
إذا ذكر الزعيم العربي ذكر المغرب
البعد الوطني في شخصية علال الفاسي
محمود صالح الكروي
تصعب الاحاطة بكل جوانب المفكر والسياسي المغربي علال الفاسي (رحمه الله) (1910 – 1974) نظرا لما تتميز به شخصيته من سمات عدة : مفكرا واديبا وصحفيا وشاعرا عربيا لامعا وقائدا سياسيا وعالم دين مجتهد (شكلت مؤلفاته في حد ذاتها ثورة تحديثية جريئة أعادت الأعتبار للنهضة الليبرالية العربية الاسلامية) ورجل قانون مشهور بنتاجه الحقوقي ومؤرخا بارعا للحركة الاستقلالية في بلدان المغرب العربي واستاذا جامعيا ، ووزيرا وزعيم حزب سياسي ، له مؤلفات علمية في جميع هذه المجالات .
وأمام هذه السمات الشخصية النادرة التي تميز بها علال الفاسي والتي تشكل كل واحدة منها عنوانا لدراسات وبحوث متعددة كتب عنها الكثير ولازالت مثار اهتمام الباحثين في مشرق الوطن العربي ومغربه وفي العالم الاسلامي .
وازاء هذا التنوع الايجابي في مفردات شخصية علال الفاسي سأحاول التركيز على البعد الوطني في شخصيته والتي شكلت صمام الامان لكل ما تميز به لاحقا . إذ تحلى علال الفاسي بالشعور بالمسؤولية الأدبية والوطنية منذ كان عمره خمسة عشر عاما عندما استطاع ان ينظم الشعر الوطني في قصيدته التي يرسم فيها ملامح شخصيته ليكون شخصية بارزة ومؤثرة في تاريخ المغرب المعاصر. إذ جاء فيها :
أبعد مرور الخمس عشر العب وألهو بلذات الحياة وأطرب ؟
ولي نظر عال ونفس أبية على هام المجرة تطلب
وعندي آمال اريد بلوغها تضيع إذا لاعبت دهي وتذهب
ولي أمة منكودة الحظ لم تجد سبيلا الى العيش الذي تتطلب
قضيت عليها زهو عمري تحسرا فما ساغ لي طعم ولا لذ مشرب
سيعرفني قومي إذا جد جدهم كما عرفوني اليوم إذ قمت أخطب .
-1-
لقد تجاوز علال الفاسي وظيفته كشاعر وهو ينظم هذه الابيات الخالدة بوعي مبكر يحمل هموم شعبه ، وملتزم بقضايا وطنه وامته العربية والاسلامية ، ليكشف عن ابعاد شخصيته الحقيقية ، التي ترتبط اكثر بمجال التفكير والنضال ، وهي الوظيفة التي ميزت مسار حياته لاحقا.
كانت هذه الدافعية الايجابية والحافز الوطني هما أول مثابة أسهمت في بناء شخصية علال التي ستتصدر المشهد السياسي في المغرب لمواجهة سياسة الاحتلال الفرنسي .
وكان لـ (ثورة الريف) صدى في نفسية علال الفاسي الذي كان يتابع أخبارها ويتأثر بمجرياتها ، وكان معجب بنضال عبد الكريم الخطابي ويُعرف به في اوساط الشعب المغربي ، وقد أقتصر دوره آنذاك على تحرير المناشير مع بعض أصدقاءه وتوزيعها على المواطنين ، وأهمها ما حرره مع صديقين له أبتغاء نفي التهمة التي كانت السلطات الفرنسية والاسبانية في المغرب تلصقها بعبد الكريم الخطابي مدعية أنه يطمع في الحكم ، فكتبوا المنشور بذكاء وأوهموا الجميع انه صادر عن عبد الكريم ، وكان فحواه أن (البطل يشكر أعيان الأمة على تأييدهم له ، وتمنيه ان ينصره الله ليحتفل معهم بجلاء الأجنبي في ضريح مولاي أدريس في ظل ملك البلاد) وبهذا أفسد علال ورفاقه مناورات المستعمرين .
وتصاعد نضاله وأصراره عندما أقدمت سلطات الاحتلال الفرنسي على إصدار ما سمي بالظهير البربري في 16 / 5 / 1930 في محاولة منها لشق وحدة النسيج الاجتماعي المغربي من خلال عزل البربر عن العرب ولتعزيز الوجود الفرنسي في المغرب .
