البعثات الأثرية الجديدة في أور 2-2

البعثات الأثرية الجديدة في أور        2-2

إحساس بمشاعر الراقدين تحت التراب

نعيم عبد مهلهل

قلت : أنا مع افتراض أمير.

تسكن الدهشة وجه فرانكو ،  فيحاول أن يعيد ترتيباً آخرَ لأوضاع الهياكل العظميّة المسجاة في القبور ،  فلا يجد شكلاً غير هذا المثلث الذي تلتقي أضلاعه عند نقطة تؤشر باتجاه الأهوار. تسكنه خواطر أيام قديمة ،  يوم تعرف على أنا حبيبته وزوجته لأول مرة،  ومعها يمتزج سحر الرؤيا الروسية لتكون أنا حفيدة لحلم القراءة عنده يوم تعرف على تورجنيف وغوغول وألكسندر بلوك وتعرف جيداً على ديستوفسكي من أجل عيون أنا ،  بالرغم من ميله وعشقه لتولستوي وعالمه الروائي. تذكّر تلك الكلمات الرهيبة التي كان يرددها راسبوتين أمام القيصر رومانوف : لا تدع ضلعاً من مثلث روسيا ينفصل من جسده فتضيع كلّ روسيا بيد البلاشفة والمناشفة وعموم الشعب ،  وقتها ستذبح كلّ عائلة رومانوف. فيدرك في الكلام جملته الأخيرة : لا أحد ينجو حين ينكسر ضلع واحد من أضلاع المثلث. لكن مثلث روحه كلّ أضلاعه ملتصقة بعيون أنا ،  ولأجل سحرها في روحه وقلبه يقبل وعلى مضض أن ينصت إليها ،  وهي تتحدث كثيراً وبإعجاب عن ديستوفسكي ولا تسمع منه سوى القليل عن تولستوي… أعود إلى أبي وإخوتي في قبورهم ،  ولهم شاهدة كتبت عليها أسمائهم وتواريخ ولادتهم ،  ولن يحتاجوا إلى مجارف الدكتور فرانكو ليقول لي : من هؤلاء؟ لأني أعرف وجوههم حتّى عندما تكون عظاماً ،  لهذا ما يهمُّهُ الآن تلك القبور القليلة التي سكنت تراب هذا التل وكشفتها مسوحات طائرة أتى بها فرانكو ،  التي سقطت ذات مرة في إحد الحقول ،  وربما بعض من مسوحاتها أشرت للمكان في جغرافيته الروحية والمكانية عندما أخبرنا فرانكو أن المكان ربما كان جزءاً من منطقة الأهوار ،  وانحسرت معها دموعي التي تنهال في دمعة أبي البعيدة وهو يطلب من أخي الكبير أن يقرأ رسالتي إليه ،  وأنا أقف على رأسه في القبر : ماذا يقصد ولدي الصغير وهو يقول  :أنا في باريس. أين هي باريس ،  هل هي قريبة من بغداد؟

يضحك أخي ويرد : هل تعرف أوروبا وديغول وكاترين دينوف؟

– لا أعرفهم.

– هو معهم الآن يلهو  بنهارات لا تحبها أنت يا والدي. أنت لا تحب سوى صلاتك ورغيف الخبز.

– وهل هناك شيء أعظم منهما.

– لا يوجد ،  ولكن ولدك وضع معهما باريس لتكون ثالثاً.

ها أنا أجيء إليك يا أبي من باريس التي لا تعرف حتّى جهتها في الخرائط ،  جئت لأعتذر إليك؛ لأنني لم أحقق لك احدى  أمانيك أن يكون هو من يستند إليه نعشك في رحيله الأخير.

دمعة تسقط من أجفان فرانكو.

أقول ضاحكاً : أنا لم أكن هنا حتّى تجفف دموعك يا فرانكو ،  هل تسمح لك أن تجففه احدى إناث البعثة.

يرد : لا أظنّ أن واحدة مثلي أنا تستطيع أن تجفف دمعتي عندما أبكي.

– أوه ،  لقد عودتك على الحزن الروسي العميق.

