواقدهم وشخير الجواميس قربهم يذكرهم بصباح قادم من صباحات دلمون ستأتي اليه كاميرة سعد نعمة وتوثقه. هو ذاته نشيد الصورة ونشيد دلمون:

((لكي تتلقي بملاك، وتتعلم منه بهجة الطيران بسماء أصفى من دمعة دمية

خُذ معكَ خاطرة بخطٍ مسماري. : تقول  أنا والحبُ أبناءَ أم ..

ربما لأن الأمومة مفقودة في دلمون

فالكلُ لهم ثدي واحد))

لكن سعد نعمة يضع أمومته وأبوته وربوبيته في الصورة التي يلتقطها من ممكنات المكان وما يؤثر فينا . وكأنه يوثق لعود المكان الأولى ولكنه يؤرشفها بحداثة الصورة ويضع إيقاعاتها بتوازن موسيقي وكأن اللوحة هي لحنه الروحي الذي يرسله الينا كلوحة وصورة وقصيدة.

1

عبر نافذة دلمون السينمائي والتصويري وصاحب الجفن السومري (سعد نعمة) يضع الفتنة في حسابات عدسته فيمضي ليصور العالم المائي كما رآه ننار الهه أور الذي حمل كاميرته اليابانية وبإيعاز من جهات يؤشر اليها سعد نعمة يبدأ ليلتقط الصورة المتفردة بروح الجمال والحس والأثر البيئي في المكان (المشاحيف، الجواميس، المعدان ، السمك ، الماء ، الطيور ، القصب ، السماء ).

 تلك هي ممكنات الصورة والتي صنعت طيف الأخيلة الميتافزيقية لدلمون الجنة. ومنها ذهب الى الرؤيا والصورة لتشكل بالنسبة اليه ما كان يتشكل في فضاء المكاء ويناجيه كما أدعية الكهنة في السماوات العلا التي عجز جلجامش من الوصول اليها لكنها بقيت كما شواهد اللون في الصورة وتعابيرها بعض مناجاة سعد في جعل الخيال السومري زادا لفقه ذقافته وحلمه الوطني من اجل تلك البلاد التي عزفت بمزامير الإلهة ورنة خلاخيل المعيديات وهن يذهبن ببضاعتهن من القيمر الى السوق ليلتف حولهن جنود الثكنات وعمال مساطر الطين والزبائن الفقراء الذين يدركون ان جمالية الخد وصحن القيمر هما جزء من موجودات دلمون ، حيث لا يتألم الراعي ولا ينوح الطير ولا يدمع الصياد من نقص رزقه في صيد اليوم من سمك الشبوط او الكطان. هذا التصويري والاخراجي الذي يميز عدسته بالنظر الى المشهد كمنظر للروح وليس كمنظر للصورة فيحيل تلك الممكنات المتفردة بحضورها الطبيعي الى مشفرات من إيقاعات جمالية تؤثث للمكان والزمان حقيقته الوجودية والمكانية منذ أزمنة السلالات الأولى والى اليوم، وكأن سعد نعمة ودلمون يرددان عبر عدسة الكاميرا نشيد الوجود الذي سمره على حيطان الأسوار والمعابد شيئا من أبداع الصورة واللقطة السينمائية والنص الأدبي :

((الظهيرة هنا ليست مقوسة الظهر كما في سومر

فالآلهة تعدل ميلان كل شيء حتى في ضوء الشمس هناك ثبات للرؤيا

ولن يكون هناك غشاء يحجب النظرة

لهذا الجمال هنا لا يحتاج لمرآة يحتاج إلى يدٍ تصفع

لكي يقطر دماً كعصير العنب))

2

يتفرد سعد نعمة في صناعة الظل والضوء عبر المرئي والمخفي في صورة المكان الاتي من قرى الاهوار وبيئات القصب . انه يضع للمكان تغريبة يؤسطرها ما يتمناه في جعل الصورة ناطقة بأسم المكان وتوصل الينا مشاعرها القلبية والجمالية عبر الوجوه التي يصل الى عاطفتها ونمط حياتها من خلال إحساس موهبة قلبه أولا ومن ثمة إحساس عدسة الكاميرا ليثر في المشاهد بمقدار ما كان المكان قد أثر فيه ودفعه الى تصويره وإنتاج لوحة ملونة او تلك التي بالأبيض والأسود . انه سعي جدي للكشف عن مكامن الجمال في بيئة كانت ومنذ الأزل موطئ الديانات والأساطير ورسالات السماء ، فهذا التأكيد يحاول ان يجعل من الصورة لسان حال والمحفز الأول لجعل العالم ينتبه الى أزلية المكان وسعادته وحزنه وشكواه. هذا التجسيد الذي يمارسه سعد نعمة بإيقاع الضوء والظل ومساحات اللون هو ذاته إيقاع حلم المكان الى دلمون التي تعيش في خيال مودتنا والتي أصبحت في الصورة الفتوغرافية شيئا من أدعية الكهنة وملاذات الحلم الآمن لمعدان الجنوب السومري وهم يعيشون في صورة سعد كوحدة مجتمعية ريفية تمتلك خصوصيتها التاريخية والطبوغرافية والروحية والسياسية أيضا. انها دلمون وهي ترتدي معاطف الصور وتعيد بناء مودتها عبر المشهد الذي تعيشه لوحة سعد في غبش الصباح او ظهيرة الصيد او المرح الطفولي مع الجواميس او أي فعل اجتماعي في هذا المكان الذي يحاول فيها المبدع ان يكون مخرجا او مصورا فوتوغرافيا وليؤكد لنا ان الوصول الى دلمون له ممكنات كثيرة غير العبادات والأدعية فقد تكون الصورة جهة تؤشر الى أعماق الخليج حيث اعتقد السومريون ان دلمون تقع في ذلك الاتجاه فذهبوا اليها بطقوس حياتية بسيطة جسدها المعدان في النواح والابوذية والسير حفاة من قرى الماء الى كربلاء .:

((هل تذكر الأمس  .

