الباحث أحمد الكاتب لـ الزمان
التكفير أسوأ الاختلاف ومرض الخلط يفسد الاجتهاد
عدنان أبو زيد
لا يعتقد الكاتب والمفكر العراقي احمد الكاتب بوجود عمليات تشويه غربية كبيرة للإسلام والمسلمين، بقدر ما توجد عمليات تشويه بشعة يقوم بها المسلمون انفسهم أو بالأحرى بعض الجماعات المتطرفة والمتعصبة والجاهلة التي تمارس العنف والقتل والتفجير في المساجد والأسواق والجامعات والشوارع. ويرى الكاتب في حوار مع الزمان ان الربيع العربي كان منتظرا ومتوقعا منذ زمن طويل، لأن الأنظمة المستبدة كانت تقبع في ابراجها وتمارس القهر والطغيان، وتهميش الجماهير، فكان من المتوقع ان تهب هذه الجماهير في يوم من الايام . وينبه الكاتب الى ان الاختلاف بين السنة والشيعة اليوم هو اختلاف قديم وبائد وقشري، واما في الجوهر فلا يوجد اي اختلاف، فقد كان الاختلاف حول شكل النظام السياسي في الاسلام وكيفية انتخاب الرئيس، وان يكون في هذه السلالة او تلك، ومنتخبا من الله ام من الشعب، أما وقد اتفق السنة والشيعة النظام الديمقراطي فقد زال جوهر الاختلاف القديم بينهما، وعليهما العمل والانصهار في بوتقة وطنية واحدة.
الحوار بين الاديان والمذاهب .. كيف ترسم خطوط الحوار ؟
الحوار بين الأديان يختلف عن الحوار بين المذاهب في داخل كل دين وخصوصا داخل الدين الاسلامي، وذلك لان الخلاف بين الأديان يدور حول تعريف الاله والنبوة والمعاد، وأما في الخلاف بين الطوائف الاسلامية فمعظمه يدور حول السياسة والفكر السياسي او كما يقولون حول الامامة، وفي المصطلح الحديث هو خلاف حول الدستور اي حول نظام الحكم وشروط الحاكم وطرق تولية الحاكم وعلاقة الحاكم بالأمة وما الى ذلك، وقد انقسم المسلمون بصورة رئيسية الى من يقول بأن السلطة من حق الأمة وهي تختار الامام عبر الشورى، ومن قال بأن السلطة من حق عائلة أو سلالة معينة او قبيلة معينة، هي قريش أو الهاشميون او العلويون او الحسنيون أو الحسينيون ، وأما الخلافات الفقهية فهي بسيطة وقليلة وليست ذات شأن، واذا استطعنا ان نفهم طبيعة الخلاف السياسي بين المذاهب وادراك العناصر الجوهرية فيه وتمييزها عن العناصر القشرية والزائلة والمنقرضة، نستطيع ان نحل عقدة كبيرة من هذا الخلاف التاريخي الموروث مما يؤهلنا للتقدم على طريق الحل وتذويب العقد النفسية المتبقية، والتعاون من اجل بناء نظام سياسي جديد، وفي نظري ان المسلمين قطعوا شوطا كبيرا في تجاوز الخلاف الطائفي باتفاقهم على اقامة انظمة ديمقراطية توفر الحرية والعدالة والمساواة للجميع، على المستوى النظري على الأقل، ولم يبق امامهم سوى تطبيق ذلك النظام بصورة جيدة ومثالية من اجل تجاوز الماضي، واذا لاحظنا ان الخلافات الطائفية تتأجج في البلاد التي تخضع للأنظمة الدكتاتورية او التي ترفع شعار الديمقراطية ولكنها تمارس الظلم والاستبداد التمييز بين المواطنين ، واذا ما توفرت ارضية جيدة لتطبيق النظام الديمقراطي بصورة سليمة فلا حاجة كبيرة لدينا للتفكير والاهتمام بحل القضايا الطائفية لأنها ستصبح من الماضي وليس من مشاكل الحاضر.
