الخطاب الإنساني والوطني في ساعة لا ريب فيها

حضور الثيمة والمبنى السردي للنص

الخطاب الإنساني والوطني في ساعة لا ريب فيها

يوسف عبود جويعد

قدمت لنا القاصة افراح سالم ، نصوصها السردية ، في مجموعتها القصصية، (ساعة لاريب فيها) بنمطين من انماط الكتابة في فن صناعة القصة القصير، وهما ،الواقعية الانتقادية، والواقعية الاجتماعية، حيث حفلت هذه المجموعة التي ضمت خمسة عشر نصاً،تنوعاً واضحاً للاحداث، فقد شملت افكار النصوص وثيمها نواحي عدة، استطاعت القاصة ان تستجزأها من واقع حياة البلد العصرية، بين رافضة لواقع بالي قديم لازال ينشر طقوسه ، ويفرض وجوده في حياتنا، وواقع مشرق وضاء يتطلب تنميته واظهاره بشكل اكثر،وضوح، وقد طغى على سطح المبنى السردي لهذه النصوص، الوعي الانثوي الذي يرفض تهميش المرأة وجعلها كيانا تابعا للرجل، تطيعه وتنفذ اوامره وتلتزم بتوجيهاته، دون ان يكون لها دور مؤثر في هذه الحياة، التي تتطلب وجود المرأة وشخصيتها وثقافتها، لمشاركته (اي الرجل) في بناء هذا المجتمع ، وهي تشير من خلال تلك النصوص وبشكل ملفت للنظر، ان الرجل وحده لايمكن ان يقوم بهذه المهمة ان لم يضع للمرأة موطأ قدم ثابت وراسخ فيها، كما يمكن للمتلقي ان يكتشف من خلال تناول القاصة للاحداث، بأن هنالك خطابا انسانيا، وخطابا ادبيا ، وخطابا اجتماعيا، وخطابا وطناي ، وانساق ثقافية مضمرة، تشير بكل وعي واتزان وثقة ،بضرورة الخروج من شرنقة التخلف والتقاليد والطقوس البالية القديمة التي اكل الدهر عليها وشرب، وما عادت تجدي نفعاً، بل انها وبال وحاجز يحول بين الحياة القويمة الواعية، ويعوق حركة التطور، كونها تستعرض الحالة المرفوضة بصيغتها الواقعية الانتقادية، ثم تجد لها المخرج الصحيح من خلال حركة المبنى السردي للنص ، واختيارها للثيمة ، والاحداث، والشخوص،مستخدمة ادواتها السردية بشكل متقن ، نحو الشكل، المضمون،زاوية النظر التي اختارتها بحكمة، المكان ،الزمان ، الشخوص، والاحداث، التي ارتأت القاصة ان تمنحها سياقه الفني المطلوب، حيث التعريف ثم الحبكة ،ثم التأزم، ثم الانفراج الذي يأتي دائماً مكملاً لنهاية نقطة البداية، وحسب ما تتطلبه حالة الوعي النصي للحدث،برؤيته التي وظفت فيه جوانب ايحائية ودلالية ورمزية ، استطاعت ايصالها للمتلقي، من تلك الجوانب صوت المرأة المهمومة ، وصرختها من اجل الخروج من العتمة الى النور، رفض كل ماهو ضد الوعي الحياتي، الحس الانثوي الواضح والطاغي في مجمل نصوص هذه المجموعة، حياة المرأة في هذا المجتمع، الخطاب الوطني الصادق والنزيه، الذي تجلى واضحاً في النصوص التي تنحـا منحاً وطنياً، وخاصة في تناولها لثيمات الوطن وحبه، والمقاتل وتضحيته من اجل الوطن،وكذلك نجد العاطفة الانثوية الجياشة في تداعيات تلك النصوص، التي تستنهض الحب بعلاقته الانسانية النبيلة،وكذلك نجد تلك المشاعر الفطرية الخام ، والمجردة من اية شائبة تعكر صفو وصولها للمتلقي، تلك هي الاحاسيس التي نحتاجها دوماً من اجل ان يعرف المرء دوره الحقيقي في هذه الحياة، ولم تكن تلك المؤشرات آتية بالشكل المباشر، وانما جاءت حالة متممة للنص السردي المتناول ، وهكذا فأننا سوف نستعرض نماذج من تلك النصوص للوقوف على ماأشرنا اليه سالفاً

قصة الطائرة الورقية تقدم القاصة من خلالها وباسلوب الواقعية الانتقادية والواقعية الاجتماعية حياة امراة طموحة اعدت نفسها لتكون شاعرة الا ان التخلف والجهل وتهميش المراة والتعامل معها بعنف كان سببا في ضياع هذا الطموح وضياع مستقبلها وضياع امانيها واحلامها كونها وافقت مجبرة بعد التعنيف والضرب والاهانة وتمزيق قصائدها واوراقها التي سهرت الليالي تكتبها ان تتزوج ابن عمها وتترك الدراسة فالمراة في نظر هذا المجتمع طريقها الزواج وليس لها طريقا اخر سواه وما الطائرة التي كانت بيد ابنها بعد ان تزوجت وانجبته وانفلات خيطها وهروبها بعيدا نحو السماء الزرقاء الا رمزا كبيرا لضياع مستقبلها وهروب امالها واحلامها وطموحها