وقد تصدى علال الفاسي لسياسة فرنسا البربرية معلنا رفضه للظهير البربري ، وتقدم الصفوف في قيادة التظاهرات الشعبية الرافضة لهذا الظهير والمؤكدة على الوحدة الوطنية للشعب المغربي ، ومن هنا برز نجم علال الفاسي قائدا وطنيا بعد ان تمكن من نقل شرارة هذه التظاهرات الى عموم مدن المغرب ولعب دورا كبيرا في تاجيجها من خلال شعره وخطبه الوطنية الحماسية في التظاهرات وكذلك من خلال دروسه في جامعة القرويين والمدارس والمساجد لتوعية الناس بحقيقة سياسة الاحتلال الفرنسي في المغرب ، وكان يحثهم في محاضراته وخطبه على مقاومة الاحتلال والظلم ، والتشبث بالوحدة الوطنية ، ورفض الظهير البربري ، وحاولت الادارة الفرنسية منع هذه الدروس والمحاضرات نظرا لانها تشكل خطرا على سياستها الاستعمارية ، ولكنها لم تنجح في منع هذه الانشطة السياسية .
لمواجهة ذلك عملت الادارة الفرنسية على اعتقال علال الفاسي لمدة اربعة عشر يوما ، وأطلق سراحه تحت الضغط الشعبي للتظاهرات الشعبية المستمرة التي عمت مدن المغرب بعد اعتقاله . واستمر علال الفاسي يواصل مشروعه الوطني والدراسي ، وفي عام 1932 منح درجة العالمية بتفوق عن اطروحته التي تقدم بها الى جامعة القرويين بحضور نخبة من العلماء البارزين وممثل عن السلطان محمد الخامس ، بعد اعلان قرار اللجنة العلمية المناقشة منحه درجة العالمية (الدكتوراه) ، جرت مساومته من قبل سلطات الاحتلال الفرنسي من انه لم يتم اصدار
-2-
الامر الجامعي بمنحه درجة عالم ، إلا إذا أعلن تخليه عن العمل الوطني بتعهد خطي ، فرد عليهم انه يكفيه فخرا ان اللجنة العلمية التي أمتحنته قد اقرت منحه درجة عالم وبحضور نخبة من العلماء البارزين وممثل السلطان ، فلا حاجة له بالامر الجامعي وبهذا الموقف الوطني فوت الفرصة عليهم ، وأكد تمسكه بوطنيته. هذا الحماس الوطني الرافض لسياسة الاحتلال الفرنسي دفع علال الفاسي الى التفكير في كيفية تنظيم صفوف الشعب واستثمار الموقف الوطني الشعبي وتوظيفه بما يعزز استمرارية الروح الوطنية لدى الجماهير في استمرار تصديها لسياسة الاحتلال الفرنسي ، في ضوء هذا الوعي المبكر بادرعلال الفاسي ومجموعة من الشخصيات الوطنية الى تنظيم حركة التصدي للتواجد الفرنسي في المغرب ، فأسسوا كتلة العمل الوطني عام 1934 والتي شكلت أول تنظيم لحزب سياسي وطني في تاريخ المغرب المعاصر مهمته الدفاع عن الوحدة الوطنية المغربية واستقلال المغرب وسيادته .
تعزز ذلك بتقديم كتلة العمل الوطني لبرنامج الإصلاحات (دفتر مطالب الشعب المغربي عام 1934) الى الحكومة الفرنسية وادارة الاحتلال في المغرب وسفارات الدول الاوربية ، الذي مثل في جوهره ردا على محاولات إلحاق المغرب بوزارة المستعمرات الفرنسية ، وتتوجيا لذلك النضال الشعبي الوطني ضد تلك السياسة التي تمس الوحدة الوطنية في الصميم .
وفي ظل الحضور المؤثر لعلال الفاسي في الساحة الوطنية المغربية عقدت كتله العمل الوطني المؤتمر الانتخابي العام لها لاختيار قيادة منتخبة للكتلة ، اسفر المؤتمر عن انتخاب علال الفاسي رئيسا للكتلة ومحمد الحسن الوزاني أمينا عاما ، وما اعلنت نتائج الانتخاب حصل تطور سياسي مفاجئ إذ اعلن الوزاني انشقاقه عن الكتلة (لاعتقاده انه الاصلح للرئاسة) وتأسيسه حزب الحركة القومية .