– والإيطاليون حزنهم عميق أيضاً ،  لكن أنا جعلت هاجس دموعها بتأثير من ارتباك شخصيات ديستوفسكي في رواياته ،  وهذا صعب ،  غير أن طعم الدموع السومرية لها طعم خاص ؛ لأنها ممزوجة بالطين ونحيب أمهات الجنود الذين يُقتلون في الحرب.

اعماق بعيدة

يتحدث فرانكو دي أوغستينو عن إحساسه بمشاعر الذين يرقدون في أعماق بعيدة في التراب ،  وفي مواقع تنتشر في المكان منذ أزمنة قديمة ،  ويحاول أن يثبت لنا أن حتّى عندما كان منشغلاً بدراسة شاعر روسي مهم مثل ألكسندر بلوك كانت تعيش فيه هواجس الأثر عن أناس يزورنه في أطيافه الليلية بالرغم من أن بلوك لا يمت بشيء إلى الموروث السومري.

ألكسندر بلوك الذي ولد في بطرسبورغ قاد في نفسي تحولات لرومانسية ورمزية البحث عن شيء يُراد له تغيير العالم عبر الأحلام والتمرد الروحي ،  وهذا ما وجدته هنا عندما وضعت كلكامش قريباً من هاجس تأثري بألكسندر بلوك ،  ولهذا وأنا أقرأ وأكتب عن جلجامش لن أستطع أبعاد شغفي ودراستي لبلوك ،  ولكن هنا عليّ أن أنسى أنني كنت أبارز أنا بسحر قصائد بلوك عشق حبيبتي أنا لديستوفسكي ،  بالرغم من أن الروائي الروسي العظيم هيمنته على روح الثقافة العالمية أكثر من شاعري البطرسبوغي ألكسندر بلوك.

أعلن إعجابي بثقافة رئيس البعثة ،  وأنا محاول للتعرف على كامل أعضاء البعثة ،  وأشعر أن هؤلاء الأشخاص الأثريين التسعة قد هبطوا علينا بمظلات من الحرير وأجنحه الفراشات حيث أقف في استقبالهم أنا وصديقي أمير دوشي وعبد الأمير الحمداني.

يضحك فرانكو ويقول لصديقي : أنتما موجودان في واحد من كتب الإيطالي ميكافيلي.

يبتسم أمير ويقول : كتاب الأمير كان موجوداً في مكتبة أبي.

– وهل قرأته؟

– كلا لقد نصحني والدي أن لا أقرأه إلا عندما أقرأ ماركس حتّى أتخلص من تأثير الكثير من الألغام التي يحملها الكتاب.

– جميل جداً أن نعيش بين مثقفين من أهل أور. واحد مثل أمير كان حذراً من ميكافيلي وآخر مثل عبد الأمير الحمداني يعرف خرائط المكان كلها.

ضحك عبد الأمير وقال : خرائط من أجل جغرافية الأثرية بلادنا ،  وليس غير ذلك.

فهم فرانكو الكلام بمغزى آخر ،  وقال : وأنا أتيت حتى أكون سومرياً لا غير ،  فلا تخف ،  حتّى هذا الخاتم الذي وجدناه في الأصبع العظمي لهذا الهيكل سيكون ملكاً للمتحف الوطني العراقي.

قلت لأمير : أنت قرأت الأمير لميكافيلي؛ لأنك أمير ،  أما أنا فقد قرأت كتاب الفقير الذي كتبه أبي بحبر دموعه.

قال عبد الأمير الحمداني : كلّ آبائنا كتبوا فصولاً لهم في كتاب أبيك ،  وعليّ أن أتخيّل والدي في واحد من مساءات أهوار الفهود ،  حيث ولد هناك وولدت طفلاً يتلمَّس في المكان وبالفطرة بقايا الأثر لجرار متكسرة ،  ودمى من طين لم يبق منها سوى الوجوه الصغيرة في تلك التلال المسكونة بحكايات خرافية يتناقلها أبناء القرى المائية ،  وعلى ضرورة عدم الاقتراب من تلك الأمكنة المسماة الأيشنات؛ لأن الجن والأرواح تسكنها.

