سراب لير يطغى على أحداث أيلول
بغداد- خالدة خليل
رواية سراب ايلول هي الرواية الخامسة للروائي الالماني توماس لير والتي كانت على قائمة الكتب المرشحة لجائزة الكتاب الالماني السنوية الا ان الفوز كان من نصيب الكاتبة الصربية ميلندا ابونجي في روايتها (الحمام يحلق عاليا ) . تروي رواية لير احداث 11 سبتمبر التي غيرت وجه العالم من خلال وجهات نظر مختلفة على لسان شخصيات الرواية ليصفها بانها كالسراب الذي يتشكل لتمويهنا اذ لاحقيقة مطلقة كما كانت تساق الينا عبر وسائل الاعلام.الرواية ذات بعد سياسي عميق يصوغها لنا توماس لير في 476 صفحة بطريقة يتخطى فيها لير الواقع بالشعر لتظهر سلطة اللغة من خلال بلاغتها التي تجذب القارئ الى احداثها بالرغم من صعوبة الكثير من الصور الشعرية فيها .تحكي الرواية قصة فتاتين في العشرينات من العمر تكتشف كلتاهما الحب لاول مرة وتنظران للمستقبل بعين ملؤها البهجة لكن ماحدث في سبتمبر قلب كل الموازين اذا تموت الاثنتان احداهن وهي سابرينا التي تموت اثناء الهجوم الارهابي على مبنى التجارة العالمي في نيويورك وذلك عند زيارتها لانها التي كانت تعمل هناك . وسابرينا هي ابنة فيلسوف الماني متخصص في اللغة الالمانية ويعيش في نيويورك . اما الفتاة الاخرى فهي منى وهي عراقية تموت اثناء حصول احد الانفجارات في العاصمة بغداد لتكون بذلك نهاية امنياتها الغضة ومنى هي ابنة طبيب عراقي درس في فرنسا ويعيش هو وعائلته في بغداد .
اما احداث الرواية فانها تروى من خلال اربعة اشخاص الفتاتين وابويهما وذلك لتشكل كما هي الجوقة الموسيقية الغربية الاحداث بالتناوب ويبدو ان توماس لير كان يتعمد سرد الاحداث بهذه الطريقة ليقول لنا ان كل شخص حول له نظرته للحياة ، للثقافة ، للعالم تتحدث الفتانين عنهن ومن ثم يتحدث الابوان ويبحثان عن مسوغات الموت ، عن الالم المتكررة في رؤوسهم لماذا على الفتاتين الموت ؟ ولماذا الحرب؟
كل هذا يتم من خلال المونولوج الداخلي الذي يكون غير قادر على ضخ كل مافي ذواكرهم من احداث واسئلة ووقائع وهذا مادعا الروائي توماس لير ان يجد لها شكلا اخر يتناسب مع الاحداث وذلك بان تخلو الرواية من علامات الترقيم وباعتقادي ان هذا له دلالتان :
الاولى ان الكاتب لديه فكرة يسكبها كاملة دون توقفات والثانية احالة الى زمن العصر السريع وايقاعه الخاطف الذي لا محطات فيه
كما ان طرح الفكرة دفعة واحدة وبلا اي علامة ترقيم يعني ان النص كله جملة واحدة. وليس جملا وعبارت. وبالتالي فان مكونات هذه الجملة متساوية في الاهمية. فليس من جزء في الحدث او الواقعة اهم من جزء اخر. وهذه الجملة تفردها في طولها الذي يساوي تجربة الكاتب الداخلية التي هي قبل تحويلها الى علامات مقروءة تكون في فورانها وتناسقها بالتالي انما هي دفق من الطاقة سيل من الالكترونات التي نعرف بها الطاقة الكهربائية مثلا. ومثلما لا توقفات في تدفق الطاقة فلا توقفات في دفق التجربة الباطنية.
ولاتترك الافواصل بيضاء كما هي في الشعر لتشكل الرواية بذلك قصيدة شعرية طويلة لاتملك الا ان تقرؤها حتى النهايةبسبب الاثارة الموجودة ليس في الاحداث فقط وانما في الشكل القصصي الجديد الذي يسكبه توماس لير في هذه القطعة الفنية المتماسكة .
استطاع توماس في هذه الرواية الربط بشكل مذهل بين التراثين الشرقي والامريكي وذلك لم يأتي من فراغ اذا انه عمل خمس سنوات متتالية في البحث في هذين التراثين حتى خرج لنا بحصيلة رواية سياسية شعرية تدين الحرب والموت الناتج عن الحرب وان الحروب ليست الا اشكالا متطرفة للسلطات .
يريد ان يقول لنا لير بأن احداث سبتمبر كانت لها عواقبها المريرة في احتلال العراق حيث استبدل نظامه الدكتاتوري باحتلال اشد قسوة وترهيبا للناس .في الوقت الذي يمتنع فيه لير عن علامات الترقم نجده يضع نقطة في العنوان اذ يعنون كتابه بايلول ويضع نقطة ثم السراب ولعل لذلك اهيمته اذ ان سبتمبر الذي لم يعد يعني شهرا عاديا من اشهر السنة بالنسبة للعالم وذلك لارتباطه باحداث 11 سبتمبر نراه يضع نقطة للتوقف عندها والتفكير ثم يأتي قراره بعد النقطة بانها مجرد سراب لا اكثر .
























