عادل إمام وغوار الطوشة والحاج راضي قمم فنية لا تتكرر

252

الكوميديا بين المعنى والصراخ غير المستساغ

عادل إمام وغوار الطوشة والحاج راضي قمم فنية لا تتكرر

صباح الخالدي

الكوميديا (الملهاة) من أنواع التمثيل، وتكون مسرحية ذات طابع خفيف تكتب بقصد التسلية، أوهي عمل أدبي تهدف طريقة عرضه إلى إحداث الشعور بالبهجة أو بالسعادة… وقد نشأت الكوميديا في أوروبا من الأغاني الجماعية الصاخبة، ومن الحوار الدائر بين الشخصيات التي تقوم بأداء شعائر الخصوبة في أعياد الإله ديونيسيوس ببلاد اليونان، وقد برز في كتابة الكوميديا الاجتماعية في العصر الحديث في أفلام التلفزيون أو السينما (دور الخيالة)، تكون به أحداث مضحكة أو نهاية سعيدة و يمكن للملهاة (الكوميديا) أيضاً بأن تكون النكت التي يقولها الناس لبعضهم البعض أو القصص المضحكة، ويقال بأنها بدأت على يد الإغريق منذ عصر اليونان القديمة ويسمى الأشخاص الذين يمثلون الكوميديا بالكوميديين.

يعد ويليام شيكسبير وموليير من بين المشاهير الذين كتبوا عروضاً كوميدية  وقد عرفت (الكوميديا) بأسماء مختلفة فالبعض سماها بالعبث وآخرين سموها بالقشمرة (كما في تركيا) حيث يسمى الممثل الكوميدي (بالقشمر.)!!مع تحفظنا على التسمية طبعا ..وهناك أنماط عدة من الكوميديا مثل  الهجاء أو الدراما الهجائية ، التي تهاجم الأفكار والعادات والأخلاقيات والمؤسسات الاجتماعية بشكل يتسم بخفة الدم (الظرف) والسخرية أو التهكم  وهناك أيضاً الهزل  الذي يتم فيه الاستهزاء بالحياة من خلال ابتكار مواقف عبثية وشخصيات مبالغ فيها.ويستعمل صانعو الضحك عادة طريقة مجربة لاستثارة الضحك عند الجماهير، والحق أن هذه الطريقة لم تعد تضحك الكثيرين إلا إذا صيغت بحرفية أكبر أو كانت ممن يحسن توظيفها واختيار مفرداتها وهي تعتمد في جانب كبير على عنصر المفاجأة، ذلك العنصر المحوري في صناعة الضحك. هذه الطريقة التقليدية تستند على تغيير حجم أو موضع أو وظيفة ما يراد الضحك منه كما ان هناك العديد من الأنواع للملهاة، من بينها الرخيصة حيث يقوم الكوميديون بأداء أعمال سخيفة مثل السقوط أو إحراج الآخرين مما قد يسبب الضحك. ومن الأنواع المعروف كوميديا الوقوف، حيث يقف المؤدي الكوميدي أمام الناس ويخبرهم بالنكت والقصص المضحكة، وهي مهنة لدى البعض أو مجرد هواية.ومن تلك المشاهد ما وصلت اليه بعض الاعمال على انها مسرحية هابطة تقدم من خلال بعض الفرق المسرحية بقصد الضحك والضجيج والتقافز على خشبة المسرح واطلاق نكات باهته مع حركات الممثل (القرقوزية ) ظنا ان المشاهد مستمتع بما يقدمه من كوميديا وهو لايدري وربما يدري انهم يستهزئون بالممثل نفسه !!وقد شاعت اعمال ربما

