الشاعرة الفلسطينية إيمان زيّاد: شامة بيضاء.. تكثيف للمعنى الحداثويّ

الشاعرة الفلسطينية إيمان زيّاد: شامة بيضاء.. تكثيف للمعنى الحداثويّ

حامد عبدالحسين حميدي

لا يخفى علينا أن الدلالة اللونية لها تأثير حسيّ ونفسيّ ، يوقظ فينا كتلة من التأثيرات الايجابية أو السلبية وبطبيعة الحال سيكون لهذا اللون أو ذاك وقعاً متنامياً شيئاً فشيئاً ، ولقد ذكر (مارتن لانج martin lang ) في كتابه (تحليل الشخصية عن طريق اللون ) : ( أن البحث سيكولوجية اللون مجال جديد يمكن الإضافة إليه كلما تقدمت بحوث علم النفس حيث الأثر السيكولوجي للون يرتبط بالمعرفة الدقيقة لنفسية الإنسان.)

وأكثر ما يؤثر فينا لونياً ، هما اللونان الضدان ( الأبيض والأسود )، وهما يمثلان حركة لونية كونية لما بين ( النهار والليل ) ، وما يحملانه من مدلولات إيحائية أخرى ، من هنا تقع بين أيدينا مجموعة شعرية معنونة ( شامة بيضاء ) للشاعرة الفلسطينية ( إيمان زيّاد ) ، الصادرة عن ( دار دجلة ) للنشر والتوزيع في الأردن الطبعة الثانية 2015 وتضمّ 129 نصّاً نثرياً ما بين القصير والقصير جداً ، ينمّ عن النفس القصير الذي مالت إليه الشاعرة رغبة منها في : ضغط المفردة والتركيب في تكثيف المعنى الدلالي الذي له تأثير أقوى وأشمل لإيصاله إلى القارئ بطريقة فنية حداثوية مواكبة للعصرنة ، إضافة إلى ابتعادها عن عنونة القصائد كي تحرّر مقطوعاتها النثرية من الرتابة المعهودة ، وما تضفيه للقارئ – أحيانا ً- من الملل ، أو لكون قصر قصائدها لا يحتاج منها أن تضع العنونة لها .

شامتي العذبة ، نهاري اللؤلوي

وبها أبدأ

مطلعي ( ص 9 )

الشامة / بوصفها اللوني سوداء ، لكن ما الذي دفع الشاعرة إلى إعطائها صبغة اللون ألضدي لها ، تحاول الشاعرة إيمان زيّاد أن تبين لنا دلالة ما بين اللونين السواد والبياض وقفة وتجليات .. رؤيوية تغصّ بالمتناقضات النفسية والروحية ، البياض النقاء والصفاء والطهر . وهي علامة دالة كنقطة ضوء واضحة ، إحساس داخلي تخيلي يوحى للناظر بجمال ما في باطن صاحبه من الصفاء والنقاء والطهر ، السواد / رهبة وشؤم وواقع مريض وظلمة انحسار أفكار وموتها ، وإيحاء لمستقبل مجهول الهوية ، لذا / عمدت الشاعرة إلى عكس الصورة الحسية لها في إظهار ما خفي لديها باللون الأبيض الذي استخدمته إيذاناً منها لانعكاسات داخلية تنسجم والعمق الباطني لها إنها شامتها البيضاء ذات الإطلالة الإيحائية لما وراء النفس ومكبوتها ، إنها شامة بيضاء / نقطة تحفز القارئ على الولوج في سبر أغوار المجموعة الشعرية ، رغبة منه في التعرف / التقصيّ عن كثب ، على مدى تناقض العنونة عله يجد ضالته في متن قصائدها النثرية .

لا احتمل

جوع عينيك لبلاد

حنّت لتوق الثائرين

عُضّ قلبي

لأنزف غيماً مثقلا بالرغبات ( ص 13 )

الجوع / بوصفه شيئاً حسياً نعاني منه كلما شعرنا برغبة إليه اجتاحتنا رغبة جامحة لنزف الألفاظ ، لكن حينما يتحول ذلك الحس إلى مداعبات روحية تطارح الهم المكبوت في دواخلنا تفجرت الطاقات للقاء يحتضن ذلك ألتوق المتأجج ، لتلك الغيمات التي أثقلتها الرغبات الدفينة في أعماقنا ، الشاعرة تورق وطناً ، تجذب بما تمتلكه من شفافية المفردة والتركيب إلى زجّ مشاعرها في شعور هادئ ينمّ عن الانسيابية فلا غلواء لديها إلا غلواء الحنين لذلك الهدوء العاطفي الذي تشدُّ فيه ما تمسّده من الصورة الباطنية التي تحاول أن تسوقها إلينا .

حجر أمي

وطن شهيّ

لو انه يتسع

لبراءة يتيمة

.. تنزف رغبة الطمأنينة

تنزف خوفها

على إشارة المرور

اليقظة . ( ص 15 )

تسوق إلينا الشاعرة ( إيمان زيّاد ) جملة من مخلفات الكبت اليومي الذي يتنامى في عينيها ، متجليا بصور شتى ، هذا الإحساس العاطفي المتجذّر بين خبايا المعاناة الحقيقية لضياع الإنسان من أصوله ويتمه بعد أن فقد كل ما يملكه ، فما بين ( الأمّ / الوطن ) علاقة جدلية تحيلنا إلى مديات اتساقية لا يمكننا أن نغفل عنها ، لأنها بواطن لعالم يمتد بالنّماء الغضّ الذي يكبر فينا حالماً ، يوماً بعد يوم ، متى تكتمل لدينا ( اليقظة ) التي تنزف برغبات غير مستقرة / صخبها الهادئ يوقظ فينا إشارات غامضة تلوح بأفق الشاردين في غيابات الجبّ ، إنها رحلة للهروب من الواقع والغوص في إيقاظ المخفي الذي سيولد مع الزمن . لكن عندما نقرأ للشاعر الفلسطيني ( محمود درويش ) وهو يخاطب في قصيدته ( إلى أمي ) :

أحنّ إلى خبز أمي

وقهوة أمي

ولمسة أمي

وتكبر في الطفولة

يوماً على صدر يوم

واعشق عمري لاني

إذا متّ

اخجل من دمع أمي .