قال فرانكو : الأيشنات لها قصة أخرى ،  وأتمنى الولوج إلى عالمها لمعرفة أسرارها.

قال عبد الأمير : نعم. من الضروري أن تضعوا التطور العلمي في أساليب التنقيب لفك الكثير من ألغاز تلك الأمكنة ،  لقد بدأتم من مكان قريب عن تلك الأمكنة ،  وعليكم أن تحركوا مخيَّمكم جهة الشرق ،  حيث الأهوار ،  عندما ستجدون متعاً أخرى في عالم الخصوبة والخيال والفطرة. ستُحرَّرون من تصحُّر هذا المكان ،  لتجدوا في المياه والقصب ضالتكم.

قال فرانكو : أنا أعشق الأهوار منذ أن شاهدتها لأوّل مرة على بطاقات البريد ،  تخيّلتها مدينة البندقية ،  لكن الفرق أن فينسيا تملك ماركو بولو واحداً ،  وهنا في الأهوار أكثر من ماركو بولو ،  نوح وجلجامش وكوديا وآدبا ،  وأناس من أهل الأهوار يقال : إنهم وصلوا إلى إسكندنافيا.

متعة الشرب

تركتهم يحتسون الشاي السيلاني فيما احتسي أنا دموعي قرب قبر أبي ،  مالحة ،  ولكن أشربها بمتعة وأتذكر في مراياها وجه أبي حيث نتقاسم النظر إليها ،  نصفُ فيه وجهه ،  وأمي النصف الآخر تتقاسمه كلّ الوجوه التي عشت معها في محطات حياتي.

ومثل الذي يريد أن يستعيد ما فاته من حياته ليوثق أيامه التي تسبح الآن في خيال مطر الذكرى الهاطل من المرآة التي تحمل وجه أبي ،  أسحب من القبر صورته ،  وأتخيّل شكل السعادة المرسومة على ملامحه يوم يجيء إلينا برزق جيد ،  وقتها كلّ فرح الدنيا يسكن بيتنا ،  فيما يصرخ أخي الكبير مبتهجاً : فليعش ماركس؛ لأن عزيمة أبي تشبه فلسفته كلّها.

فيرد أبي مستنكراً : لا تقربني من وجه هذا الرجل ،  فقد سمعت أنه يهوديٌّ ،  ولا يتبع حتّى موسى نبي قومه ،  قربني من وجه واحد من أئمة آل البيت فلقد انتخبتهم ليرزقوني أوّل ما ذهبت إلى عملي في الصباح ،  وهم من رزقوني ،  وليس ماركسك هذا.يضحك أخي ويقول : المهم يا أبي أننا الليلة سنتعشى الرز ومرقة الباميا ،  وغداً سأفطر ببيضتين مسلوقتين.

فيرد أبي : وعليك أن تشكر من رزقونا بعد ذلك.

يرد أخي : حتماً يا أبي سأشكرهم…

الآن يا أبي عليّ أن أشكرك أيضاً ،  وأنقل إليك ما كنت أتمناه أن أشتغل في الأمكنة التي اشتغلت بها أنت وجدي حرّاساً في التلول الأثرية ،  فقط لأحقق لك رغبة أن تكون سلالتنا وفيّة لتلك النظرات الشهية التي كانت تسكن جدي ،  وهو يمد نظرته المسكينة إلى الخد الأحمر للسيدة الإنكليزية كاترين وولي. ومن ثم يتخيل متعة استراق النظر مع مجموعة الألحان تأتي بعزف شهي من القبو الذي تهجع فيه الأميرة العازفة شبعاد أو من الغرفة الملكية في قصر الملك الموسيقار شولكي.