كيف تبدو لك ملامح الربيع العربي وهل تجد فيه القدرة على تحقيق امال الجماهير ؟
الربيع العربي كان منتظرا ومتوقعا منذ زمن طويل، لأن الأنظمة المستبدة كانت تقبع في ابراجها وتمارس القهر والطغيان، وتهميش الجماهير، فكان من المتوقع ان تهب هذه الجماهير في يوم من الايام، وهذا ما حدث، ولكن عملية بناء الانظمة البديلة لا يمكن ان تتم بين ليلة وضحاها، كما لا تتخلص بسهولة من ثقافة الانظمة المستبدة وفلولها ورجالها الذين يعملون للتشبث بالانظمة الفاسدة واعادة انتاجها من جديد بثوب جديد، وهذا يعني ان الثورة عملية مستمرة ومعقدة وطويلة، ولا بد ان نتفاءل ما دامت الجماهير واعية وحاضرة ومنخرطة في احزاب سياسية معبرة، ومحافظة على السلم الاجتماعي .
ما لدور المنتطر للمدارس المذهبية وقدرتها على البناء على التوافق لا الاختلاف ؟
الاختلاف من طبيعة البشر وضرورة من ضرورات البناء الحضاري، ولا يمكن الجمود على رأي واحد أو فكر واحد، وهناك اختلافات اجتهادية مستمرة في كل طائفة وكل مذهب، كما ان هناك قضايا تنتظر الاجتهاد والدراسة من قبل جميع المذاهبولكن السئ في الاختلافات هو التطرف في التكفير و التفسيق ل، لآخرين والاعتقاد باحتكار الحق المطلق.
البعض يرى ان صراعا طائفيا سيكون بديلا للصراع العربي الاسرائيلي ؟
هذا مخطط اسرائيلي للتغطية على الصراع العربي الاسرائيلي، وصرف انظار العرب عن المعركة الرئيسية مع عدوهم المشترك، وذلك باثارة معارك جانبية وهمية ضد اعداء داخليين وهميين، وربما يتم احيانا اضفاء طابع طائفي على صراعات سياسية محتدمة كالصراع في سوريا بين النظام وقوى الثورة، في حين انه في حقيقته صراع سياسي ولا علاقة له بالاختلاف الطائفي .
الى أي مدى ستنجح مساعي عصرنة الفكر الاسلامي ومفاهيمه التي يتباناها مفكرون وسياسيون ورجال دين ؟
هناك قضايا ثابتة في الدين الاسلامي كالعقيدة والعبادات والقيم والاخلاق، وهناك قضايا اخرى قابلة للاجتهاد واعادة النظر، وهذا أمر بديهي، ولكنه يعاني من الخلط في اذهان الناس بين الثوابت والمتغيرات او الأمور القابلة للاجتهاد والتغيير، مثل النظام السياسي، حيث يعتقد بعض المسلمين ان نظام الخلافة كما طبق في التاريخ في أيام الأمويين والعباسيين والعثمانيين والمماليك هو نظام من وحي الاسلام ولا بد من اعادته بنفس الصورة، بينما يعتقد البعض ان نظام الخلافة انبثق من وحي الثقافات القومية والقبلية ولا علاقة له بالاسلام وبالتالي فهو ليس ثابتا أو عصيا على التغيير، واننا بحاجة الى مزيد من التطوير والعصرنة للنظام السياسي الاسلامي ولكل ما هو قابل للاجتهاد والتحديث.
تطور وسائل الميديا اجج الخلافات المذهبية وأتاح للفتنة ان تستيقظ ؟
نعم ، مع الاسف الشديد، فقد كان الاعلام السابق يخضع لموازين وقوانين وقيم واخلاق ومحاسبة وبالتالي فقد كان يتحمل قسطا كبيرا من المسؤولية، واما بعد اتاحة التكنولوجيا الحديثة وسائل اعلامية شعبية كالانترنت والفيسبوك واليوتيوب، فقد اصبح المجال مفتوحا لكل من هب ودب، ان يتقنع ويغطي وجهه واسمه ويسب الآخرين ويشتمهم ويثير الفتنة ويزرع الحقد والعداوة والبغضاء بين الناس،ونأمل ان يتمتع الناس بمزيد من الوعي والمسئولية في التعبير عن انفسهم والدفاع عن حقوقهم واحترام الآخرين المختلفين عنهم.
