
رواية ظلال جسد .. ضفاف الرغبة لسعد محمد رحيم
السقوط في شرنقة الأنثى
مصطفى عطية جمعة
تجمع هذه الرواية عوالم عدة ، تتصل كلها بالعلاقة الأزلية بين الرجل والمرأة، علاقة الحب والشغف ، الهجر والشوق ، المطاردة والبعد . إنها رواية المرأة الفاتنة عندما تأسر رجلا ، يعلم كل مثالبها ، ومع ذلك لا يستطيع أن ينأى عنها، بل يركض خلفها ، ويتتبع أريجها أنّى كان ، يترقب أخبارها وإن كانت كذبا .
رواية الرغبة
وهي أيضا رواية الحب الأوحد في حياة رجال عدة ، كلٌ منهم يحتفظ بذكرى عنها، لا تغادره ، ويبقى في إسارها عبدا مقيدا . وهي رواية الرغبة الحسية عندما لا تنال من المرأة الفاتنة إلا الفتات ، ومع ذلك تعيش عليه ، وتتقوى به ، وتستحضره في خيالها كلما تلحّ الرغبة على صاحبها ، فلا فكاك من الفرار إلى الفتات المتخيل، لعله يروي جوعا لا يعرف شبعا . وهي أيضا رواية الحب تحت القصف ، فقلب العاشق متلهف متيم ، تحت قصف لا ينقطع في إحدى عواصم التاريخ العربي المجيدة، في بغداد ، لتكون الرسالة : نحب تحت القصف ، فالمرأة هي هي ، والرجل هو هو ، وإن شاهدا القنابل بالقرب منهما ، وإن عايشا الموت في كل لحظة.
صحيح أن قضايا العشق والعلاقة مع الرجل من القضايا التقليدية الدارجة في الروايات عامة ، والرومانسية خاصة ، خاصة أن الكاتب أقام عالما رومانسية تقليديا نوعا ما ، ولكن سرعان ما كوّن عالما جاذبا في السرد ، فقد صارت معشوقته جنيا يتلبسه في النوم واليقظة ، فطارده البطل لعله يقلع عنه ، ليكتشف أنه يغوص في قعر مجتمع بغداد ، وحياته الجنسية السفلية . كل هذا ونحن نتسمع ضجيج الانفجارات ، ونقرأ عن أجساد ممزقة ، وصراعات سياسية ، وتكمن المشكلة في كون هذا غير موظف فنيا ، فهي أقرب إلى الموسيقى الزاعقة في الخلفية .
تدور أحداث الرواية حول شخصية ” علاء البابلي ” البطل المدرس المساعد بإحدى جامعات بغداد ، الذي يعد أطروحته للدكتوراه في الاقتصاد السياسي ، غارق حتى أذنيه في الكتب ، مهموم بقضايا الوطن العراقي الدامي ، حيث الثروة المنهوبة، والسياسة الفاسدة ، والاحتلال الجاثم .. ، نترك كل هذا جانبا ، ليصفعنا السرد منذ الصفحات الأولى بشخصية ” رواء العطار ” ، التي لها نظرات ” شعّت كالماس تحت نجمة شاردة في ليل صحراوي؟. ستقولون؛ هذه استعارة مستهلكة. وأقسم أنها كانت شيئا كالشعاع. خُيّل إليّ أنه انبث من نقطة بعيدة وسرية، ليختلج على فمها الذي يذكر بأسنان وشفتي صوفيا لورين في أفلام ستينيات القرن الماضي . أما نظرتها فكانت تنذر بشراسة هادئة، كما في عيون حيوان بريّ ” ( ص5 ) . تقابلا في المكتبة ، حاول الاقتراب منها لعدة أيام ، ولكنها صدته ، تبادلا الحديث بكلمات مقتضبة ، وتناءيا ، ثم عاد ذات مرة ، ليجدها تجلس في نفس الطاولة قبالته ، وسرعان ما تقاربا وتحاورا، وتناقشا ، وخرجا معا ، أخبرته أنها تعد رسالة ماجستير عن روايات فؤاد التكرلي ، وأعلمها أنه قرأ بعضا من هذه الروايات ، اكتشف أنها عاشقة للموسيقى والسينما ، دعاها للغداء في مطعم قريب فسارت معه ، تغديا وقضيا وقتا ماتعا . وباتا يلتقيان مرتين في الأسبوع ، هو حالم بها ، يريدها في أحضانه راقصة على أنغام أغنية ” يا بدع الورد ” لأسمهان ، ويذكرها بلوحات مايكل أنجلو ، وأفلام السينما العالمية بجميلاتها . تلامسا ، وتلاقت أيديهما، وبدآ في المصارحة بالعشق ، ورغبته في جسدها الناري ، وهي لا تبدي تمنعا ، وإنما تستجيب بشكل أو بآخر . وعندما صارحها أن هناك أشياء ثلاثة تجذبه لها : شبهها الكبير بصوفيا لورين، ونظرتها الحيوانية (الشهوانية) ، وإغراء مؤخرتها . (ص14) وصفات دالة على أنه متيم بها جسدا فقط ، وأنها امرأة لعوب ، فمن يشاهدها أينما سارت يتعلق بها ، فنظراتها تثير من حولها . أما هي فقد صارحته بأمور ثلاثة أيضا: أنها لا تحبه وإنما في مرحلة الإعجاب فقط ، وأنها ذاقت الحب الحارق مرتين، وقد منحت جسدها وروحها لمن أحبت في كلتيهما ، وأنها تزوجت من تاجر شره للجنس ، أنجبت منه ابنة عمرها ثمانية أعوام . ص18)ــ(20 . فهي ليست عذراء وليس هو حبها الأول، بل لم تحبه من الأساس ، ومع ذلك ظل متيما بها ، ثم فارقته أياما.