(هي اليوم ليست اكثر من مجرد جسد خال من الروح وهي تستعيد ماساة اذعانها لاوامر والدها تركت حلمها خلف اسوار الروح دافئا عله يحلق يوما ويهرب كما هربت الطائرة الورقية بعيدا ثم عادت الى واقع الاحداث وقد احتضنت صغيرها وقبلته بحنو وهي تعده بجلب طائرة ورقية له اكبر واجمل واقوى) ص 13

وهذا النص السردي الذي نسجته القاصة بلغة شفافة حزينة مؤلمة تنبع من تداعيات روحية عميقة مؤثرة ما هو الا دعوة للاهتمام باولادنا البنين والبنات ومساعدتهم في طريق تحقيق طموحهم

قصة صباح اخر للحياة رغم اختزالها وتكثيفها الا انها مضمرة بانساق كثيرة ادبية ثقافية انسانية وطنية حيث تدور احداثها عن مقاتل بترت ساقه وهو يواجه العدو الداعشي ورغم هذا فانه نادم لانه حرم من المشاركة مع الابطال في مواجهة العدو ويريد ان يتاقلم مع حياته الجديدة وكانت الاحداث تتدفق بانسيابية مبهرة ومن خلال محاورة بين بطل القصة والطفل الذي لم يبد اهتماما به للوهلة الاولى الا انه بعد ان حكى حكايته للطفل قدم الطفل له قطعة الحلوى الوحيدة التي كان يحتفظ بها في جيبه ،وهرول لاصدقائه يحكي لهم حكاية هذا البطل مما حدا بهم ان يذهبوا لمحل الحلوى ويشترون له حلوى ويقدموها عرفانا بما قدم هذا البطل من تضحيات كبيرة من اجل الوطن وتختار القاصة زاوية النظر والاسلوب والمدخل الذي يجعل من النص قطعة متماسكة مؤثرة مستخدمة الادوات السردية لفن صناعة القصة وتحريكها بشكل متساو وبحركة تصاعدية متواترة

اما قصة عتمة فانها تقدم لنا صورة سوداء معتمة لواقع حياة المراة التي عليها هي وحدها دون سواها ان تتحمل وتنصاع لمفاهيم واعراف وتقاليد يغلب عليها الجهل وانعدام الوعي كونها عندما تتزوج عليها ان تبني لها جدارا حصينا يمنعها من رؤية الحياة ورؤية الضوء وعليها ايضا ان تطيع زوجها بكل الصور وبكل المفاهيم حتى وان كانت خاطئة عليها ان تكون تابعا دون كيان او شخصية الا ان بطلة هذا النص استطاعت ان تخرج من عتمة هذه الشرنقة وكسرها للخروج للنور بقرارها بعدم العودة ثانية الى زوجها وهكذا فان القاصة احتوت حياتنا وتقاليدنا البالية وقدمتها بنص مغتزل ولكنه حقق الرسالة الانسانية المتوخاة

اما قصة (ساعة ريب فيها) التي حملت المجموعة اسمها فإنها تقدم لنا حالة التردي والخراب ، الذي حاق بالانسان في هذا البلد ، كونها تقدم لنا صورة من الاف الصور التي حدثت في هذه البلد ، وسلب حقوقه في ان يعيش امناً مطمئناً في بيته، فهذا النص يحكي لنا حكاية من تلك الحكايات لرجل كبير في السن هجر من بيته عنوة وبقوة السلاح، لكنه ظل محتفظاً بالساعة التي كانت معلقة في جدار بيته، رغم الضرب المبرح من اجل تركها، وهكذا يعيش نازحاً في المخيم شأنه شأن مئات الالاف الذين شردوا من ديارهم، وحرموا من حقهم الشرعي في الحياة الآمنة المطمئنة

ان المجموعة القصصية (ساعة لاريب فيها) للقاصة افراح سالم ، تنقلنا الى حالة الوعي الضروري من اجل اعادة الحياة الى نصبها الصحيح، وتقدم لنا نصوصا سردية ناضجة تتناول فيها الحس الانساني ، والحسي الانثوي المقهور، وتقدم لنا خطاباً وطنياً صادقاً وخطاباًانسانياً،وتقدم لنا حياتنا الخام كما نعيشها ، وكما نريد ان نعيشها، وتقدم لنا التضحيات الجسام من اجل هذا الوطن ، انها استغاثة صادقة لاتخاذ جادة النور والوعي وترك الظلام اً