وفي هذا الظرف الصعب والمفاجئ تبرز شخصية علال الفاسي في المحافظة على وحدة العمل الوطني ، إذ بذل جهدا كبيرا من اجل عودة الوزاني للكتلة ، إلا ان ذلك لم يتحقق.
وقد تفاءل المستعمرون بخبر الانشقاق ، إلا ان الوطنية المغربية لدى علال كانت تسمو فوق الخلافات مع مراعاة احترام وجهات النظر ، اذ لم يذكر التاريخ أن علال قد اتهم ألوزاني بالخيانة ولا الأخير فعل ذلك ، واستمرا كل من موقعه يقود العمل الوطني لخدمة المغرب واستقلاله .
وإزاء هذا الحضور الفاعل والمؤثر في مجريات الاحداث ولخشية ادارة الاحتلال الفرنسي في المغرب من تنامي وتعاظم دور علال الفاسي في الوسط الشعبي وانعكاس ذلك على مستقبل تواجدها في المغرب اقدمت سلطات الحماية الفرنسية على اعتقال علال الفاسي ونفيه الى جزيرة الغابون يوم 31 / 10 / 1937 ، ومنعت السلطات الفرنسية اي اتصال به بما في ذلك زيارة اهله له في محاولة منها لثنيه عن موقفه الوطني ولأنهاء تأثيره في نفوس الوطنيين والشعب بعد ان انتخب رئيسا للحزب الوطني لتحقيق المطالب .
-3-
وكرد فعل على هذا الموقف الاستعماري البغيض عمت التظاهرات الوطنية مدن المغرب بما فيها مدن الشمال التي كانت تحت الحماية الاسبانية ، وكانت تلك التظاهرات تهتف بحياة علال الفاسي كرمز وطني كبير ، وفي تونس توقف العمل ثلاثة ايام تضامنآ مع شعب المغرب واستنكارا لنفي علال ، والحال نفسه في الجزائر إذ عمت التظاهرات المنددة بقرار النفي ، وتناقلت وكالات الأنباء الدولية اسم علال كرمز من رموز الوطنية المغربية .
وبنفي علال الفاسي اعتقدت سلطات الاحتلال الفرنسي انها حققت مبتغاها ، وقد تناسى المحتلون ان علال الفاسي قد بذر وزرع روح الوطنية والاستقلالية والسيادة وحب المغرب في نفوس الملايين من المغاربة ، فكانت اناشيده الوطنيه والدينية تراتيل يرددها الرجال والنساء وحتى الاطفال في كل مناسبة ، وبهذه الوطنية المتجذرة في نفوس الشعب تمكن الوطنيين المغاربة من قيادة النضال الوطني ومواجهة المستعمر الفرنسي والاسباني بعد نفي علال الفاسي.
لم تخمد روح الوطنية عند علال الفاسي في المنفى وأنما ازدادت تجذرا وتألقا وإيمانا يؤكدها بالممارسة ، وفي الغابون وتحديدا بعد 14 / 6 / 1940 ، بعد ان انظم الولاة العسكريون الى نظام الجنرال ديغول (كانت فرنسا مقسمة ما بين حكومة فرنسا الحرة ” 28 / 6 / 1940 ” برئاسة الجنرال ديغول وكانت قيادتها تعمل في الجزائر ولندن وحكومة موالية لألمانيا في مدينة فيشي الفرنسية برئاسة الماريشال بيتان بعد احتلال باريس في ” 14 / 6/ 1940″) وجدت حكومة فرنسا الحرة ضرورة ان تفكر في اجراء حوار مع علال الفاسي كونه شخصية وطنية معروفة ومؤثرة في المغرب بعد ان وطأت جيوش ديغول قرية موبلا في جنوب الغابون التي كان يقيم فيها علال الفاسي ،اثرها اجرى ممثل عن الجنرال ديغول اتصالا بعلال الفاسي وطلب منه ان يكتب لديغول شرحا بقضية المغرب وموقفه من فرنسا ، مع تقديم اغراءات لعلال في محاولة لاستدراجه بالتخلي عن العمل الوطني مقابل العفو عنه وإطلاق سراحه والسماح له بالعودة الى المغرب ، إلا ان علال الفاسي أبى إلا ان يبقى الوطني المخلص لشعبه ، فتقدم الى ديغول بتقرير ضمنه شرحا وافيا عن الاوضاع العامة في المغرب والممارسات اللا إنسانية للمحتل الفرنسي تجاه شعب المغرب والتي تمثل تجاوزا على حقوق الانسان ومقدرات الشعب (التي كان يسمعها علال من وسائل الإعلام بعد ان تعلم اللغة الفرنسية في المنفى) ومطالبته باستقلال المغرب .
