مسرحية نادرة لـفديريكو غارثيا لوركا

157

العاقر.. نكهة خاصة

مسرحية نادرة لـفديريكو غارثيا لوركا

شكر حاجم الصالحي

“العاقر” احدى المسرحيات المثيرة للجدل والانتباه، صاغ احداثها وقاد شخوصها الشاعر الاسباني الشهيد “فيدريكو غارثيا لوركا” الذي قتله اعداء (الجمهورية) الاسبانية، وتلوثت بدماء قصائده اصابع الكراهية ومخالب الفاشست الذين اعادوا ظلام الدكتاتورية ومجازرها بمقاومتهم لقوى النهوض الشعبي، والمسرحية بمدلولها العام ادانة لامتهان كرامة المرأة في بحثها عن امتدادها الطبيعي في ولادة طفل يعيد اليها سعادتها المنتهية بعد ان عجزت كل الوسائل عن منحها هذا الامل  وتحقيقها الحلم الذي راودها على امتداد سنوات صبرها وكفاحها، ولوركا ليس غريباً عن القارئ العربي فقد انتشرت ترجمات قصائده ومسرحياته ومواقفه المناهضة للظلم والعبودية منذ اواسط القرن المنصرم، وتأثر العديد من شعراء العربية برومانسياته الجميلة وغنائياته العذبة، واكاد اجزم ان ما من قارئ عاشق للحرية لم يقرأ ابداعات “لوركا” حتى صار اسمه تميمة مباركة لنصوص اغلبنا وكانت (خضراء.. يا خضراء.. كم احبك يا خضراء) فاكهة مساءاتنا وعرس دمائنا الشاخبة على فوهات بنادق القتلة اعداء الحياة والجمال، وحين اشعرني الصديق الشاعر حسين نهابة برغبته في ترجمة مسرحية لوركا (العاقر) عن لغتها الاصلية -الاسبانية- وهو الذي ترجم عنها اكثر من ستة كتب ما بين رواية ودراسة نقدية، غمرتني بهجة المحب عند لقاء الحبيب، ولاسيما ان موضوع (العاقر) لم نطلع عليه مترجماً من قبل، فباركت خطوة الاقدام على فعل ترجمي سيضيف لذائقتنا المزيد من المتعة ويوفر لنا فرصة الاطلاع على مسرحية فاتتنا قراءتها بلغتنا العربية. وبعد اسابيع قليلة فوجئت بـ(العاقر) مطبوعة انيقة اهداها لي “حسين نهابة” مترجمها الذي ابدع في نقل اجوائها الاسبانية الى محيطنا المحلي، بعد ان سكب كل امكاناته اللغوية والشعرية في صياغتها واشاعة المفاهيم الانسانية التي بثتها بين مشاهدها المتلاحقة لحظتها ادركت حجم سعادتي بهذه الهدية الكريمة والتي فاضت معانيها بأسمى ما يتمناه القارئ الشغوف بثقافات الشعوب ومراحل تطورها وصعودها، ومما زاد من سعادتي تلك المقدمة الوافية التي سبقت النص المترجم، والتي قدمت اضاءة مستوفية للتعريف بأبداع لوركا المسرحي وتفاصيل عن احداث (العاقر) التي جعلتني اسبح بفضاءاتها الباذخة الجمال، ولابد هنا وقبل المضي في قراءة هذا المنجز والتعريف بمحتواه من شيء نقتطفه من مقدمة المترجم التي يقول فيها:

متفرجون محتشدون

“في 29 كانون الاول 1934 احتشد آلاف المتفرجين امام “المسرح الاسباني” في مدريد بانتظار فتح الدهليز المؤدي الى خشبة أُسدل عليها ستار كثيف. لم يكن اسم المؤلف لامعاً حينذاك، غير ان بطاقات الدخول نفدت قبل يومين من تاريخ الافتتاح”.هل كان الجمهور المُحتشد والمُنتظر على البوابة قد شاهد عرضاً مسرحياً من تأليف لوركا؟ هذه المعلومة لم يخبرنا عنها المترجم النابه. ويضيف “حسين نهابة” في مقدمته قائلاً:”قبل عام من افتتاحها، يعلن “لوركا” عن مسرحيته هذه “انها ما تزال بغير عنوان” لكنه يعود مؤكداً بانه وقع على العنوان “العاقر” وان “الموضوع كلاسيكي، غير ان عرضه وهدفه جاءا على نحو جديد، مُستقيان من ثمار الواقع″. ان تقديمها بأكثر من مائة عرض آنذاك، دليل على النتيجة التي يتوخاها الكاتب”.لكن ما هي النتيجة التي ارادها لوركا؟ ان تنهض “يرما” التي تنتظر ابناً لها يؤنس حياتها:

“فتُؤثر “يرما” كباقي ضحايا المأساة اللوركية، الكفاح، اي السبل التي تجعلها اماً… غير عاقر، من اجل طفل تعقد عليه كل آمالها، طفل يحررها من ذلك الماضي الذي قادها الى ما هي عليه الآن. اذاً فالفكرة المتسلطة عليها، لم تكن الرغبة في الانجاب فحسب، انما في الضرورة الاجتماعية في ان تكون أماً لطفل يحقق آمالها الخائبة”.

وهكذا فأن هذه المرأة “يرما” هي صدى لحقوق المرأة المُضطهدة، لا تستسلم لمصيرها البائس، وتواصل كفاحها ضد اعتبارها سلعة. اما ان تنتصر او تموت لتفضح اسباب خاتمتها المأساوية… ومن هنا تنبني احداث المسرحية وتتصاعد ذروة الصراع ولابد من انتصار الحق وشيوع العدالة باندحار قوى الظلام والاستبداد والتسلط.

“العاقر” مسرحية محدودة الشخوص ويمكن انتاجها وتقديمها على مسارحنا بتكاليف قليلة:

يرما: بطلة المسرحية… زوجة “خوان”.

خوان: زوج “يرما”.

فيكتور: راعي… صديق لعائلة “خوان”.

ماريا: صديقة “يرما”.

الفتاة الاولى والفتاة الثانية: صديقتان لـ “يرما”.

دولوريس: ساحرة تدير طقوس التراتيل في المقبرة.

شقيقتا “خوان”

العجوز الاولى والعجوز الثانية.

تتألف ( العاقر) من ثلاثة فصول كل فصل يضم مشهدين، يختلط فيهما الشعر اللوركي بالنثر الجميل محققاً تمازجاً درامياً أخاذاً يضع القارئ/المشاهد في منظر من المتعة والانبهار من خلال حوارات موجزة تعبر عن ازمة الانسان وكفاحه من اجل تغيير واقعه صوب الافضل. ولكي يكون المتابع على بينة من امر (العاقر) اضع هذه التفاصيل الدالة على كنه المسرحية وحجمها:-

الفصل الاول ص 13

الفصل الثاني ص 44

الفصل الثالث ص 73- ص 101

وبهذا يتضح ان (العاقر) من المسرحيات القصار التي يمكن -كما اسلفنا- ان تنتج بأقل الكلف ولاسيما نحن الان نشهد انحساراً للمسرحيات الجادة ذات الاهداف السامية، مما ترك الحبل على غاربه لتفاهات الحركات المقززة والاشارات النابية والالفاظ البذيئة التي تعرض على خشبات مسارح العاصمة والمحافظات.

يبدأ المشهد الأول من الفصل الأول هكذا:

“تُرفع الستارة عن امرأة نائمة، تتبدى عند قدميها سلة خياطة. يطغي على المسرح ضوء حالم. ثمة راعٍ يدخل على اطراف اصابعه. ينظر بثبات الى “يرما”، فيما تحتضن يداه طفلاً ابيض اللباس. تدق الساعة. وبرحيل الراعي، يستحيل الضوء الأزرق الى صباح بهيج من صباحات الربيع. تستيقظ  “يرما”.

اغنية (من الداخل)

للمُنَتظرة بين سنابل الوجع

ولمربيتها الصغيرة، سنعمّر

في  الحقل كوخاً صغيراً

ونغني

يرما: خوان، أتسمعني؟ خوان

خوان: نعم.

يرما: حان الوقت.

خوان: هل مضت القطعان؟

يرما: مضت جميعها.

خوان: الى اللقاء. (يتأهب للخروج)

يرما: هل لك بكأس من الحليب؟

خوان: لأجل ماذا؟

يرما: انت تجهد نفسك في العمل، وما من قوة في جسدك تؤهلك لتحمل هذه الاعباء.

خوان: حين يضمر الرجال، يزدادون قوةً كما الفولاذ.