مسببات افول المسرح  العراقي

يندرج زورا تحت بند (مسرحيات )خاصة في مرحلة أوفول دور المسرح العراقي بشكل شبه كامل بعد عام 2003صعودا وهي تؤشر الحاجة الى تلك الومضات المسرحية للفرق العراقية الفنية وما قدمها عمالقة الكوميديا في المراحل السابقة ومن بين تلك الاعمال (ولاية وبعير والخرابة والدبخانة  والنفوس والخيط العصفور وبيت او سبع بيبان واطراف المدينة )وغيرها العشرات من الاعمال المسرحية والدرامية  لجيل من فنانين كانت اعمالهم تنافس الكوميديا العربية وحتى العالمية ..ولم يكن الفنان العراقي يطلق نكتة او حركة باهتة وبصوت عال من اجل اثارة ضحك المشاهد بل بهدوء الحركة والجملة مؤثرة التي كانت تنتزع الفرحة والابتهاج لذلك العمل ويذكر المشاهدون مشاهد تمثيلة (عبود يغني ) بطولة الفنان الكبير يوسف العاني الذي تالق في تقديم كوميديا رائعة بتلك الحركات والعبارات الهادئة وهو يسخر من (صاحب الحانة )ابو جورج ودور الفنان الكبير سليم البصري في مشاهد دراما تحت موس الحلاق في مشهد (السكران ) وهو يتحرش بالفنانة سهام السبتي وهوثمل !! ودور الفنان الراحل خليل الرفاعي في الخيط والعصور ودور الفنان المبدع مكي عواد في بيت وسبع بيبان والفنانين  وجيه عبد الغني وقاسم ملاك وقائد النعماني في مسرحية (الدبخانة  )..والحال نفسه في الكوميديا العربية فان الفنان عادل امام يعد في قمة فن الكوميديا في مصر منذ ان رشح للعمل في دور صغير  من قبل الفنان عبد المنعم مدبولي وانتهت بحصوله على لقب زعيم الكوميديا في العالم العربي. ومنذ منتصف التسعينات وعندما غزت افلام محمد هنيدي شاشة السينما المصرية والعربية، توقع بعض النقاد انتهاء ظاهرة عادل امام وبخاصة مع تحقيق افلام هنيدي إيرادات تخطت الملايين وهو امر لم تعتده السينما المصرية وقتها، الا ان الزعيم أكد حينها ان لكل زمن اوانه ونجومه وانه لا يخشي هنيدي او غيره لانه ما زال يمتلك بداخله إمكانيات لم يكشف عنها بعد رغم مرور سنوات عمره.قدم عادل امام دوره الشهير في مسرحية (انا وهي وهو)، فلم يكن يخطر على بال صانعي هذه المسرحية ان يلفت اليه الانظار بهذا الشكل او يعلق في أذهان الجماهير كما حدث، كان دور عادل امام في هذه المسرحية مجرد سكرتير فؤاد المهندس بطل المسرحية الا ان امام  اضفى على الدور الكثير من التأثير والبهجة عندما اطلق عبارة (بلد شهادات صحيح) وهي العبارة التي رددها الجماهير منذ ذلك اليوم وحتي يومنا هذا، ونجح هذا الدور في وضع عادل امام على اول درجات السينما التي قدمته في العديد من الافلام الكوميدية وبعدها مرحلة مسرحية (مدرسة المشاغبين) التي عرضت في منتصف السبعينات وشاركه في بطولتها عدد كبير من النجوم منهم احمد زكي وسعيد صالح وسهير البابلي وحسن مصطفى ويونس شلبي. وكانت تلك المسرحية التي استمر عرضها اكثر من خمس سنوات وعرضت في العديد من البلدان العربية، كانت ايذانا ببدء مرحلة جديدة في تاريخ عادل امام السينمائي والمسرحي على حد سواء. والمتتبع لمشوار عادل امام يستطيع ملاحظة تطور نوعية الافلام التي قدمها بدءا من الافلام الكوميدية فقط وهي المرحلة الاولى في حياته وحتى نهاية الثمانينات، مرورا بالأفلام .