بعد ان اطلع ديغول على رسالة علال أوعز بأجراء مفاوضات ثانية معه وارسل اليه مندوبا اخر ، وبعد التفاوض والحوار مع المبعوث الجديد قبل علال الفاسي التعاون مع حكومة فرنسا الحرة (وحتى التوسط لدى الجزائريين والتونسيين بشرط واحد وصريح هو ان يعلن الجنرال ديغول استقلال المغرب منذ الان) ، وجاء الجواب من ديغول فيما بعد (درست قضية الفاسي وسيكون التقرير مثار اهتمامي) . وقد سمي ديغول هذا التقرير بملف الفاسي .. هكذا تتجلى وطنية علال صادقة مخلصة في حبها لوطنها وشعبها .
-4-
من هنا يتضح بعدا اخر يتجلى في شخصية علال الفاسي كمفاوض دبلوماسي وطني و دولي بارع من طراز رفيع مثل وطنه خير تمثيل وكان مفاوضآ وندآ صلبا مؤمن بقضيته ،
وكانت صراحته في الذود عن حرية وطنه سببا في تمديد نفيه أربعة اعوام اخرى قضاها في ظل ممارسات نظام اقسى من سابقه .
يتعزز هذا الموقف الوطني لاحقا بموقف وطني اخر من داخل المغرب متناغم مع ما ذهب اليه علال الفاسي في مفاوضاته مع ممثل الجنرال ديغول ، ليعلن قادة الحزب الوطني في المغرب في 11 / 1 / 1944 عن تأسيس حزب الاستقلال وتقديم وثيقة المطالبة بالأستقلال الى السلطان محمد الخامس (رحمه الله) والى الحكومة الفرنسية وسفارات الدول الأوربية وامريكا في المغرب ، واختيار علال الفاسي رئيسا للحزب وهو في المنفى . كان هذا الاعلان بمثابة الصاعقة لسلطات الاحتلال الفرنسي في المغرب وفي فرنسا ، لاسيما وان الاعلان عن تأسيس الحزب ومطالبته بأستقلال المغرب حظي بمباركة وتأييد السلطان محمد الخامس .
وفي خضم هذه التطورات الداخلية والضغط الدولي الذي تواجهه فرنسا ، مما دفع الاخيره الى تغيير سياستها في المغرب في محاولة منها لتخفيف حدة التوتر ولو الى حين ، فقررت سنة 1946 استبدال المقيم العام الفرنسي كابريال بيو وعينت خلفا له اريك لابون الذي استجاب لرغبة الملك محمد الخامس والاحزاب الوطنية المقاومة في الافراج عن الوطنيين المنفيين في الخارج وفي مقدمتهم علال الفاسي الذي امضى تسع سنوات منفيا في الغابون .
اثر ذلك أصدرت سلطات الاحتلال الفرنسي اواخر عام 1946 قرارا بالعفو عن السياسيين المنفيين شمل علال الفاسي به ، فعاد الى المغرب عودة الفرسان المنتصرين ، واستقبل بحفاوة استقبالا شعبيا كبيرا من قبل أبناء الشعب المغربي وقيادة حزب الاستقلال التي تمسكت برئاسة علال الفاسي للحزب طيلة سنوات نفيه ، والقى علال خطابا اثناء استقبال الجماهير له اكد فيه استعداده للتضحية من جديد في سبيل عقيدته والذود عن كرامة وطنه .
وبعد العودة الى أرض الوطن بدأ علال الفاسي مشوارا وطنيا نضاليا جديدا في قيادة حزب الاستقلال ميدانيا والتصدي لسياسة الاحتلال الفرنسي في المغرب ، وما ان شعر بالمضايقة اثناء ممارسة دوره السياسي الوطني من قبل سلطات الاحتلال الفرنسي ، اتخذ قرار الهجرة الى مصر عام 1947 ، وأقام فيها لاجئا سياسيا وأسهم في تأسيس مكتب المغرب العربي في القاهرة في 15 شباط 1947 ، بعدها اختير أمينا عاما للجنة تحرير المغرب العربي .
