توازن للرعب في الشرق الأوسط ـ كافيه أفراسيابي » ترجمة سناء عبدالله
ظهرت خلال الحرب بين اسرائيل والفلسطينيين التي استغرقت حتى الآن سبعة أيام ، مؤشرات، وان كانت بطيئة لكنها مؤكدة، تعكس تبلور حالة جديدة من توازن الرعب بعد أن تمكنت حركة حماس من تطوير قدراتها الهجومية ضد اسرائيل بصواريخ فجر ــ 5 طويلة المدى المصنوعة في ايران.
ومقارنة مع الحرب الأخيرة سنة 2009، عندما اعتمدت حركة حماس على قذائف صاروخية أقل مدىً وصواريخ أقل دقة هزت اسرائيل قبل دخول وقف اطلاق النار حيز التنفيذ، فأننا نشهد اليوم قوة صاروخية تابعة لحماس تعمل على نحو أكثر انضباطا وأكثر تنظيما، ويقال إنها تضم نحو 15 ألف عسكري يعملون من خلال شبكة من الانفاق تحت الارض.
ولم يكن من قبيل المفاجأة أن تفرض حماس شروطها على الرغم من الهجمات المميتة للقصف الجوي الاسرائيلي التي تسببت بمقتل وجرح المئات من المدنيين في قطاع غزة الذي يعرف عنه اكتظاظه بالمدنيين، والذي كان قد وصفه البروفسور نعوم تشومسكي خلال زيارته الأخيرة الى القطاع بأنه أكبر سجن مفتوح في العالم. ويعيش السكان في ذلك القطاع تحت ظروف مروعة وغير ملائمة للعيش والتي ترجع بشكل مباشر الى العقوبات الجماعية التي فرضتها اسرائيل على الشعب في القطاع الذي تحكمه حماس، حيث تريد الحركة حاليا رفع الحصار الذي تفرضه اسرائيل على القطاع كشرط للهدنة.
ولا يوجد في مطلب حماس أمر غير منطقي، كما لا يوجد فيه ما يتجاوز الحدود بل إن مطلبها يلقى دعما من المجتمع الدولي، الذي كان قد عبر عن الأسى للمعاناة التي يتعرض لها المدنيون في قطاع غزة. ويذكر أن اسرائيل كانت على الدوام معارضة لأي مطلب من جانب حركة حماس، ولذلك، فمن المرجح اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن يبعث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بدباباته الى غزة للقضاء على ترسانة الصواريخ التابعة لحركة حماس. وفي مثل هذه الحالة، فإن الحرب ستشهد المزيد من الفوضى وستكون نتائجها أكثر تعقيدا، كما حدث تماما في العملية العسكرية التي استغرقت خمسة عشر يوما سنة 2009، التي انتهت بعيدا عن تحقق هدفها بـ بتدمير البنى التحتية لحركة حماس .
واذا كانت الحنكة العسكرية لقوات حماس قد فاجأت الاسرائيليين، فان تطوير قدرات صواريخها تعد مفاجأة أكبر تحمل في طياتها تداعيات لا تخدم اسرائيل قدر تعلق الأمر بموازين القوى في المنطقة. وعلى الرغم من وجود القبة الحديدية المصممة لاعتراض الصواريخ، والتي تشير التقارير الى أنها تمكنت من اعتراض نحو 60 في المائة من الصواريخ الفلسطينية ، تبدو اسرائيل اليوم ضعيفة على نحو غير مسبوق، وعلى نحو بعيد جدا عن صورة اسرائيل التي لا تقهر التي يدعي السياسيون الاسرائيليون بها.
ويبدو الهدف الاسرائيلي من العملية العسكرية المتمثل في تقسيم قطاع غزة الضيق هدفا متواضعاً، وربما تسعى اسرائيل الى عزل غزة وقطع صلتها بمصر الى أقصى ما يمكن حيث كان من الواضح تماما الجهة التي تعبر من خلالها أجزاء الصواريخ الى غزة. غير أن هذه العملية تكتسب هدفا كبيرا يكمن في البدء في حرب استنزاف.