يرما: انتَ شيء آخر. عندما تزوجنا، كنت على غير عهدك الآن”

منذ المشهد الاول هذا يتضح خواء الطاقة الجسدية للزوج (خوان)، وانصرافه عن تلبية حاجة (يرما) الاتصالية التي تريد ثمرتها الطفل المنتظر، وبغطرسة الرجل وعجرفته تفشل الزوجة في اقناعه بالقيام بما تتمناه، فيتركها دون ان يتناول كأس الحليب!!! والذي يشير الى الرغبة في التهيؤ للاتصال والتزاوج، ولكن المرأة حسب سياق المشهد ليست سوى “النعجة في الحظيرة، والنساء في منازلهن”. هكذا كانت العلاقة التبادلية بين زوجين متنافرين، هي تحلم بطفل يؤنسها وهو منصرف الى حقله، لا يقيم وزناً لنداءات “يرما” المفعمة بالرجاء والتوسل لكي يمنحها ماء القلب ويزرع في أحشائها ثمرته المرتقبة. ولنرصد هذا الحوار الذي يقودنا الى خاتمة فاجعة لمسرحية العاقر:

نكهة خاصة

خوان (مُقترباً): اظن ان الأمور يجب ان تمضي بهذا الشكل. اسمعيني (يعانقها) ثمة نساء كثيرات سيمتلأن سروراً لو ارتدين لباس عيشكِ. للحياة نكهتها الخاصة بلا اطفال وانا في غاية السعادة لأني اعيش بدونهم. ما الذنب ذنبي.

يرما: وما الذي ترتجيه مني؟

خوان: انتِ نفسكِ.

يرما (هائجة): فقط؟ كنتَ تنشد المنزل والهدوء والزوجة ليس الا. صحيح ما اقول؟

خوان: صحيح. مثل جميع الرجال.

يرما: والمُتطلبات الأخرى؟ وطفلكَ؟

خوان (بشدة): الم اخبركِ باني غير صاغٍ لمثل هذه الأمور؟ كفي عن اسئلتكِ. هل يتعين عليّ ان اصرخ في اذنيكِ حتى تعرفينه، وتستسلمي للراحة ولو لمرة واحدة في حياتكِ؟

يرما: اما فكرتَ به حين رأيتني اتوق اليه؟

خوان: ابداً. (يجلسان على الأرض معاً).

يرما: اليس باستطاعتي ان أعلق أملاً في الحصول عليه؟

خوان: كلا.

يرما: ولا انت؟

خوان: ولا انا ايضاً. اذعني لمصيركِ.

يرما: خاوية.

خوان: لنركن الآن الى الهدوء، يظللنا السلام بفيئه. عانقيني

 (يعانقها)

يرما: عمَ تبحث؟

خوان: عنكِ ابحث. كم جميلة انتِ في ضوء القمر.

يرما: تبحث عني، بحثك عن حمامة تلتهمها.

خوان: قبلّيني… هكذا.

يرما: لن افعل. (تصرخ ضاغطة على عنق زوجها الذي يسقط بدوره الى الوراء، وتظل ضاغطة حتى تفر من جسده الروح. فتبدأ مجموعة الزوار). عاقر، عاقر، لكني مؤمنة. الآن، نعم، المس هذا بكل جوارحي. (تنهض، فيما يبدأ الناس بالتجمهر) سأغفو دون ان افيق مُرتعشة الاوصال، كي ارى ان كان دمي يشي بدم جديد. جسدي يباب ما حييت. ما الذي تودون معرفته بعد؟ لا تقتربوا، لأني قتلتُ طفلي. انا نفسي قتلتُ طفلي. (تأتي مجموعة ثم تمضي الى قعر المسرح، فيما تُسمع مجموعة الزوار).

ستار

وهكذا ابدع “لوركا” الشاعر القتيل في رسم نهاية منسجمة مع احداث (العاقر) التي امتعتنا شعراً وموقفاً انسانياً يؤكد جوهرها واستحقاقها في الحياة بأنهاء العطل الذي رافق حياتها (خوان) الذي عبّر عن عجزه الدائم بتلبية رغبات (يرما) الانسانية المنتظرة. وما كنا لنعيش هذه الاحداث كلها لولا براعة مترجمها المبدع “حسين نهابة” الذي اضاف لنا تحفة رائعة تؤكد جدارته وحرصه على تقديم ما هو نافع وجديد الى المكتبة والى القراء الذين ينتظرون المعرفة والثمار الطيبة.

مشاركة