وفي القاهرة وظف علال الفاسي كل جهده الوطني والثقافي وفي مختلف المنابر السياسية والإعلامية من أجل نصرة شعبه داخل مصر وخارجها ، كما استثمر وجود الجامعة العربية في القاهرة لتكون قوة مضافة للتعبير عن تطلعات شعب المغرب في الحرية والاستقلال وفي تعرية واضعاف سياسة الاحتلال الفرنسي تجاه بلده وإفشال مخططاتها ، وقد تجلى ذلك
-5-
بدوره القيادي في إقناع قائد ثورة الريف عبدالكريم الخطابي (1882 – 1963) الذي قامت سلطات الاحتلال الفرنسي بنقله من منفاه في جزيرة ريينيون الى مدينة مرسيليا بفرنسا – في محاولة غير معلنة للتلويح للسلطان محمد الخامس بإمكانية عزله وتعيين الخطابي ملكا للمغرب لما
يتمتع به من شعبية عالمية – وأثناء مرور الباخرة الفرنسية التي تقل الخطابي في ميناء السويس والتوقف فيه ، تمكن علال الفاسي ورفاقه من فك أسر الخطابي ونقله سرا وعائلته الى القاهرة .
وقد جاء إعلان خبر لجوء الخطابي الى مصر ليشكل صفعة قوية وجهها علال الفاسي ورفاقه لمخططات الاستعمار الفرنسي وآلته الحربية وفوت الفرصة عليهم ، وبهذا العمل الوطني الجسور تصاعد نجم علال الفاسي في الآفاق الإنسانية رمز للوطنية المغربية .
ويتعزز هذا الموقف الوطني في 20 / 8 / 1953 عندما أقدمت سلطات الاحتلال الفرنسي على خلع ونفي السلطان محمد الخامس الى جزيرة مدغشقر وتعيين ابن عرفه خلفا له .
وما ان سمع علال الفاسي بالخبر حتى اعلن من القاهرة نداءه الشهير الذي سمي بـ (نداء القاهرة) عبر اذاعة صوت العرب في 20 / 8 / 1953 قائلآ : (لا مفاوضة قبل عودة السلطان وإعلان الاستقلال) وفي هذا النداء دعا علال الفاسي المغاربة الى الثورة واعتماد أسلوب الكفاح المسلح ضد الوجود الاستعماري ؛ وبدأت اثر ذلك عملية بناء جيش التحرير واستحق بجدارة ان يكون احد زعماء الحركات التحررية في المغرب العربي في القرن العشرين .. وبذلك أصبح علال الفاسي ندا وخصما عنيدا للاستعمار الفرنسي .
وفي القاهرة تتعرض وطنية علال الفاسي لامتحان صعب من نوع جديد يفاجأ به من قبل بعض المسؤولين المصريين آنذاك في محاولة لإقناعه بتولي رئاسة المغرب بعد استقلاله على شرط إعلان الوحدة مع مصر ، وتثور ثائرة علال الوطنية وتتجلى بالقول انه لن يقبل ان يساوم على وطنيته ولن يكون إلا علال الوطني العربي المسلم الأصيل الذي يحافظ على العهد ؛ ولن يخون العهد الذي قطعه للسلطان محمد الخامس عندما بايعه سلطانا للمغرب كونه أحد العلماء المجتهدين الذي يحق لهم البيعة وإعلانها .
وقد صدق علال وعده انه لم يتفاوض ولا المغاربة مع المحتل الفرنسي إلا بعد عودة السلطان محمد الخامس ، بعدها أسهم علال الفاسي بدور بارز في فكرة التأسيس لمؤتمر باندونغ لحركة عدم الانحياز وأنعقاده في 24 / 4 / 1955 وبتنسيق مع الدكتور محمد فاضل الجمالي وزير خارجية العراق والحكومة المصرية وتمكن من عرض قضية شعبه وكشف وتعرية سياسة الاحتلال الفرنسي في المغرب والمطالبة بالاستقلال ، وكان لهذا النشاط الوطني تأثير في المؤتمر وأوساط الرأي العام الدولي لصالح قضية المغرب .