تلك هي إرهاصات الوقوف على القبور ،  لا بدّ أن تكون هناك ذاكرة مستعادة واسترجاعها الآن يمنحك المتعة ،  وذات الشهية التي كانت تسكن عيون جدك ،  وهي ذاتها تشبه متعة اللحظات التي ذهبت فيها إلى قبر فرانسواز ساغان لتودعها ،  فلم تشم سوى عطر شعرها الذي وخز حلمة نهدي ذكورتك الصغيرين فأشعرتك بلذة الاشتياق إلى سحر النظر إلى وجه كاترين ،  وما يظهر من حواف نهديها في فلم نسيت اسمه ،  يكون فيه فم ألن ديلون هو من يتحسس ذلك القيمر الفرنسي المرسوم على شكل تفاحتين من الشحم والشهد وسط صدر الممثلة الباريسية.

ولكنك الآن قرب قبر أبيك تشم عطوراً أخرى غير تلك التي يبيعها سانت لوران في دكاكين شارع الشانزليزيه. تشم رائحة معطف أبيك ،  وتوابل مطبخ أمك ،  والرائحة الثقيلة لحذائك المطاطي الذي ظل لستِّ سنوات ينقلك من البيت إلى المدرسة ،  ولم يشتر  لك والدك حذاء إلا عندما نجحت إلى الصف السابع. تشم حتّى السعال الشتائي الذي يقول عنه أبيك : إنك تستطيع أن تطرده ببالطو سميك تشتريه من بائعة الملابس المستعملة ،  ولكنّك لا تستطيع أن تطرد سعال الصيف ،  ولكن دفء البالطو يبقى ألذّ وأجمل من دفء أي صيف.

وها أنت ذا  في لحدك العميق تنال الدفء في كلّ فصول السنة حيث الصمت ،  وحيث الظلمة ،  وحيث الشمس التي تشرق على قبرك معظم أيام السنة ،  وقد أكلت حرارتها الكثير من حروف شاهدة قبرك ،  وقد دفعت إلى دفان عشيرتنا المال ،  ليجدد لك الشاهدة بزخارف ملونة ،  ومن الرخام الذي لن تؤثر عليه حرارة أي شمس. قطع عبد الأمير الحمداني ذكرى الحنين قرب قبر أبي وقال : القبور التي اكتشفها وولي كانت من دون شواهد ،  وهو من وضع عليها أرقاماً كدلالات ،  ولكن الذين كانوا داخلها ،  وما معهم من أوانٍ ومدخرات وحليٍّ وأطعمة متحجرة تحدثت عن عناوين الموتى وصفاتهم.

رجعت إلى أبي لأبرر تجديد الشاهدة لقبره ،  حتّى أعرفه في زياراتي المتكررة إليه؛ لأن المقبرة تتسع كلّ يوم ما دامت الحروب موجودة كلّ يوم ،  وتلك المحنة الغريبة لقدر هذا المكان ،  فأغلب زواره اليوم هم من تحملهم نعوش الشهداء ،  ضحايا عبث الحروب ومفخخات الإرهاب والقتل المغدور ،  لهذا عندما أجيء إلى قبر أبي عليّ أن أعرفه من خلال شاهدة الرخام الجديدة بين آلاف القبور ،  وكنت أشعر أن قلبه النائم في لحد أبديته سينبض من جديد عندما تقترب خطواتي من القبر ،  ويمد يده إليّ مرحّباً بي ،  وهو يقول : تعال يا ولدي هذا قبري ،  وأنا راقد هنا.

أهمس لاسمه على الشاهدة ،  وأقول : أنت أثر أسطوري لروحي ،  ولن تحتاج لمن يكتشف مكانك ،  مادام قلبي هو بوصلتي إليك.

وغداً عندما أعود إلى المدينة سأزور قبوراً أخرى ،  ولكنهم ليسوا آبائي ،  إنهم آباء أزمنة أخرى ،  وحتماً أنت وأبوك تعرفهم جيداً ،  وما يربطنا معهم ما كان جدي ينقله لك : القبور الأثرية تهمنا بالرغم من أنهم ليسوا من شجرة عائلتنا ،  ولكنهم يهمون أناساً أجانب يأتون ليعرفوا أسرار المكان وتاريخه ،  ومن أولئك الأجانب تأتي إلى أفواهنا المعاشات ولقمة العيش عندما نكون معهم حراساً أو عمال حفر.