لغز كبير
حاول الاتصال بها بعد ذلك ، كانت ترد مرة ، وتغلق هاتفها أياما ، فبحث عنها كالمجنون فلم يعثر لها على أثر ، واكتشف أنها ليست طالبة ماجستير في جامعتها، لتكون لغزا كبيرا أمامه . فجأة ردت عليه ، وتكررت لقاءاتهما ، حتى إنه اصطحبها إلى شقته ، وتلمسها وتحسسها وعندما اشتعل تركته مغادرة ص(35- 30) على وعد باللقاء ، ثم اختفت . وعادت تتصل به من جديد ، وقابلته في الكافتيريا لتخبره أنها كانت مريضة ، وأعلمته بأن المعلومات التي ذكرتها له ليست حقيقية ، وأنها أقامت علاقة مع أستاذ جامعي ، ثم تزوجت من مدرس كردي وأنجبت منه ابنة عمرها عشر سنوات ، وأن اسمها الحقيقي نسرين الصفار .(ص(51 .
تتابع الأحداث ويكتشف علاء من خلال علاقاته وجلساته وسهراته أن هناك من عرفها وفتن بها ، وتركت علامة لا تمحى من حياته ، وكلما روى أحدهم صفات لمن عشقها يكتشف أنها تنطبق على ” رواء”، وإن يعرّفها باسم وكينونة مختلفان . فيعرف أن رجلا يدعى ” أبا غسان ” عرفها وتعلق بها ، رغم أنه يحب زوجته بجنون ، ولكن مذاق هذه السيدة ، التي حملت أسماء عديدة منها : ناهدة حداد ، أوديت بنيامين ، وأن آخرين عشقوها ، وحكوا قصتهم معها مثل : بهجت كاظم المحامي اللامع ، قبل أن يسقط في حبائلها ، ويتعلق بجمالها الفتان المختفي، فهي مثل الجن ، لا تظهر إلا حين تريد ، وتختفي في منتصف الطريق (ص(75 .
تخبطاته تقوده إلى بيوت البغاء ، ليذهب إلى بيت أم تغريد التي جعلت بيتها ملاذا لراغبي التمتع ، وكم كانت المفاجأة أن يسمع علاء من فتاة يعاشرها في بيت أم تغريد أن الرجل الذي يقيم مع هذه السيدة في بيتها هو أخوها : نصف أطرش ، وثلاثة أرباع أخرس، بربع عقل ، وربع دين ، مثل خروف ، وأغلب الظن أنه مخصي ، وإلا أكل النساء اللائي يفدن على بيت أم تغريد . وكانت المفاجأة أن أم تغريد سحاقية متيمة بالمرأة، ولديها ابنة ، اسمها تغريد الحاج نصف مجنونة، بجنون الفنانين والأدباء والموسيقيين، تعشق السفر ، وتعتمد على أمها الميسورة في أملاكها في تمويل ما تريد ( ص(128- 125 وتخبره ” نيرمين ” أيضا عن تغريد وأن اسم شهرتها بين الناس هو رواء العطار ، معشوقته القديمة ، وتصفها بنفس الصفات التي ينعتها بها كل رجل عرفها ( ص (129 تستمر علاقته مع نيرمين ، التي عشقت هي أيضا رواء عشقا أنثويا ، وتروي له ” نيرمين ” عن علاقتها السحاقية مع رواء التي أخبرتها عن علاقاتها برجال عديدين منهم المحامي وأبي غسان ، وعللت رواء ذلك بأن رجلا واحدا لا يكفيها ( ص(162 وقد قابل علاء صاحب المطعم أبا مثنى الذي تعرف على نهى ( رواء ) ، وعاشرها شهورا ثم تاب وأناب ، وحدثه عن النظرة والجسد ، وأكد له أنه كان ضحية من ضحاياها ، وذكر له أن ” نيرمين “كانت تأتي معها في المطعم ، وأن هناك رجالا آخرين عرفوا رواء وعرفتهم (ص193 ) وأخبره أبو مثنى أن نيرمين عشيقة رواء ( ص(193 وهكذا سعى وراء حبه المجنون، لعله يصل إلى فهم حكايتها الممتدة غير المنتهية ، مقرا وهو يتتبع آثارها ، أنه سيتعرف على المزيد من رجال بغداد الذين عرفوها وفتنوا بها ، وقلبت حياتهم . وظلت رواء تطارده في الأحلام ، تأتيه بهيئات مختلفة ، وكأن حكايتها عفريت يتلبسه ، وهو يشرك القارئ معه في تخيل طبيعة هذا التلبس ( ص(151 وتتصاعد الأحداث ، لنكتشف في النهاية أن هناك ألاعيب تمت عليه ، منها أن نيرمين كانت عاشقة لطبيب اسمه عامر الفهد ، وأنها غادرت إلى استانبول مع أم تغريد ، وأن السيدة نوافل الحاج رشيد التي تعرف عليها وشهد مقتلها ودفنها في مقبرة الغزالي ، ويعلم بعد ذلك أنه دفن شخصية أخرى باسم مزور لها . ويكون ختام الرواية بأن تأتي له الدكتورة حنين ، فيستقبلها في حب ، موقنا أنها ستغير من حياته، وستمحو كل ما علق من آثار رواء ، وتوابع معرفته بها (ص(389 .
وعن بناء الرواية يكاشف السارد قراءه منذ البدء أنه ليس روائيا ، وإنما يكتب حالة من الوجد والهيام استبدت به ، وليس أمامه مفر إلا البوح بها ، وكما يقول فيما قبل المتن ( الاستهلال ) : ” هكذا أبدأ ، كي لا ألعن أو أبكي بغضب ، أو أقدم على ارتكاب حماقة مؤسفة ؛ بالنقر على لوحة المفاتيح ” ( ص (3 ودوما يعيد التنبيه على أنه ينثر ما في أعماقه من رغبات واشتهاء وألم الفقدان ، مقرا أنه لا يملك مهارات كتابة الرواية ، وإنما هو ” أجازف بكتابة رواية وما أنا بالروائي المحترف ، واعذروني لأني لا أستطيع إلا أن أكتب تلك الحكاية مستعيرا شكل وتقنيات فن الرواية .. ص36 ) ). هذا التصريح أشبه بالإقرار بأن ما نقرأ ليس إلا حكاية عن أحداث مرت بحياته ، محورها امرأة ، ودافعه لكتابته نفس المرأة . ولكنها في الحقيقة رواية محبوكة ، وإن تخللتها إشارات تؤكد أن المؤلف منساق خلف كلماته وحالة الوجد المستبدة به ، فهو يعترف بأنه يكتب بدون ذاكرة مسجلة ، أي يكتب كما يرد الأمر على خاطره، معترفا بأن ما يرويه عنها أشبه بطلاسم وظلمات يحاول فك غموضها ببروق ضوء التي هي عباراته التي يختارها (ص(83 .
وقد ظل يردد اسمها الأول رواء ، ولا يعترف بغير الكينونة الأولى التي عشقها عليها. وأن هذه الرواية إن استحقت صفة رواية تكتب نفسها ، ولا يكتبها المؤلف (ص83 ) في كسر متعمد لإيهام القارئ ، تجعله يدرك أن السارد يسعى لتقديم حقائق مصدمة عن نفسه وروايته . وفي (ص150- (151 يخرج عن إيهامه ومروياته للأحداث ، ويكاد يحطم جهاز الحاسوب، لأنه ابتعد عن رواء العطار ، وحكى عن أخريات وأحداث لا لزوم لها في رأيه، ولكنها في الحقيقة جزء أساس في بنية السرد.
لقد انطلقت الأحداث منذ لحظة التوتر الأولى عندما رأى علاء رواء في ردهات المكتبة، ومن خلال المعلومات المنثورة في ثنايا السرد عرفنا الكثير عن الاثنين ، وعرفنا كيف يتلوى الحب به ، ويكتشف في كل مرة أن رواء قصص ورجال وأحداث، فكأن البنية أشبه بمن ارتقى الجبل ، حتى وصل إلى قمته ، ثم عاد يهبط ويصف لنا ما شاهده من القمة إلى القاع ، ونتعرف أحوال بغداد تحت القصف والحب .