بعد أن تصاعد نضال المقاومة الوطنية المسلحة المغاربية والمغربية بشكل خاص التي اسهم علال بدور كبير في القيادة وفي توفير وتعزيز إمكانيات الدعم المالي والعسكري لها بكل الوسائل في اطار إجهاض مشاريع إلاحتلال وتحقيق الحرية والاستقلال ، أصبح الموقف
-6-
الفرنسي المغربي مأزوما ، وبعد ان اتضح لفرنسا ان السلطان محمد الخامس اصبح معادلة قوية وصاحب الحل والعقد في الازمة المغربية الفرنسية ، وادركت كل الادراك الابعاد القوية لما يشكله تهديد المقاومة الوطنية المغربية المسلحة القوي على مستقبل الوجود الفرنسي بكل اشكاله ، بادرت الحكومة الفرنسية الى فتح حوار مع السلطان محمد الخامس في منفاه ، كما بادرت الى اجراء مباحثات مع كل الاطراف الممثلة للرأي العام المغربي في مدينة (ايكس ليبان) من 22 – 28 / 8 / 1955 ، شارك في هذه المباحثات (37) شخصية من مغاربة وفرنسيين ذات الصلة بالازمة المغربية الفرنسية ، مثل الجانب الوطني في هذه المباحثات ممثلين عن حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال وشخصيات مستقلة . وقد حرصت السلطات الحكومية الفرنسية على عدم الدعوة
لهذه المباحثات زعماء الاحزاب الوطنية البارزين : علال الفاسي ، محمد حسن الوزاني ، احمد بلا فريج ، كما حرصت على عدم دعوة ممثلي حركة المقاومة المسلحة (بأعتبارهم ارهابيين ومتتطرفين وقادة يتلقون الدعم من جهات خارجية معادية لفرنسا وللعالم الحر) .
تمخضت هذه المباحثات عن خطة طريق تمثلت بالاتي :
– تنحية السلطان بن عرفة عن العرش .
– تأليف مجلس وصاية على العرش لسد الفراغ .
– ابلاغ السلطان محمد الخامس بمضمون هذه الخطة لمباركتها والاعلان رسميا عن هذه المباركة .
– عودة السلطان محمد الخامس الى فرنسا مع التزامه بعدم ممارسة اي نشاط سياسي .
وقد تابع علال الفاسي من القاهرة مباحثات ايكس ليبان التي يجريها ويشارك فيها ممثلين عن حزب الاستقلال ، على الرغم من عدم مشاورته بالامر او الاخذ برأيه ، تحكمت في موقف علال الفاسي من هذه المباحثات عدة اعتبارات سياسية حاول التوفيق بينها ، لكنه ادلى بتصريح يعارض فيه هذه المباحثات ، الا ان قيادة حزب الاستقلال في الميدان سرعان ما اوفدت الى القاهرة اعضاء من اللجنة التنفيذية للحزب برئاسة محمد اليزيدي لاقناع علال بالكف عن مثل هذه التصريحات تقديرا لضرورات الموقف السياسي وما الت اليه المباحثات من نتائج تصب بالاتجاه الذي اعلن عنه (علال الفاسي) ان لا مفاوضة مع المحتل الا بعد عودة السلطان واعلان الاستقلال ، وهذا الذي حصل انسجاما مع موقفك الوطني في نداء القاهرة . بعدها استجاب علال لضغوط وتبريرات قيادة حزب الاستقلال – ومع ذلك لازالت مباحثات إيكس ليبان مثار نقاش ووجهات نظر بأنتظار ما تسفر عنه الوثائق مستقبلا -.
