الموتى لا يروون الحكايات

الموتى لا يروون الحكايات

لي سو كيم

ترجمة :هدى الخفاجي

قالت لي والدتي ” لا تثقي برجل أبدا ، حتى يموت “. تساءلت لماذا تقول والدتي كلاماً كهذا على الرغم من أن زواجها كان سعيدا وكان والدي رجلا طيبا .كنت في السادسة عشرة ولم أكن على دراية بالعلاقات العاطفية . سكنت مع عائلتي في المنزل رقم عشرة في شارع هادئ ، وهو احد منازل ما قبل الحرب ، في منطقة منعزلة عن البلدة ، حيث عدد المنازل ثمانية عشر بيتا فقط ممتدة على  طول الطريق ، تسعة على كل جانب .  سكان منازل ” سيلون لاين ” لا يشكلون مجتمعا غريبا ، لأن الجميع  يعرفون بعضهم  جيدا.

تأتي (بوه لن جي) يوميا إلى بيتنا للعب الماهجونغ مع والدتي . كانت (بوه لن) امرأة صاخبة و متبجحة وطبعا لم تكن الجارة المفضلة لدي .. عندما تربح صديقات والدتي المال في لعبة الماهجونغ يتركن دولارا أو بعض القطع النقدية على الطاولة عند مغادرتهن كبقشيش لي ولأختي  لكن بوه لن لم تكلف نفسها عناء ذلك.

عندما  تشارك والدتي  صديقاتها في لعبة  الماهجونغ نبقى منشغلتين طوال اليوم بتقديم الشاي والقهوة ونهرع مسرعتين للمقهى المجاور لشراء الوجبات الخفيفة ونحاول إن نكون بنتين بارتين. لا عجب ان أضحينا نكره هذه اللعبة فقد أفسدت علينا أيام الآحاد ، كرهنا الضجيج وطقطقة قطع الماهجونغ  حين يقمن اللاعبات بخلطها و تدويرها وتتعالى الأصوات كلما سحبت احداهن ورقة مهمة فتعلق أصوات عبثهن وثرثرتهن في طاولة الماهجونغ طوال اليوم.كانت بوه لن الأكثر تسلطا بينهن اذ تعاملنا كأننا خدم رهن إشارتها ونسيت تماماً إن لنا إهتماماتنا ورغباتنا في أيام الآحاد .

تصرخ  بوجهي: ” هيلين .. احضري بعضاً من  الشاي الصيني بكوب صيني لائق وليس بأحد الأكواب الضخمة التي تستخدمها والدتك”. أو تطلب أن احك لها ظهرها ” أوه ..كما ترين إني العب الماهجونغ ولا استطيع إيقاف اللعب لكي احك ظهري ، فهذا لا يعجب اللاعبات الأخريات . لذا تعالي يا فتاة وحكّي هنا .. وهنا .. الى اليمين قليلا .. تحت كتفي .. بقوة أكثر …. أكثر قليلا ، آه لقد ارتحــت الان”.

” أيتها الوالدة ألا تطعمين ابنتك أبدا ؟”  وتأمر أختي ” آه , ديانا اذهبي لمنزلي و اخبري ابنتي أن تخرج السمكة من المجمدة ، ارغب بطبخ سمك بالكاري للعشاء “

لا ادري كيف صبرت أمي وصديقاتها في لعبة الماهجونغ على تصرفات بوه ، لم تكن صاخبة فحسب بل ومتفاخرة بطريقة لا تحتمل ، ربما صبرن على تصرفاتها من اجل  إكمال عدد اللاعبات فهذه لعبة لأربعة  وكانت هي اللاعبة الرابعة .

كانت بوه من الشخصيات التي لا تتكلم إلا بتبجح واحتقار للآخرين ، تتفاخر بمهاراتها في إدارة شؤون المنزل و بولديها الذكيين و زوجها الرائع  ومجوهراتها … كانت حياتها تدور حول هذه الأمور اذ منحتها وسيلة للاختباء خلفها .