حفلة تعارف

بعد أيام سأذهب يا أبي لأحفر معهم ،  وقبل يومين جمعتني معهم حفلة تعارف بفضل صديقي عبد الأمير وأمير. وأعرف أنك تدرك أنهم سيكونون طيبين ،  كما كان جدي يصف المنقِّبين الأجانب دوماً عندما قال لك مرة : كان وولي يبتسم لعمال الحفر حتّى عندما يشاهد معاولهم تلامس التماثيل بقوة ،  وتكسر بعضاً من أجزائها بقصد أو بغير قصد.

 كان يوصي رجال بعثته بالقول : كونوا دائماً ودودين ومبتسمين مع أبناء هذه البلاد؛ لأن المشاعر الطيبة تجعلهم يطمئنون إليكم ويثقون بكم وبنواياكم.

ربما تغيّر الأمر الآن ،  وعليك أنت أن تبتسم بوجه عالم الآثار أو المنقِّب ليطمئن إليك ،  لهذا في أوّل لقاء تعارف مع الدكتور فرانكو دي أوغستينو وبعثته كان الجميع يبتسم بمشاعر متوازنة.

ستفرح يا أبي كثيراً ،  فلقد عدت إلى مهنتك وأبيك وسأعيش ثانية من عطر الأثر ،  وهو يظهر من داخل الأرض بعد أن ظلّ مدفوناً لآلاف السنين ،  وعليّ أن أعقب على ما يعتقد رئيس البعثة أن هذه الهياكل العظميّة هي لسان حال لزمن قرر أن يتحرك ثانية ،  ويستيقظ من سباته العميق ليظهر للعالم ،  ويجيب على الكثير من الأسئلة ويفك مشفرات الكثير من الألغاز.

وربّما دي أوغستينو هو من بعض حلول ينتظرها المكان ،  ليوناردو وولي وما تبعه من المنقبين لم يكملوا مهمة تعريف العالم في موروث حضاري هائل كهذا ،  لم يذهبوا إلى الأهوار ليعرفوا الخيط السري الذي كان يربط أور بقرى القصب ،  أشاروا فقط لما رأوه في الرسوم ،  وتوقف الأمر عندهم إلى مجرّد افتراض. وأظنّ أن فرانكو صديقنا الجديد سيفعل شيئاً.

أتخيّل وجه أبي وقد سكنته سعادة ،  عدّت ثانية إليه بعد سنوات من الفراق وإني وفيت لواحدة من أمانيه أن أكون مثله وأبيه.

يبتسم طيف أبي ومعه أطياف أخويّ المجاورين لقبره ،  اللذين سكنهما العتب الشديد من أني لم أطل الوقوف عندهما كثيراً واعتنيت بأبي أكثر منهما ،  فشرحت لهما السبب ،  وقلت : أنتم لي معكم زيارات أخرى ،  وقد جددت لكما شواهد القبور لأستذكر مع أرقام ولادتكما كلّ طفولة البيت والشارع والمدرسة.

يقول أبي : إن أصبحت مثلي وجدك فأنت تُبقي فينا لهفة السؤال الذي كان يشغلنا : من يرث بعدنا هذا العشق. وقد ورثته أنت الآن ،  لهذا أرفع عنك عتبي عن كلّ السنين الطويلة التي تركتني فيها.

نهار بطولة أنا وأمي وقبر أبي وأخويَّ ،  تسكنني السعادة؛ لأنه سامحني وإني جلبت له أمّي ،  التي لم تعرف أننا ذاهبان إليه حتى شمت رائحة تراب القبر.

ثلاثية الذكريات عن الذي مضى تسكن المكان بطقوس طلاسمها الدموع والذكريات لنعيش ساعات من الحنين والبكاء والعتب والابتسامات حتّى داهمنا الليل ،  وعلينا أن نغادر المكان ونودع أبي ،  لكن أمّي رفضت المغادرة ،  وقالت : اتركني معهم ،  فالموتى يخرجون ليلاً ليتسامروا ،  وأنا أريد أن أتسامر مع أبيك وإخوتك.