توجت نتائج مفاوضات إيكس ليبان وما اعقبها من مشاورات بعودة الملك محمد الخامس للمغرب في 18 / 11 / 1955 ، وأستقبل أستقبال الابطال المنتصرين وعمت الاحتفالات مدن
-7-
المغرب لايام عدة ، بعدها دخل المغرب مفاوضات مع فرنسا من أجل أعلان الاستقلال ، وتم التوقيع على وثيقة إعلان الاستقلال في 3 / 3 / 1956 ، الذي أصبح اليوم الوطني للمملكة ، ومن ثم مع أسبانيا في 2 ومن ثم عودة علال الفاسي قائدا سياسيا الى المغرب للمشاركة في بناء المغرب وتعزيز استقلاله ، إذ استأنف نشاطه السياسي كرئيس لحزب الاستقلال ، وأختير عضوآ رئيسيا في مجلس كتابة الدستور ، ثم انتخب رئيسا له ، وقدم مشروع القانون الاساسي للمملكة ، وشارك في وضع الاسس الاولى لدستور المملكة المغربية لسنة 1962 .ويؤمن بالديمقراطية والتعددية الحزبية والمشاركة الحزبية واشترك في الانتخابات التشريعية سنة 1963 وأنتخب عضوا في مجلس النواب ، وكانت له أسهامت بارزة في التشريعات ، وانتخب عضوا في مجمعي اللغة العربية بدمشق والقاهرة ، وعين وزيرا للدولة مكلفا بالشؤون الاسلامية ، ثم انسحب من الحكومة مع رفاقه في حزب الاستقلال عام 1963، أحتجاجا على السياسة الاقتصادية المتبعة آنذاك ، وعين استاذا بكلية الشريعة التابعة لجامعة القرويين ، واستاذا في كليتي الحقوق والاداب بجامعة محمد الخامس في مدينة الرباط وكذلك استاذا في دار الحديث الحسنية بمدينة الرباط ايضا.
وواصل علال الفاسي قيادة حزب الاستقلال وشارك في اغلب النشاطات الوطنية في المغرب ، وانتقل حزب الاستقلال بقيادته الى ممارسة دوره كحزب معارض من داخل
البرلمان ، وكانت للحزب وعلال مواقف وطنية مشهودة اسهمت في تعزيز البناء الوطني للمغرب في مجالات عدة ابرزها مشروع التعليم / التعريب من اللغة الفرنسية للغة العربية وعدها اللغة الرسمية الام للشعب المغربي . وبذلك اصبح علال الفاسي شخصية عربية ومغاربية ودولية معروفة لايمكن حصر ابعادها في هذا المقال ، كان خاتمتها زيارته ووفد مرافق له رومانيا بدعوة من ” جبهة الوحدة الاشتراكية ” ولقائه الرئيس الروماني نيكولاي تشاوسيسكو (1967 – 1989) وهو يحاوره في قضية وطنية هي قضية الصحراء والقضية الفسطينية والعلاقات العربية الرومانية ، واثناء الحوار يصاب علال الفاسي بنوبة قلبية مفاجئ وهو في مكتب الرئيس في 13 / 5 / 1974، وينقل على أثرها الى المستشفى وتفارق روحه الطاهرة الحياة ، ونقل جثمانه بعد ظهر يوم 14 من الشهر نفسه على متن طائرة رومانية الى ارض الوطن ، ونقل النعش بحضور حشد جماهيري كبير الى منزل علال الفاسي في حي السويسي بالرباط ، وقد حضر الملك الحسن الثاني بنفسه الى المنزل في يوم 15 / 5 / 1974 لمواساة عائلته ولف النعش بقطعة قماش من كسوة الكعبة . وبعد ذلك أرسل الملك ولي عهده والامير مولاي عبدالله لتمثيله في حضور الطقوس الدينية التي اقيمت في منزله ، ودفن الراحل علال بمقبرة الشهداء في مدينة الرباط ؛ وكانت وفاته شهادة ميلاد جديدة .
وإذ يحتفل شعبنا في المغرب بالذكرى 43 لوفاته (رحمه الله) ، فإن استذكار العظيم واجب يفرضه الوفاء للبطولة والاخلاق ،إذ يهيئ الله للحق شخصيات وأنصارا ، إذا ذكرت ذكروا ، فإذا ذكر سقراط ذكر أفلاطون ، وإذا ذكر غاندي ذكرت الهند ، إذا ذكر علال ذكر المــــــــــغرب .
-8-
لقد فرض علال نفسه على التاريخ المغربي والعربي والاسلامي المعاصر بأستحقاق وكان احد صناعه ، إذ غدا نضاله الوطني ونتاجه المعرفي في مختلف المجالات ارثآ وطنيا وعربيا واسلاميا وانسانيا فكرا وسلوكا ، فهو شخصية وطنية ودولية أستثنائية بحق بشهادة الجميع .
{ القيت المحاضرة في مجلس الشعر باف البغدادي الثقافي
