الأمس الذي لم يعد ممكناً الرجوع إليه ، الغد هو ما ينتظرنا وصباح بهدير شلالات الحليب وموسيقى عصافير اللبلاب الوردي. ..

أمس الحفاة والعراة

والتبغ اللف) ..وأغنية أنت عمري ، حيث فتشت هنا عن ملحنها ولم أجده ، الذي شاهدته فقط رجلاً بسدارة تشبه سدارة نوري السعيد

قالوا عنه انه أول صاحب كاميرة شمسية في أور.

لهذا كل طغاة الأرض مطرودين من الجنة

إلا طُغاة السرير في أول ليلة حب…))

لهذا كنت أتمنى لسعد نعمة ان يضع جانبا من هاجس تصاويره الى أسرة القصب (السوابيط ) التي كانت الإلهة السومرية تتمدد عليها وهي تغادر عروشها المثبتة في اطرف ضوء نجوم الثريا ونجوم القطب الجنوبي.

4

تخضع صورة سعد نعمة الى متغيرات الضوء في المكان الواحد، فالصباح له طقوسه وللظهيرة أيضا طقوسها فيما المساء والليل يصنع تداخلات الموشور في إعطاء الحدث بهجة جمالية خاصة ترتبط بعاطفتها مع الطقس الحياتي لأهل الاهوار. هو يسجل بتمعن حركة عقارب الساعة الضوئية لحياة هؤلاء الناس، يقرب من سعادتهم وأعمالهم وتأملهم، ويضع عليها ملامح تقريب الحياة الى الغرباء الذين لا يعرفون شيئا عن هذا العالم المتفرد. انه يسرد حكاية الزمن من خلال أبعاد جمالية تحددها الرؤية الحسية والإبداعية المشتركة بين الجفن والعدسة ومعهما يتفاعل نبض قلب سعد نعمة ليوصلنا الى الرغبة المتقنة لإيجاد صيغة من صيغ الفهم بين الانسان والبيئة التي يعيش فيها. تصاعد روحي عال من مودة الابتكار، لتكون الاهوار مادة لصناعة الموسوعة البيئة لحياة الانسان وهو يريد ان يحافظ على تراثه وخصوصية من خلال تلبية ندائه الأزلي ان يكون الماء متوفرا وألا يكون وقودا عبثية لا ناقة له فيها لا جمل. سعد نعمة يقع في ذات التأثير وكأنه احد سدنة معابد الحضور العولمي الذي تم تكليفه بمهمة أدراج الاهوار ضمن التراث العالمي والحفاظ على بيئة هذا العالم المتفرد ،وعندما تجمع دلون صدى الرؤية الجمالية لتصاويره ورغبته بتنفيذ عمل سيا\نمائي محبوك وذات فعل درامي كوني عن المكان وهاجسه ومتغيراته وليس كما فعل اغلب من الذين اشتغلوا عن الاهوار حيث اللقطة الجاهزة والإرث المشاع والسيناريو السريع والمرور السطحي ، وربما يشاركني سعد نعمة هاجسي المشترك ان تكون الاهوار صوت المناجاة الحقيقي لانقاض هذا المكان وأساطيره بشكل جديدي وعمل أبداعي رصين ومسموع. قد تذهب الصور ومعارضها في هذا الإنتاج، وربما هي جزء من الممكن المتوفر الذي حاول فيه سعد نعمة ان يوصل صوته ورسالته وحلمه الى صاحب الشأن او الى المواطن او الى خارج الحدود، لكن التبشير بالتأشير صوب دلمون وجهتها الأزلية يحتاج الى أكثر من صورة وفيلم وحادلة يابانية للكري او فندق سياحي.

 إننا نضع الصورة المعلقة على الجدار كصوت نداء عال للبحث عن ممكنات الحياة في الاهوار وأولها توفير المياه ، حيث يختفي تأثير المثل القرغيزي القائل :لانشهر بالعطش إلا عندما تجف الينابيع. صورة سعد نعمة هي الدعوة الروحية كي لا تشعر الاهوار بالعطش وحتى لا نجفف عنها منابع الماء التي تغذيها بالحياة والطيور والأسماك والأساطير.

 ربما لان إيجاد دلمون من خلال صورة فتوغـــــــرافية كما يريد سعد نعمة هو أحياء لتراث الجنائن فينا ، جنائن الاهوار ودلمون :

((أتذكر المطر الذي يغسل خد الحقل بأصابعه الباردة

أتذكر الطين، والنعل الجلد ، وسعال يشبه رعد محيط من القراصنة..

واحدة خلف الشباك، تشعل عينيها حطباً

وأنا أتأمل سحر الأفلام الإيطالية وأقول لواحدةٍ في فستان قصير

خديني إلى روما

لكن الحرب أخذتني إليها

فلم أجد سوى ملائكة ولدوا دون أمم وقارات وبطاقة أحوال مدنية

وعندما أردت مطراً وطيناً ونعلاً جلدياً

أعطوني حصاناً من الذهب وسماء تمطرُ منها العصافير

عندها أيقنت إن للحروب جنة

وللسينما خداع البصر)) .

مشاركة