قلت ضاحكاً : كان لنا النهار كلّه معهم ،  وهم يريدون أن يستريحوا يا أمي.

– ألم يكفهم نوم كلّ تلك السنين يا ولدي؟

– حتماً لن يكفيَهم ،  إنها مفاجأة بالنسبة لهم أن نكون أنا وأنت من زوارهم هذا الصباح.

– من بعض لهفة انتظاري لك في غربتك أنك ستأتي وتأخذني إلى قبر أبيك وإخوتك.

– وها هو يتحقق. وسيتحقق كلّ شهر مرة.

– يا لبختي آخر عمري. كلّ شهر مرة حتّى يأخذ الله أمانته.

– نعم يا أمّي كلّ شهر مرة.

– ولكن أخاف أن تشتاق لغربتك وتتركني ثانية؟

– لا أظنّ يا أمّي لقد أمسكت مهنة جدي وأبي ،  وهذا يتطلب منّي أن أكون قربك دائماً. لقد عدت ثانية إلى وظيفتي وأقبض معاشاً من الحكومة ،  ولا يحق لي الهجرة ثانية.

– وتلك البلاد البعيدة التي أخذتك منا؟

– لي فيها قبر أيضاً ،  ولكن ليس بأهمية قبر أبي وأخي.

– قبر من هذا؟ وقبور موتانا لا تسكن سوى مقبرة النجف؟

– امرأة يا أمي.

– زوجتك ميتة؟

– لا يا أمّي امرأة من ذكرى الروايات والسينما.

– هذا كلام لا أفهمه ،  ولن أفهمه ولا أريد أن أفهمه ما دام والدك وأخواك وكلّ عشيرتنا مدفونين هنا. ولا يهمني ما دفنته أنت هناك.

– تبقين سيدة الكلام حتّى مع شيخوختك البعيدة ،  أنا أيضاً جئت لأدفن هنا. تركت قبرها تلك الباريسية ،  إنها نزوة يصنعها المنفى.

يطلق فرانكو ضحكة عالية وعريضة وهو يقف معجباً عند عبارة (النزوة التي يصنعها المنفى).

وعندما استفسر عن سبب الضحكة الكبيرة يرد أمير مترجماً ضحكة صديــــــــقه الإيطالي : لقد ذكرته برحلة كلكامش الذي ذهــــب مع الأمل ،  وعاد بدونه ،  وفرانكو يعتقد أن الرحلة كانت شيــــــئاً من هاجس منفى في ذاكرة كلكامش وخصوصاً عندما عاد خائبـــاً بدون عشبة الخلود.

أضحك أقل من صدى ضحكة فرانكو وأقول لأمير : قل لصديقنا فرانكو : إني أضحك على جنون إيطالي يذهب إلى جنون ألكسندر بلوك ويترك صدراً مثيراً كصدر راكيل وولش الذي تداهمه الشيخوخة الآن ،  ويحاول أن يرمم الزمن في استعادة مشاهدة أفلامها التي مثلتها على مدى أربعين غراماً وعاماً ولقطات مثيرة… ،  قل له : إن ملهمة ألكسندر بلوك لن تكون بمستوى الفنتازيا التي خلقتها لنا الغيمة التي سكنت بنطلون ما يكوفسكي ،  وسأنضم إلى زوجته آنا في تمجيد ديستوفسكي ،  حتّى تتوقف ضحكته العالية ،  ويؤمن مثلي أن المنفى هو مهنة شاقة ،  كما يصفه الشاعر التركي ناظم حكمت ،  وهو في بعض مزاياه دهشة مفاجئة تدعونا لننسى أيامنا القديمة ،  وأن لا نعود إليها حتّى مؤقتا.

 وقل له أيضاً : إن مدن كالفينو كانت كلّها مدن منفى الفنتازيا في الخيال الذي تشيّده روح البشر على شكل صروح وأبراج وشوارع مرصوفة بدموع ضحايا حروب سومر وبابل والقرم وطراوة والعلمين وغيرها ،  وربّما من نتاجها تلك الحسرات التي أطلقها أهل أوروك يوم عاد ملكهم الشاب خالي الوِفاض.

