قصة قصيرة.. صاحبة الكشك

قصة قصيرة.. صاحبة الكشك

صلاح الدين خليل

يقول البعض لا يغلب المرأة الا المزيف والكذاب والمخادع، جرب مثلا ان تخذه امرأة عادية جدا في كل شيء فهي مثلا تتصرف بسوقية مثلا.. وتتكلم مثل غيرها وتلبس وتتزين كغيرها وهي سطحية محبة للمال الى ذلك .. قل لها مرة انك كنت تراقبها فترة طويلة – في حين انك لم تكن تنتبه اليها بل كنت كل هذه الفترة تنتبه الى ثديها وهو يهتز عندما تخطر من امامك انك طبعا لن تتطرق الى هذا الموضوع بل ستبتعد عنه والسكين في يدك الاخرى جاهزة للذبح ستقول لها : لقد وجدتك مختلفة عن سائر النساء .. ستضحك هي مظهرة نوعا من التواضع وستدعي انها لاتشعر بانها كذلك في حين تكون هي جاهزة لابتلاع الطعم ، وتؤكد لها قائلا : هذا مؤكد انا لا اقول للمجاملة بل اقرر حقيقة ثابتة لقد لفت فيك هذا الاختلاف النظري ولسوف تضحك مرة اخرى مصدقة مدعية عدم التصديق في نفس الوقت تطمع بالاستزداة من هذا الاطراء المعطر، يجر الحديث بعضه بعضا حتى يتم الاقرار انها فعلا امرأة مختلفة، ولا تكون مغاليا قلت لها مثلا انها شاعرة بالمعنى الادبي للكلمة وهي في حقيقتها تكره الشعر ولا تحب سماعه ولم تكتب منه بيتا واحدا ستدهش هي طبعا ان الامر يختلج في نظراتها شيء من الفرح وقليل من التصديق وكأنها بغبائها تكتشف في نفسها شيئا كان غائبا عنها ، سوف ترفض بشدة هذا الزعم ولكنها منساقة لابتلاع الطعم ولسوف تقول لك كيف؟ فتقول لها انها تتحدث بهدوء في حين هي بعيدة عن الهدوء علما بان ليس للهدوء او غيره علاقة بالموضوع . وقد تقول لك انك تسخر منها وهي في السر مصدقة ولا تتصور بانك تكتشف فيها مخابئ هي غافلة عنها، ويجر الحديث بعضه بعضا حتى تنتهي الى قناعة بانها فعلا شاعرة الا ان ظروف الحياة قد شطت بها بعيدا عن هذا الاتجاه ، وقد تذكر لك انها قد كتبت فعلا في مراهقتها المبكرة رسالة قصيرة – علما ان لا علاقة بين الرسالة المزعومة والشعر – إلى جار لها او جارة كانت تمتاز كلماتها بحلاوة خاصة متناسية انها اقتطفتها من احد الكتب .. وعلى هذا المنوال تستطيع ان تخدع اعقلهن بأي شيء مزعوم . يعود الى موضوع الاختلاف فهناك نساء يعمدن الى الاختلاف في الملبس او طريقة الكلام او ادعاء الرقي واتخذ وهذا يدخل في صلب موضوعنا كما يقال فقد كانت هناك شابة تعمل في (كشك) لها في احدى ضواحي البصرة اتذكر ان المنطقة التي كانت تعمل فيها على شيء من الابهة فيها القصور والحدائق وغير ذلك وقد رأيت هذه الفتاة التي تجرأت على العمل وحدها في كشك … لقد كان هذا في الخمسينات والستينات ، انها فترة مبكرة على مثل هذا العمل وحتى الوقت الحاضر لاتجد مثل هذه الفتاة .. الخلاصة .. لدي صديق فنان تعرفت عليه في بغداد اسمه ابراهيم خليل .

قال زميلي : ابراهيم خليل .. اسمه مألوف لدي.

 اجل فهذا له حكاية سوف ارويها لك بعد قليل اما الان فنحن بصدد صاحبة الكشك المختلفة .

مختلفة !

 اجل هي مختلفة عن سائر النساء رغم اننا في بعض الاحوال نقول انهن سواء .. هي جريئة اذ تفتح محلاً كل رواده من الرجال تقدم فيه المرطبات والمأكل فهي تعتبر رائدة في مجالها .

طيب هذا واضح .

حسنا ماذا كنت اقول ؟

قلت هي رائدة في مجالها .

اعلم ولكن الموضوع الرئيسي الذي انا بصدد الحديث عنه قد نسيته.

كنت تتحدث عن الاختلاف .