” زوجي سايمون طيب معي . هل تعلمين وربما لن تصدقي هذا، عندما ربح بضعة الآف من الرنغات  في لعبة القمار  اشترى لي خاتم ماس جميل جدا … آه أردت وضعه في إصعبي اليوم لكني خفت من أن تخدشوه ” .كانت تحب أن تتفاخر بكرم زوجها الذي لا حدود له وكيف كان يمطرها بالمجوهرات و النقود و كم كان ناجحا في عمله .

” انه رائع ، يطلب مني دائما أن اذهب واستمتع بوقتي فهو يخبرني بأن الحياة قصيرة ويجب الاستمتاع بها ، يعطيني المال للعب الماهجونغ طوال الوقت ولا يحدد مصروفي ، كم أنا محظوظة . أراكم دائما تعدون السنتات القليلة ولكن زوجي سايمون يحرص بألا اقلق بشأن المال حتى انني لا اعرف كم يكسب ، فهو يحصل على الترقيات الواحدة تلو الأخرى ، والترف هو جل ما أعرفه في حياتي “. كان أكثر ما يزعجني ببوه لن مبالغتها بمدى إخلاص زوجها لها .” زوجي سايمون اغرم بي منذ اللحظة التي وقعت عيناه علي عندما كنت شابة وجميلة . عرف أني فتاته المنشودة . منذ ذلك الحين وهو لا ينظر إلى امرأة أخرى .. و حتى ألان  بالرغم من انني لم اعد شابة إلا انه مجنون بحبي . في الواقع اخبرني قبل أيام كم أصبحت أجمل واحلى من أي وقت مضى “.

كنت وديانا نختبئ خلف بوه لن التي كانت مشغولة بطاولة الماهجونغ و نحدق بالطبقتين الغزيرتين بالدهون حول وسطها و حنكها المزدوج وأعيننا تدور غير مصدقين , بينما والدتي تجلس قبالتها وتتوعدنا بالكثير من الغمز ورفع الحواجب  لوضع حد لتصرفاتنا المضحكة ..كان والداي سعيدين بزواجهما . فأبي زوج رائع و متفانٍ لكن هذا لم يمنعه من النظر و الإعجاب بالنساء الجميلات  كان منفتحا بهذا الشأن حتى بحضور والدتي .” انظري لتلك الفتاة الجميلة التي تمر ” كان يهمس لأمي وتضايقه مجيبة ” أين؟ إنها حسنة نوعا ما ولكنها لا تناسبك  فهي صغيرة عليك يا عزيزي”. أُخذت امي هذه الأمور على سبيل المزاح فسواء اشتهى ابي النساء الأخريات أم لا ، فهو لم يضل طريقه وكان مخلصا لها دوما . مع ذلك ظلت أمي تقول لي ” هيلين لا تثقي برجل أبدا ، ولا تجعليه  من المسلمات أبدا”.

“لكن يا ماما .. بابا طيب جدا معك  لما لا تثقين بالرجال ؟”

همهمت والدتي  وقالت. ” لأن بابا لا يملك المال فنحن من الطبقة المتوسطة . فإذا أصبحت لديه ثروة تهافتت عليه النساء ، وعندها فقط سنعرف ما إذا كان بابا صالحا أم طالحا ؟.في احد الأيام عرفتُ ما كانت تقصده والدتي ، حيث توفي زوج( بوه لن ) فجأة بسكتة قلبية بعد عودته من نزهة مسائية . كانت بوه لن مذهولة فحزنت وبكت وندبت بأعلى صوتها خلال اليومين الاولين اللذين قضتهما بلا نوم ، وفي اليوم الثالث كان موكب الجنازة على وشك المغادرة إلى المقبرة .قدم الأقرباء و الأصدقاء تقديرهم واحترامهم للمتوفي للمرة الأخيرة . كانت سيارة الموتى متوقفة في مدخل المنزل واستعد الدفان لغلق الكفن عندما توقفت سيارة أجرة امام منزل بوه لن محدثة جلبة. ظهرت امرأة شابة ترتدي نظارات شمسية ، بشرتها صافية وممتلئة بطريقة جذابة و يلتحفها السواد ، مشت بأناقة في طريق الدخول بكعب عالٍ يبلغ ارتفاعه اربع بوصات كان شعرها مصبوغاً بالأحمر النحاسي  و مثبتاً كأنه عش طائر .