 مصر والكوميديا الاجتماعية

الكوميدية المقدمة في اطار اجتماعي لتعالج قضايا اجتماعية باسلوب ضاحك وهي المرحلة السينمائية الثانية في مشوار عادل امام ومنها (كراكون في الشارع )الذي ناقش من خلاله مشكلة الاسكان في مصر، و(المنسي) الذي تناول فيه احلام الطبقة الكادحة وعلاقتها بالمجتمع الذي تعيش فيه، و(الارهاب والكباب) الذي ناقش فيه قضية البيروقراطية وفكرة الأمن في المجتمع، انتهاء بأفلام تم تصنيفها تحت قائمة الافلام السياسية ومنها (طيور الظلام) و(النوم في العسل) و(عمارة يعقوبيان) ,أما في المسرح فقد شكل عادل امام ظاهرة في حد ذاته، حيث استمر عرض اعماله المسرحية على قلتها لأكثر من خمس سنوات إلى جانب عرضها في البلاد العربية والاوروبية في جولات خارج مصر وهذه المسرحيات هي (شاهد ما شافش حاجة)، و (الواد سيد الشغال)، و (الزعيم) .. والفنان عادل إمام يجسد أنواع المعاناة في أفلامه وهو محترف في كل شيء حتى الخروج عن النص وتحدي الحكومة وعندما يجسد دورا إنما يكون ذاك الشخص موجود في كل المجتمعات العربية والإسلامية .. استطاع بفنه الراقي أن يمتلك قلوب الجماهير وأن يتربع على عرش المسرح والسينما العربية، …عادل إمام الذي يضحك المشاهد من القلب ويبكيه  من الوجدان، هو الذي يجبرك على أن تشاهده وأن لا تضيع أي مشهد من مشاهده..دون اي صراخ او( زعيق )او حركات (بهلوانية )!!كما في بعض من يدعي زورا على المستويين المحلي والعربي انه مسرحي …والتجربة ذاتها في مجال الكوميديا السورية التي جسدها الفنان الكبير دريد لحام في ابرز شخصية في الدراما هي (غوار الطوشة )في مسرحية (كاسك ياوطن )و(فيلم الحدود )و(فندق صح النوم ) وغيرها من الادوار بادوار كوميدية هادئة وبسلالسة واوصلت الرسالة الى المتلقي !!دون تكلف ..ولكن في الجانب الاخر يحاول  بعض المؤلفين من ( الجاهبذة )في التفاهات التجارية غير المسرحية اصلا مزجها بعدد من الراقصات والاجساد نصف العارية و(وبنات الكاولية ) على انها من مشاهد العمل !! الامر الذي يجعل ان يمتزج  (الحابل بالنابل )بحيث تنتهي تلك المشاهد ويغادر المشاهدون القاعة دون اي يعرفوا من الذي كان يعرض امامهم وماذا اراد المؤلف (الهمام )و( المخرج الطرزان ) من ايصالها الى المتلقي !! وحتى اختيار اسماء تلك الاعمال هي الاخرى تثير الضحك وغريبة على المجتمع ظنا انها ستستقطب  كذا عددا من المشاهدين ..وقد حاول عدد من الفنانين المحليين  انتقاد الأوضاع المتردية في العراق  وتفشي الفساد والسياسيين المقصرين في أداء مهامهم عبر أعمال فنية كانت تباشير خجولة ومحاولات جادة لعودة المسرح الشعبي من جديد عبر عرض بعض المسرحيات الكوميدية التي تتناول حياة العراقيين وهي تستقطب العوائل العراقية الباحثة عن شيء من الترفيه ولكنها لم تتواصل حتما لان القائمين في الجهات ذات العلاقة في واد من موضوع تطوير المسرح العراقي او الدراما او السينما بشكل فاعل وجدي تحت ذرائع واهية من بينها شح التخصيصات ودعم العمل الفني المدروس في واد ثان ..وهكذا ضاع الخيط والعصفور ونجد ان افواج الفنانين ومن مختلف الاجيال الرواد والشباب عاطلون عن العمل ومنهم من يضطر بسبب الحاجة المادية للمشاركة في بعض تلك التشويهات المسماة زورا (مسرحيات )!!ويرى عدد من المسرحين الشباب ان (عدم توفر دور العرض وراء ضعف الاعمال المسرحية الكوميدية الجادة فقط حاليا  متوفر قاعة المسرح الوطني وينافسهم  الكثير من احزاب سياسية وجهات اخرى ولم يتم تعميرمسرح الرشيد او المسرح في منطقة الباب المعظم حتى الان ويعرف الكثير من المتخصصين والمهتمين ان المسرح العراقي مكان وبيئة وبالتالي انتاج والانتاج في دائرة السينما والمسرح بصراحة فقير وتخصيصاته المالية بسيطة وعلى هذا الاساس واقع المسرح العراقي وكما أرى يعاني من التعب الشديد لايوجد مكان مناسب للتمارين ونجري التمرين في اماكن شديدة الحرارة فكيف يحصل انتاج لمسرحيات في ظل هذه الظروف الصعبة ), مؤكدين ان (دائرة السينما والمسرح بحاجة لدعم مفتوح وان تكون مؤسسة يكون فيها الانتاج في فورة دائمة وان  المسرح الوطني ليس بحاجة ان تاتيه كل الاحزاب والكتل السياسية لاقامة نشاطاتها لانها تمتلك اماكنها الخاصة بها). ومن اسباب تدهور الفن بكل فروعها ومن بينها الكوميديا ان العديد من المبدعين العراقيين الكبار انتقلوا الى دنيا البقاء سواء  في الشعر والفن والتاريخ والقانون والتشكيل والطرب والادب وميادين اخرى ، فلم يحفل لهم أحد  .. انهم يصبحون عالة على انفسهم في شيخوختهم ، ويغادرهم الناس ، وهم يتحسرون على شبابهم ، وقد غدوا يتضورون من الفاقة والحرمان والعوز ولا احد يهتم بهم ، او يكافئهم  ، او يتفقد أمراضهم  ويعمل على ابقائهم اعزاء كبار النفوس والامثلة لا تعدّ ولا تحصى ومن الفناون جزء من الحالة فقد توفي الفنان خليل الرقاعي وحيدا في اربيل والفنانة امل طه والفنان ريسان مطر في مصر جراء المرض وغيرهم  هي اسباب تضاف الى حالة عدم المبالاة والفوضى الذي يعيشه المسرح والدراما العراقية حاليا مما يدفع بعض  الفنانين  ممن لديهم القدرة ماديا ولو بالنزر اليسير الى الهجرة لدول عربية او جنبية تاركا مهنة الفن والابداع مرغما !! لابطرا ..هي نواقيس خطر لابد من الانتباه اليها من القائمين على الجانب الفني بكل فروعه خاصة وان تباشير شروع الحكومة قد بدأت للقضاء على المفسدين وان اهمال دعم الفنون والموسيقى والمسرح عمدا هو الفساد يعينه لابد وان يشمل بالحملة لنعيد للمسرح والدراما العراقية دورهما المتميز لمنافسة الدراما العربية كما كانت ..والله من وراء القصد ..او (دك.. عيني ..دك ).

مشاركة