هي استذكارات تتداخل فيها لحظة التعارف مع دي أوغستينو وطقوس زيارة قبر أبي. عندما غفت أمّي على حائط قبره ،  وهي لا تعرف أن النهار انتهى ،  وحين أجبرتها على المغادرة بعد أمنية أن تظلّ نائمة قرب القبر وإن كانت ليلة واحدة. همست لي : سنتركهم وحدهم ونعود.

قلت : بعضهم سيؤنس بعض ما دامت قبورهم متجاورة.

– لماذا لا تتركني أفرش بساطاً هنا ،  وأنا جنب قبر أبيك ،  وسنصبح أربعة في ونس الليل ،  ونقضيه (سوالف) عن أيامنا التي لم يبق منها سوى جفن منطفئ ،  وظهر مقوس ،  وفرح متأخر لعودتك من هجرتك البعيدة؟

لم أجبها ،  بل ركنت بدمعتي عند صفنتها العميقة  ،  ورغبتها القوية بالبقاء بالمبيت عند القبور الثلاثة ،  اقتربت منها واحتضنتها وهمست لها : لو كانوا يقبلون أن تقضي الليل قربهم لفعلت ،  لكنهم يقولون : الليل للموتى ليستريحوا من نحيب وعويل البشر عند رؤوسهم طوال النهار. أشعر أن أبي وإخوتي ارتاحوا كثيراً؛ لأننا بقينا معهم طوال النهار ،  لنودعهم يا أمّي ،  وسنعود إليهم حتماً وأنت معي.

– بنعش أعود إليهم؟

– كلا. بعافية وصحة جيدة.

ضحكت بخفوت كأنها تشعل في ظلمتها شمعة الحنين إلى لقاء آخر وقريب مع القبور الثلاثة ،  وقربت صدرها إلى صدري وهي تهمس : كنّا ننتظرك بشوق وحسرة وحزن. الآن أنا أشمك وهم يشمون التراب ،  ولكن المهم أنهم سمعوا صوتك وسمعوا أنيني.

ومثل الذي يحمل متاعه وحقائبه في سفر بعيد ،  حملت أمّي على ظهري وأجلستها في السيارة لنعود إلى الناصرية ،  فغداً سينتظرني أوّل يوم عمل لي مع البعثة الأثرية بعد أن نسبتني دائرة الآثار للعمل معها ،  ومرافقتها في موقع أثري يدعى (أبو طبيرة) .

وها أنذا في الموقع الأثري ،  وجوه أوروبية تبتسم أمامي ،  وقد عرفوا أنني قضيت أعواماً كثيرةً في فرنسا.

تقدَّم الدكتور فرانكو وقدَّم لي نفسه ورحب بي ،  فيما وقف أمير إلى جانبي ليعرفني بكامل أعضاء البعثة الذين اصطفوا بمرح وانتظام ،  وقد أراد فرانكو أن يريني أوّل مكتشفاته في هذا التل الأثري ،  وهي أوان خزفية وطينية ومقتنيات بيتية بسيطة وأدوات زراعية ،  وتعبيراً عن سعادتي بالحضور والعمل معهم قلت ضاحكاً وبالإنكليزية الركيكة والتي ترجمها أمير بصورة صحيحة ،  وأنا أرفع بيدي آنية فخارية : بهذه الآنية الفخارية كنّا نشرب الماء في طفولتنا.

قال  أمير  : هذا فرانكو دي أوغستينو الذي تعرفت عليه قبل ذلك رئيس البعثة ،  عاشق لكلّ ما هو سومري أستاذ جامعي في جامعة روما ،  ألف كتاباً عن كلكامش ،  وسبق لي أن أخبرتك أنه مختص بالشاعر الروسي ألكسندر بلوك ،  ونال شهادة جامعية في شعره ،  حلمه أن يعيش في هذه الأرض طويلاً ،  ليكتشف هل ما كتبه عن جلجامش يقارب تماماً هواجسه وأحلامه وآماله. والدكتور فرانكو يشعر أن الحلم بدأ من هنا مثلما بدأ التاريخ والحرف.