يحكم اقامتك الطويلة في الغرب .. ماالنظرة السائدة حول العرب والمسلمين؟
نظرة الناس العاديين في الغرب تعتمد على سلوك العرب والمسلمين بالدرجة الاولى، ولا شك انها تتأثر بوسائل الاعلام الجماهيرية، كما تتأثر بالاوضاع الاقتصادية فاذا كانت الظروف الاقتصادية صعبة فان الضغط يتوجه نحو الاجانب، ولكن عموما يمكن القول ان المجتمعات الغربية تعيش حالات من الاختلاط العنصري والديني وتتمتع بثقافة متسامحة مع الآخر، وليس لديها مشكلة كبيرة مع العرب والمسلمين،، وأكاد اقول ان كثيرا من البلاد الغربية تحترم العرب والمسلمين وتوفر لهم الحرية والعمل والاحترام اكثر مما توفرها بلادهم لهم.
هل الخطاب الفكري الاسلامي مسموع في الغرب ؟
في حدود ضيقة، ويبدو ذلك من خلال نسبة التفاعل والتحول المتدنية في الغرب.
وهل تتمخض الاحداث الحالية عن الدولة الدينية الثيوقراطية بديلا للدولة للتعددية والديمقراطية؟
هناك اتجاهات متعددة في الثورات العربية الراهنة، فبعضها يتجه نحو الثيوقراطية والدولة الدينية، ولا سيما في الانظمة العلمانية، وبعضها يتجه نحو الديمقراطية والدولة المدنية ولا سيما في الدول التي تخضع لأنظمة تدعي الشرعية الدينية، ولا يمكن الحكم بشكل واحد على جميع البلاد العربية، كما ان بعض الاحزاب الاسلامية التي ترفع شعار الديمقراطية تنطوي على تيارات مضادة لها، تؤمن بالدولة الثيوفراطية أو الخلافة أو الاستبداد في الحكم باسم الاسلام، ولكن من الصعب تصور نجاح تلك الاحزاب او التيارات في فرض رؤيتها المتشددة للاسلام وبناء انظمة ثيوقراطية، بعد موجة الديمقراطية التي عمت العالم العربي والاسلامي، بل على العكس اعتقد ان الأنظمة التي ترفع شعار الاسلام سوف تضطر لتطوير نفسها ديمقراطيا واعطاء المزيد من الحريات والحقوق للمواطنين.
ما تقييمك لاحداث الربيع العربي ، فكريا وسياسيا واجتماعيا؟
اهم تطور فكري حدث في الربيع العربي هي عودة الثقة النفسية للجماهير بأنها قادرة على الثورة والتغيير واسقاط الأنظمة والحكام المستبدين، واما الثمار السياسية لتلك الثورة فانها تختلف من بلد الى آخر، ففي بعض البلاد تم اسقاط الحاكم واستبداله بحاكم آخر وبنظام آخر اكثر ديمقراطية، وفي بعض البلاد تم ازاحة الحاكم عن الصورة مع الابقاء على نظامه، وفي بعض البلاد تم التدهور من الثورة الشعبية السلمية الى الفتنة الطائفية والفوضى وانهدام الأمن والسلام في المجتمع. وفي بعض البلاد لا تزال الثورة الشعبية تنتظر تحقيق اهدافها ولا تزال تقدم المزيد من الشهداء والضحايا والدماء.