اجل تذكرت امراً اخر تعمدت هي الاختلاف فيه كانت تصبغ اظفارها بطلاء لم يكن متداولا في هذا الوقت .. تعلم ان الطلاء السائد للاضافر هو الاحمر ومشتقاته حتى البنفسجي والوردي هما اقرب الى الاحمر .. ولكن ظهر في تلك الفترة صبغ اخر بلون الفضة ولم يكتب له الرواج حتى الان رغم انه استعمل من العديد من النساء .. ليس هذا صلب الموضوع انما الذي اريد قوله ان هذه الفتاة صاحبة (الكشك) كانت تستعمله .. اعني هذا اللون، وكانت فتاة معروفة بالكبرياء والاعتزاز بالذات وهي على شيء من الجمال، ولم يتمكن احد من زبائنها ان يحصل منها على أي شيء رغم كثرة محاولاتهم، ولكن في يوم ما حدثت الانعطافة الرهيبة في حياتها عندما ظهر امامها الفنان ابراهيم خليل … دعني اصفه لك قامته فوق الوسط ، على شيء من بدانة توزعت بجمال على جسمه الصحي .. لونه جميل حليق اللحية والشارب يحب الاناقة والنظافة .. ذكي جدا ، ورجل ملذات يرتاد ملاهي البصرة ويرسم على جدرانها عندما يطلب منه لاجل زيادة دخله .. كان بمعيته دائما مجموعة من الاصدقاء، على علم بجولاته الموفقة مع النساء وقد تجده آنذاك من ان يستطيع ما عجز عنه صحبه وغيرهم من اقتحم قلب تلك الشابة صاحبة (الكشك) على غرار مايحدث في الافلام . بعدها اخذ ابراهيم يتردد على محلها صامتا وقورا لا يلتفت اليها كما لم يحاول ان يبتسم لها او يخفف في ظله امامها او يتظارف او يظهر نوعا من الايجابية بل ظل يتردد لعدة (اسابيع) دون ان يتبادل معها سوى التحية الرسمية ، وقد لفت هذا حتما انتباهها وفي احد الايام قرر البدء بالهجوم وقد تباطأ هذه المرة في المكوث امام المحل . حتى ذهب اخر الزبائن فوجد نفسه وحيدا معها وهو ينظر اليها حزينا تغرو وجهه نظره جادة مشوبة بالحيرة والتأزم .

ثم قال لها : ربما تستغربين كيف لم انصرف اليوم فورا ككل مرة .

ربما

ربما انتظرت حتى ان نكون لوحدنا فأهمس في داخل اذنك ببضع كلمات .. لاتجفلي فانا لست شخصا عابثا .

ماذا وراءك ؟. اراك على هذه الحال لاول مرة .

لست ممن يميلون الى فرض انفسهم على الغير . ولكن الامر الذي لفت نظري فيك هو انك فتاة مختلفة وهذا امر نادر في المجتمع عامة وفي النساء خاصة كلهن متشابهات ، لاول مرة اعثر على واحدة مختلفة .

عجيب بماذا اختلف .

كل الذي ارجوه ان لاتتصوري اني من النوع الذي يحاول الايقاع بك ولكن كل ماهناك اني معجب باخلاقك .. ثم انك لست امراة سهلة هذا ما اعجبني فيك ايضا .

قالت اشكرك .

ولكن الامر الاكثر اهمية هو الاختلاف .

أي اختلاف ؟

ساقول لك حالا .. دعينا من انك جريئة بافتتاحك لهذا المحل … هذا وحده اختلاف ولكن الامر الذي لمسته في الذوق والشخصية اراه امامي الان واضحا في شيء صغير قد لايخطر ببالك الا انه يلفت نظر قلة من الناس من ذوي الملاحظة القوية .

قال صديقي : ياله من داهية .

قلت له: الم اقل لك .. قالت له : ماهو هذا الشيء الذي لفت نظره .. اجابها : لون اظافرك .. الطلاء الذي تطلين به اضافرك . قالت له : مابه ؟

قال لها : هذا اللون موجود في السوق ولكن لم يجرؤ على استعماله واحدة لانه يسجل حالة اختلاف وذوق خاص والناس عموما يفضلون ان يكونوا متشابهين حتى في افكارهم هم يكرهون الاختلاف .. هذا الاختلاف البسيط اعني الطلاء الذي تستعملينه يعكس شخصية عميقة في الذات وقد اعجبني فيك هذا فأنت أنثى متميزة ارجو ان لاتستهيني بكلامي فانا اعتبر نفسي خبيراً في فهم المجتمع لاني اختلط به كثيرا .

ماهو عملك ؟

انا فنان .. ولكني اجتماعي لا انصرف الى المرسم كثيرا ومتى ابتدأت الرسم كنت محاطا بالاصدقاء لاني اكره الوحدة .

بعد هذا توالت الاحاديث والحكايات وتعلقت الفتاة بابراهيم بل احبته بشدة وقد طلبت بنفسها الزواج منه كما عرضت عليه ان يأخذ (الكشك) الا انه لم يكن مثلها متلهفا للحب فقد كان في هذه الفترة يعيش قصة حب مع مغنية اسبانية وهذه له معها قصة اعجب .