والحقيقة هي أن اسرائيل لا تستطيع السيطرة كلياً على سمائها وحمايته من صواريخ حماس التي تهدد اليوم أجزاءً هامة من الأراضي الاسرائيلية، في وقت تفتقر فيه الى امكانية شن حرب شاملة ومكلفة لاحتلال قطاع غزة ثانية. بيدّ أن هذا الأمر لا يعد تطورا سلبيا بالضرورة باتجاه السلام، بما أن الهيمنة الكاملة للدولة الاسرائيلية في السابق شكلت اغراءً للابقاء على الوضع الراهن دون تغيير مما لم يشجع اسرائيل على المضي جديا نحو سلام شامل في المنطقة.
يوجد لدينا حاليا توازن رعب جديد. ولا تزال كفة هذا التوازن تميل الى حد كبير لصالح اسرائيل، لكن، في ضوء كشف هذا التوازن عن نقاط الضعف الجيوستراتيجية المشار اليها أعلاه، فان المعادلة الجديدة تحتوي على عناصر ايجابية جديدة أكثر وضوحا للسعي لتحقيق السلام. وقد يكون القادة الاسرائيليون غير مستعدين للقبول بالواقع الجديد المرير، غير أن بوسع مستشاريهم العسكريين القاء مزيد من الضوء لهم لتوضيح الحقائق الجديدة على الأرض، أي تغير أصول اللعبة الكامن في قدرة حركة حماس على توجيه ضربات الى العمق الاسرائيلي، وهي امكانية من المؤكد أن تتطور في السنوات المقبلة.
ومع ذلك، هناك حاليا فجوة كبيرة بين تفكير القادة السياسيين والعسكريين في اسرائيل، الا أن هذه الهوة آخذة بالتقلص، ان كان على مضض أو عكس ذلك، حيث من الممكن أن يدفعون ببلادهم الى أحضان حرب أخرى قد تكون مصدر استنزاف كبير للاقتصاد اذ، من الممكن على سبيل المثال، أن تقوض قطاع السياحة الاسرائيلي .
ويكمن السؤال الكبير في الوقت الحاضر في معرفة ما هي جوانب خسارة أو ربح اسرائيل في تلبية مطلب حماس في رفع الحصار عنها؟ ان الجواب يتحدد جزئيا من خلال وضع هذا المطلب في اطار زمني محدد. فعلى المدى الطويل، وجود غزة أكثر ازدهارا، وأقل تحريضا بسبب فقرها المدقع، وسوء التغذية، ونقص المياه وغيرها من المواد، قد يجعل من غزة أكثر استعدادا للحفاظ على السلام بغية تأمين المكاسب التي حققتها، مقارنة بغزة فقيرة وجائعة ومحشورة في زاوية ضيقة. ولكن العديد من القادة الاسرائيليين، ولسوء الحظ، لا يمكن لهم أن يفهموا بعمق الترابط القائم وتداعياته السياسية بل يحاولون اقناع أنفسهم بأنهم سيحققون مزيدا من الأمان من خلال الاعتماد على القوة الغاشمة لاخضاع خصومهم الفلسطينيين. بيد أن شكوكا جوهرية تكتنف استراتيجة الاخضاع الاسرائيلي هذه، ولا سيما اليوم، أكثر من أي وقت مضى، وذلك في ضوء توازن الرعب الجديد حيث باتت الاستراتيجية القديمة أمرا من نتاج الماضي.
ربما ما تحتاج اليه اسرائيل أكثر من شيء آخر هو قيادة مستنيرة لمرحلة ما بعد الصهيونية لا تكون أسيرة مفاهيم غامضة مرتبطة بالتوسع الايديولوجي للقرن التاسع عاشر لتكون أكثر انسجاما مع متطلبات البقاء على الحياة التي تفرضها سياقات العيش في عصر العولمة والقوى الاقليمية المتعددة. ان ذلك من شأنه أن ينعكس في امتلاك مشاعر أقل غطرسة وغرورا لفكرة التفوق العسكري، واعتراف بالضعف، الذي بدوره يستطيع، خلق قوة الدفع الغائبة حتى الان للفهم والتعاطف مع معاناة الفلسطيني الآخر الذي ما برح حتى الان مرشحا للقمع.
صحيفة آسيا تايمس
AZP07
