يقظة تختلف عما قرأناه للشاعرة ( إيمان زياد ) ، انه الشعور الفطري والعلائق المرتبطة ذهنياً وباطنياً ما بين حوارية الذات والتشبث العاطفي للوطن الأصلي ، ( الأمّ ) هي كل شيء ( خبز / قهوة / لمسة / حياة وموت / خجل وعشق ) إنها صورة ارتباطية علائقية وثيقة ، فيها من الإحساس الإنساني ما يجعلنا نتفاعل مع قائله شعورياً أو لا شعورياً ، لأنها تدّق فينا خطاباً مرسلاً تلقائياً ، وكأننا نشعر بأنفاسه تتردّد مع أنفاس أمه صعوداً وهبوطاً ، وذا بحدّ ذاته / انعكاساً توافقياً يحيلنا إلى تمكن الشاعر في استخدام اللغة الشعرية المؤثرة في القارئ .

اسألوا الذي ضيعني

كيف أصوغ ضلوع الرمل

وازرعها

في صدر المساء

إلى أن يحين انبلاج أنثاه

من ضلعه

وأوشوش رغبة العناق

للصدف

يدغدغ أصابع قدمي

ويعبر فوق قهقهتي

بإسرار الهواة ! ( ص 23 )

ما زال الشعور الأنثوي يطغى على اللون النثري الذي تعتمده الشاعرة في توصيف ما بداخلها كمّاً وصفياً يحاكي مخيلتها التي أتعبتها أتون الحياة وجماحها ، فهي أنثى تنسلخ / تنحدر من أصولها الممتدة في عروق الآدمية ، لم تبتعد الشاعرة عن التقريرية التي تسوقها إلينا في التشويق الدلالي الذي تحاول من خلاله أن تضع التدرج الفعلي ( اسألوا / ضيعني / أصوغ / ازرعها / أن يحين / أوشوش / يدغدغ / يعبر ) إلا أن يكون تقسيماً لماهية النفس التي يجتاحها هوس الانسلاخ من الأنا التي نعاني منها ، وهي التي تشدّنا بظلاميتها إلى التخيل ألقسري ، في سحب القارئ إلى بواطن الخطاب الذاتي المستقر .

ردّوا إلى قلبي

السلام ..

الكحل والعتم ،

أفيون يخمد روحي

أشعلوني بالوحي المضيء

احتاج إلى دثار وسكينة. (ص 25)

ما بينها وبين واقعها ، صور عدّة تمتد بإنبجاسات التكوين الذاتي ، فهي تعيش حالات شتى بين رغبات متناقضة ( ردّوا .. السلام / أفيون يخمد الروح / أشعلوني بالوحي المضيء ) وكونها تنخرط ضمن دوامات حياتية متقلبة لا هروب منها ، ولا انسلاخ إلا بقبول الصورة التي يمكن إحالتها بعد تمحص ٍ وتدبرٍ ، فهي بحاجة إلى السكينة/ الهدوء ، والثورة / التمرد بنفس الوقت .. إخراج المكبوت بسلاسة ، ووضعه أمام القارئ ، أصبح لديها مدخلاً مقبولاً وغير ملوث بأزيز الحروب والعنف والمأساوية ، هي تحاول أن تسرد لنا بشاعة الأشياء التي تدور حولها في وطنها المسلوب غصباً ، بصورة مغايرة مثلما عهدناها عند شعراء القضية الفلسطينية الكبار .. وهم يعتمدون على زجّ مفردات وتراكيب المملوءة بالضجيج والصخب والثورة و المقاومة وعدم الرضوخ للعدو ، ومواجهته بالسلاح . نجدها تلك الإنسانة الهادئة بتكوينها وطبيعتها كونها / تمثل القطب الجاذب لما حولها ، فهي الراحة والبيت والحضن الدافئ والوطن الذي ننشده .

مذ رحلت

وأنا أجرّب

فضّ علاقتي

بمقبض الباب . ( ص 28 )

إنها صورة خطابية / تخيلية للآخر المجهول الذي تحاول الشاعرة أن تصوّره لنا الغائب/ الحاضر الذي لا يمكننا رؤيته إلا من خلال فضّ / قطع العلاقة التماسية ما بينها وبين مقبض الباب الذي يوحي إلينا بارتباطات نفسية قاهرة .. انه انتظار المجهول الذي غابت ملامحه في مناخات غير معروفة إما لأسباب خاصة أو عامة دون الولوج فيها والاقتصار على تبريرات مبهمة وتغليفها بما هو اعتم .

( إيمان زيّاد ) شاعرة فلسطينية ، تمتلك الأدوات الفنية الشعرية التي جعلتها ، تنزف من وجعها الممزوج بالتفاؤل ( شامة بيضاء ) ، وهي ترى فيها انعكاساً لتغيير الواقع المأساوي الذي يدور حولها من سوداوية إلى بياض ناصع وبريق أمل يشعّ من خلالها ، هي ترى العالم بعين ِأنثى ، تحلم وحلمها يولد في كبريائها / شموخها / تعاليها / رفضها / تفانيها الهادئ الذي يعجّ بتراكمات هي الأقدر على وصفه .