أبو كاطع ورباعيته الروائية

167

أبو كاطع ورباعيته الروائية

القلم والضمير

محمد جواد فارس

صدر للدكتور عبد الحسين شعبان طبعة ثانية لكتابه الموسوم “ابو كاطع على ضفاف السخرية الحزينة”، وكانت طبعة الكتاب الأولى قد صدرت في لندن عام 1997? حيث كان العراق يعيش تحت حصار ظالم، بما فيه في الجانب الثقافي، وقد خصّص الكاتب ريع كتابه لأطفال العراق تحت الحصار، وهي التفاتة إنسانية – شريفة. أما الطبعة الثانية التي صدرت الآن ووقعها الكاتب في احتفال كبير بنادي العلوية (نقلت صحيفة الزمان وقائعه) فقد خصص ريعها للأطفال النازحين من الموصل والمناطق الغربية إثر احتلال داعش لها، وهي لفتة رمزية إنسانية أخرى، لعلاقة القلم بالضمير.

انسان مكافح

والصديق شعبان كما عرفته، خلال أربعة عقود ونيّف من الزمن إنساناً مكافحاً وطيّب القلب، ودوداً بالتعامل مع الأصدقاء ورفاق الدرب ومتسامحاً لدرجة كبيرة ومتواصلاً حتى مع من يختلف معهم في الرأي، ولعلّ الكثير من أصدقائه كانوا من غير الشيوعيين. وقد عملنا سويّة في إطار العمل الطلابي في “اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية” في بغداد، وفي سوريا التقينا في العمل الحزبي وفي المنبر الشيوعي الذي تأسس احتجاجاً على سياسات القيادة الرسمية للحزب، ولاسيّما مواقفها من الحرب العراقية – الإيرانية وقراراتها المفرّطة بالعديد من قادة الحزب وكوادره، ولاسيّما بعد المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي العراقي عام 1985? وفي كل الظروف والأحوال اتّسم بشجاعة في الرأي ومرونة في التعامل، مع صلابة مبدئية وأخلاقية، وما كتابه عن أبو كَاطع يندرج في هذا الإطار الإنساني والأخلاقي.

            في كتابه عن شمران الياسري ( أبو كاطع ) وهو الكاتب المعروف في عراقنا بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958  بكتاباته الساخرة والهادفة وفي برنامجه الإذاعي الذي كان يُقدمه من الإذاعة العراقية، كان يخاطب أحاسيس ومشاعر الفلاحين ويعبّر عن مطالبهم ويعكس معاناتهم من اضطهاد الإقطاعيين والسراكيل قبل الثورة وبُعيد تطبيق قانون الإصلاح الزراعي.        كتب شمران الياسري رباعيته المعروفة برباعية أبو كَاطع وهي :الزناد /وبلابوش دنيا / وغنم الشيوخ / وفلوس حميد / وروايته (حمزة الخلف)، إضافة إلى مقالاته في الصحف المحلية كما هي اتحاد الشعب وصوت الأحرار وطريق الشعب وكان يكتب بلغة جميلة ومفهومة وبسيطة بهدف التأثير على الفلاحين وسكان الريف، وإذا به يؤثر على سكان المدن والمثقفين أيضاً، بل إن أقصوصاته وحكاياته كانت تحظى بنقاش يومي على طاولاتهم، مثلما كانت تُرصد من قبل الأجهزة الرسمية. وقد أفلح شعبان في نقل جزء منها كملاحق لكتابه لإطلاع الأجيال الجديدة عن ظروف الصراع آنذاك.

             كان أبو كَاطع يخاطب الفلاح ويلامس أفكاره وما يجول بخاطره، ويتوجه إلى العامل والكاسب وعموم فئات الشعب، وقد كان برنامجه الإذاعي (احجيه بصراحة يا بو كاطع) الأكثر شهرة وتأثيراً، وقد تمتع بثقافة عالية وقدرة في مخاطبة المتلقي وتحريضه بوسائل ناعمة ولكنها مقنعة، بل الأكثر إقناعاً. وكانت ثقافته نتاجاً لعمله الحزبي ومعايشته للفلاحين الذين حاول أن يدوّن حياتهم كجزء من تاريخ الدولة العراقية من خلال رباعيته الشهيرة، ويضاف إلى مصادر ثقافته المحلية، مصادر عالمية فقد إطلع الادب العالمي، لاسيّما وكان قد قرأ مؤلفات تولستوي ودستوفسكي ومكسيم غوركي وميخائيل شولوخوف ومسرحيات شكسبير وتشارلز ديكنز وغيرهم .

اطلاق سراح

أوقف برنامج شمران الياسري عام 1962 بسبب اعتقاله على اثر توقيعه على نداء (السلم في كردستان ) وبعدها تنقّل في معتقلات العراق ، حتى أطلق سراحه قبل انقلاب 8 شباط 1963 وانتقل إلى الريف لمتابعة نضاله السياسي في الحزب الشيوعي العراقي لغاية عام 1968 وبعد إجازة مجلة ( الثقافة الجديدة ) أصبح مديراً لتحريرها، كما كان يكتب عموداً ذاع صيته في صحيفة  طريق الشعب، والتي صدرت بشكل علني العام 1973  .