 كنت على مقربة منها ولاحظت سمك كريم الأساس على وجهها وقد شذبت حاجبيها لدرجة تجعلها تبدو متسائلة دوما و إما أصابع قدميها فكانت مطلية بلون زهري براق لا يتماشى  مع لباس الحداد . رافقت جلجلة كل حركة من حركتها حيث جاء الصوت من الأجراس الصغيرة المتدلية من سلسلة ذهبية تلتف حول كاحلها النحيف .تلألأ المزيد من الذهب حول عنقها وأصابعها . لا أنكر ، لقد كانت جذابة لكن بطريقة مبتذلة قد تعجب بعض الرجال . دخلت بتفاخر وتسابق عطرها مع عطر أعواد البخور التي ملأت المكان . افسح المعزون المجال لها لتمر ، محدقين فيها بأفواه فاغرة وهي تمشي ألهوينا بكعبها العالي . دخلت المكان وتوجهت مباشرة إلى جثمان سايمون . تناولت بعضاً من أعواد البخور من الطاولة وتطلعت حولها مستهزئة بتجهيزات العزاء البسيطة وهي تخلو من أي مشاعر .، بدأت بإشعال أعواد البخور من الشموع الموضوعة أمام صورة كبيرة لسايمون  بالأبيض و الأسود  .

صاحت بوه لن :” من أنتِ بحق الجحيم ؟ ما الذي تفعلينه هنا ؟هل أنت متأكدة انك في المكان الصحيح ؟أنزلت المرأة نظارتها الثمينة ببطء ونظرت بتهكم إلى بوه لن البدينة والمترهلة التي ترتدي فستاناً مصنوعاً من البولستر الرخيص سخرت قائلة ” هاه .. أنت اذن زوجة عزيزي سايمون المسكين , الأحمق المسكين لا عجب أن طفح كيله منكِ “.

ماذا ؟ أي سايمون يا عزيزتي ؟ أنا زوجته ومن تعتقدين نفسك ؟

قالت الشابة : “أنا عشيقته ” .

صرخت بوه لن  بتهديدات جوفاء وهي مصدومة: “ماذا ؟ عشيقته ! كيف ؟ لماذا ؟ أيتها السافلة اللعينة هذه كذبة !”

” كما تريدين . ببساطة كان يعشقني ودوما بجانبي ، كان سايمون المسكين قد سئم منك “

صرخت بوه لن بغضب وانقضت على الشابة , تمايلت المرأة على كعبها العالي ووقعت في أحضان رجل كبير السن . اُحرٍج الرجل النحيف الاصلع وابتسم بحياء ، و بتردد حاول رفع المرأة من على حضنه .

” أوه انا آسفة لم اقصد إحراجك ” قالت السيدة وهي تبتسم له بعذوبة واضعة إصبعين مدرمين  على كتفه ورفعت جسدها وصدرها المكتنز يتماوج ، أما تسريحة شعرها التي تشبه الأسلاك  فلم تتحرك بتاتا  .وفجأة توقفت سيارة أجرة أخرى في الخارج و أزعج صوت المحرك الصاخب الجميع وفُتحت باب سيارة الأجرة . وأدار الحاضرون رؤوسهم وهم يحملقون وأفواههم فاغرة مرة أخرى . ظهرت ساق جميلة و متناسقة ترتدي جوارباً نسائية حريرية سوداء اللون ومخرمة وسلسلة ذهبية بأجراس صغيرة ملتفة حول كاحل  نحيف اخر.

من حكايات الكيبايا