تخيل النهاية
أما الختام ، فلم يحتكره السارد ، وترك للقراء والقارئات تخيل النهاية أو وضع النهاية بالأحرى ، فقد حكى عن عاشقة كالجان ، صاغ معه هذه الرواية (ص390). عنوان الرواية ” ظلال جسد .. ضفاف الرغبة ” معبر عن عالمها السردي بالفعل فالبطل راكض خلف حبه المتيم ، غير قادر على التحرر منه إلا أن العنوان أميل إلى الروايات ذات المنحى التجاري ، الذي يغزو قراءه ويجذبهم من خلال عنوان مثير، فالجسد والرغبة لفظان يشيران إلى محتوى روائي حتما سيشمل إشارات إلى ما يفضله القراء خاصة الشباب والمراهقين وعاشقو روايات الحب . وفي هذا الصدد ، نذكر تحفظنا على عدد من المقاطع السردية التي بها إشارات جنسية وتفصيلات فاضحة ، وكان يمكن التلميح وهو يغني عن التصريح كما في (ص 32- 33 ) خلال اختلائه برواء ، وكذلك في لقاءاته مع نيرمين . من الشخصيات التي تغذي الرواية ، وتظهر في مجريات السرد ، ضمن لقاءات علاء وعلاقاته شخصية صديقه المقرب ” حمدي ” ، زميله من مراحل الجامعة الأولى، عرّفه على ليالي الأنس والنساء والشراب والمتعة ، وعرّف على شخصية أم تغريد ، تلك المرأة التي جعلت بيتها ملاذا لطلاب المتعة ( ص108 )وهناك الدكتورة حنين أستاذة النقد الحديث التي جذبته ، ويتساءل إن كانت تصلح أن تكون بديلة عن رواء العطار (ص(136 بالإضافة إلى أم تغريد ونيرمين وأبي مثنى وأبي غسان ، ونوافل الحاج رشيد. لقد اكتشف من خلالهم عالما سريا غامضا تتحكم فيه الرغبات الشبقية . وكانت حنين حبه الحقيقي الذي جاء بعد لأى . المؤلف لديه خبرة جمالية في السرد ، متراكمة من قراءاته العديدة للأدب العربي والأوروبي والتركي والروسي الذي ذكر أشهر رواياته في ثنايا السرد .
وعندما نتأمل دلالة اسم ” رواء العطار نجد أنه يطلق على ” الفتاة الحسنة المنظر في ماء الوجه “، وبفتح الراء يعني : الماء الكثير المُرْوي. فالدلالة على شقين متصلين : للمرأة الجميلة المشبعة في صفاء الوجه ونضارته ، وأيضا هي الماء الكثير الذي يروي الأرض أو الإنسان إذا نهل منه .
ودلالة الاسم في العالم السردي للرواية مختلفة ، فالبطلة بالفعل تروي ، وتشبع من يتعلق بها بغنجها ودلعها وتدللها وجمالها الفاتن ، ولكنه إرواء دون شبع ، إرواء يقود صاحبه إلى عالم أنثوي صاخب ، لامرأة تتلاعب بالرجل ولا تشبع من أحدهم، ولا تعرف معنى للحب ، وإنما تتلذذ بالأجساد الرجالية التي تقعى أمامها تطل رضاها، وتسعد بعيون الرجال التي تترصدها أينما ذهبت ، وتصفها بنعوت واحدة . وإذا أضيفت ” العطار ” إلى رواء ، سنجد أن ثمة عطرا يفوح منها في حضورها، ويظل في أنف الرجل ، لا يغادره ، لأنه عطر فريد اختلط بجسد فاتن . الأسلوب فصيح جاء متوائما مع السرد، واستطاع نقل الأحداث ، وتشويق القارئ ، كما أن الحوار مكثف ، موظف في بنية السرد، خاصة عندما يقص المتكلم على سامعه علاقته مع رواء ، هذا الكائن الغامض ، الذي دارت حوله الكاميرا القصصية والرجال والنساء ، أصيب بعضهم بالجنون ، وبعضهم تخبط في الحياة دون هدي . إنها رواية شيقة ، وحتما ستكون فيلما سينمائيا شيقا لأنه عن العالم المفضل عند الكثيرين عن المرأة الفاتنة ، التي تشبه صوفيا لورين ، ولها نظرات شهوانية ، وجسد يشعل الرغبة ، وفوق ذلك من يعشقها يصبح معلَّقا في حبائلها .
{ أكاديمي وناقد مصري
