هل يمكن تجاوز الاشكالية الطائفية في العراق ؟
المشكلة الطائفية في العراق لا علاقة لها بالاختلاف الفكري الطائفي القديم بين السنة والشيعة، ويمكن اطلاق صفة القومية أو القبلية على الطائفتين السنية والشيعية في العراق، اي عندما نتحدث عن سنة وشيعة فنحن نتحدث عن قبائل وقوميات طائفية لا عن مذاهب، وقد تراكم الاختلاف بين الطائفتين في العقود الاخيرة برغم الحداثة والعلمانية التي عاشها العراق خلال القرن الماضي، وذلك بسبب احتكار السلطة من قبل انظمة قبلية ديكتاتورية تنتمي الى الطائفة السنية، مما ولد معارضة تنتمي في غالبيتها للطائفة الشيعية التي قدمت اعدادا هائلة من الضحايا خصوصا خلال انتفاضة التي انتهت بمجازر لا يحصى عددها، وقد أثار الظلم والاضطهاد والعنف مشاعر شعبية مضادة للنظام الحاكم وقبيلته السنية، وعندما سقط النظام عام بدا لأنصار النظام وقبيلته ان القبيلة الشيعية قد استولت على السلطة وحرمتها من امتيازاتها السابقة، خصوصا بعد حل الجيش العراقي الذي كان يتكون في غالبيته من القبيلة السنية، طبعا نتحدث عن الضباط اكثر مما نتحدث عن الجنود، وعندما اسس الاحتلال الأميركي النظام الديمقراطي وأتاح لمختلف فصائل الشعب المشاركة في العملية السياسية، بدا لكثير من انصار النظام أيضا ان القبيلة الشيعة التي تشكل اكثرية الشعب العراقي قد سيطرت بالكامل على السلطة في العراق بالرغم من اعتماد نظام المحاصصة الطائفية والقومية وعدم اتباع نظام الأغلبية الديموقراطي، وتدخلت هنا بعض الجماعات التكفيرية المتطرفة التي رفعت شعارات اقامة الدولة الاسلامية واعلان الحرب على الشيعة مما ادى الى نشوب الحرب الأهلية بين الطائفتين او القبيلتين السنية والشيعية، وفي نظر على كلا الطائفتين التخلي عن عناوينهما التاريخية القديمة والاكتفاء برابط الاسلام والوطنية العراقية والاتفاق على نظام سياسي واحد عادل هو النظام الديمقراطي الذي يساوي بين الجميع ويتيح الفرصة للجميع ، ونسيان الأحقاد التاريخية والمخاوف الواهية من عودة نظام الاستبداد او حزب البعث، والتعاون فيما بينهما لبناء العراق من جديد ،
ان الاختلاف بين السنة والشيعة اليوم هو اختلاف قديم وبائد وقشري، واما في الجوهر فلا يوجد اي اختلاف، فقد كان الاختلاف حول شكل النظام السياسي في الاسلام وكيفية انتخاب الرئيس، وان يكون في هذه السلالة او تلك، ومنتخبا من الله ام من الشعب، أما وقد اتفق السنة والشيعة النظام الديمقراطي فقد زال جوهر الاختلاف القديم بينهما، وعليهما العمل والانصهار في بوتقة وطنية واحدة.
وربما يبدو للبعض ان هناك في العالم العربي والاسلامي حركة نهوض شيعية في ايران والعراق ولبنان، تستدعي التخطيط والعمل لاطلاق حركة نهوض سنية في مواجهة الشيعة، او ما يسمى بالهلال الشيعي، وهذا ما يدفع البعض لشن حملة سياسية وفكرية وعسكرية لمحاربة الشيعة، وهذا خطأ كبير لأن المستفيد الوحيد منه هو العدو الخارجي، وربما تحمل هذه المواجهة الطائفية في العالم الاسلامي بعض المبررات في الأنظمة الاستبدادية التي تحتكر السلطة فيها قبيلة واحدة او طائفة واحدة، وتحارب بقية القبائل والطوائف، ولكن لا يوجد اي مبرر لهذا الصراع في الانظمة الديمقراطية، وخاصة في العراق، ومن الخطأ اللجوء الى القوة لفرض معادلات طائفية غير ديمقراطية، اي اعتماد النسب الطائفية بدل اعتماد الصوت الواحد لكل مواطن بغض النظر عن حجم اية طائفة ، لأنه يخل بالعدالة والتوازن ويكرس الروح الطائفية الرجعية.
لكن كيف يمكن تقويم التشويه الذي ينسبه البعض للغرب في نظرته الى العرب وللمسلمين ؟
لا اعتقد بوجود عمليات تشويه غربية كبيرة للاسلام والمسلمين، بقدر ما توجد عمليات تشويه بشعة يقوم بها المسلمون انفسهم أو بالأحرى بعض الجماعات المتطرفة والمتعصبة والجاهلة التي تمارس العنف والقتل والتفجير في المساجد والاسواق والجامعات والشوارع، او تطرح بعض الافكار والفتاوى المضحكة والمتخلفة باسم الاسلام، وارى ان الغرب مهموم بمعالجة مشاكله الاقتصادية وتحقيق طموحاته العلمية والاقتصادية كثر من الاهتمام بتشويه صورة المسلمين، فلماذا نلقي باللوم عليه؟ ولماذا لا نحاول بناء مجتمعاتنا بناء سليما؟
AZP09
