            أشغل شمران الياسري الكثير من الادباء والنقاد في تفكيك ماكان يكتبه وما كان يذيعه من إذاعة بغداد في برنامجه ، وقد كتب عنه بعض المبدعين من الكتاب والصحفيين العراقيين، إضافة إلى بعض الأدباء العرب، ولاسيّما بعد وفاته، وتناول الباحثون أدبه ولغته وحبكته الدرامية. وأتذكّر وأنا كنت في موسكو في ثمانينيات القرن الماضي زرت الصديق د. فائز الزبيدي في سكنه في “الداس” وهو السكن المخصص لطلاب الدراسة العليا من العرب والأجانب والسوفييت ، وكانت آنذاك زوجته أم يمام د.سميرة الزبيدي، تجمع ما كتبه ابو كاطع في رباعيته لكي تقوم بكتابة رسالة الدكتوراه عن الأدب الساخر لشمران الياسري، وقد دافعت عنها بنجاح وقد أشار إلى ذلك د.شعبان في أكثر من موقع في كتابه، ولاسيّما مراسلات الزبيدي مع أبو كَاطع وإجابته على بعض أسئلتها.                           السخرية هي إحدى أدوات الكفاح من  أجل الحياة الحرة الكريمة، وهنا ممكن الإشارة إلى ما عمله الرسام غازي، في كاركاتيراته وتعليقاته الذكية، وفي حصار بيروت العام 1982 كان للرسام الشهيد ناجي العلي رسومه المقاومة التي لا تقل عن البندقية في التصدي للاحتلال الإسرائيلي والدفاع عن سيادة لبنان واستقلاله، وكنّا يوميا نشاهد في الطرق والساحات شعارات موقعة باسم “حنظلة”، ويكفي أن تقول حنظلة فإنك مقاوم وهي دعوة للصمود، وقد اتخذ ناجي العلي من حنظلة ناطقاً رسمياً باسمه. وحسناً فعل شعبان حين ربط حنظلة بـ خلف الدواح راوية أبو كَاطع الأثيرة. وقد بقي عالقاً بذهني كاريكاتير ناجي العلي أيام حصار بيروت والتعليق حوله: نحن الصمود فأين التصدي؟    وهنا يمكن القول إن الأدب الساخر بدأ بالعراق منذ الثلاثينات ولاسيّما في صحيفة حبزبوز، التي كانت تصدح بمقالات ساخرة تنتقد  المسؤولين الحكوميين وبعض تصرفات أعضاء مجلس النواب والأعيان العراقي. وفي سوريا كان للأديب عبد الكريم أبو زيد دوره في الكتابة الساخرة في الصحف  اليومية وقد أصدر كتابه عن الأدب الساخر بعنوان (وشرّ البليّة ).    إن ما كتبه أديبنا الراحل شمران الياسري ، سيبقى للأجيال القادمة تراثاً أدبياً  وفكرياً وثقافياً يمكن أن يسهم في دراسة تاريخ العراق الحديث من منجزات ومن إخفاقات، خصوصاً وقد حاول تلقيح الفكرة والمضمون بالأسلوب والوسيلة ، ونجح في ذلك إلى حدود كبيرة.

            وأخيراً يمكنني القول إن كتاب د. شعبان وجهده في إضاءة أدب أبو كَاطع له الريادة لسببين – الأول لأنه ساهم في إحياء ذكرى أبو كَاطع في فترة عصيبة كان يمرّ بها العراق، ولاسيّما الحصار الدولي الظالم والحصار الاقتصادي والهجرة الواسعة للمثقفين اليساريين آنذاك وانقطاع علاقة الداخل بالخارج، فضلاً عن ظروف الحرب وغزو الكويت وما أعقب ذلك من إشكالات.

دائرة الضوء

            والثاني لأنه كان أميناً في التعبير والنقد، وتصدّى لمهمة إبقاء أبو كَاطع في دائرة الضوء بعد أن أريد له أن يرحل إلى دائرة النسيان حيث الجحود والتنكّر وعدم الوفاء، ولذلك أثمن ما أقدم عليه الدكتور شعبان  الذي سيبقى كتابه أحد أهم  المصادر التي لا غنى عنها لأي باحث في المستقبل، خصوصاً وقد عاش معه فترة من أقسى أيام حياته (أواسط السبعينات)، وهي هجرته إلى براغ في ظروف قاسية مطارداً ومضطهداً حتى من بعض البيروقراطيين الممالئين للتحالف المزعوم آنذاك.

إنه كتاب يستحق الثناء، لأنه ينضح بالوفاء والصدقية، وهي سمات تعزّ هذه الأيام ، فليس كل صاحب قلم كاتب، وإنما ينبغي للكاتب أن يكون صاحب ضمير.

مشاركة