مزج ما قدمه احمد جبار بمجموعته القصصية
ثنائيتان في شبكة العلاقات السردية
أحمد البياتي
( امتلاك ) مجموعة قصصية للقاص احمد جبار غرب صدرت عن دائرة الشؤون الثقافية العامة وتضمنت ( 11 ) قصة قصيرة .
إن القصة القصيرة تستطيع ببنيتها التكثيفية أن تعبر عن هذه الأفكار مهما كان حجمها…والقاص احمد جبار غرب عرف كيف يوظف كل التقنيات الكتابية الإبداعية بطريقة تعطي فسحة للقارئ لان يحلق في عالم الفهم والتأويل حسب أدواته وإمكانياته القرائية. وادرك ان القصة القصيرة هي الاعتناء بتتبع أثر كل لحظة إنسانية شديدة التعقيد والحميمية ، مستخلصة من أعماق الروح البشرية ، متفاعلة مع كل ما يحيط بها ، وهي بالتالي وجهة نظر ذاتية تتخذ موقفها من الحياة .
كما انه ايقن تماما ان القصة كائن حي ، تولد فكرة في ذهن الكاتب وتتغذى من تفكيره وتجاربه وانطباعاته وتخرج من ذهنه كاملة لتعيش معنا في المجتمع ، ومن ثم تتغلغل الى نفس القارىء متجاوبة مع احاسيسه كونها تمر بمرحلتين ، الأولى البذرة والنمو ، والثانية مرحلة الولادة التي تخرج بها القصة متكاملة لتعيش في الواقع ، فهي بنية متماسكة تمثل وحدة لايمكن التفريط بمكوناتها وتتحول الى كائن حي متكامل لايتجزأ وتؤدي بعداً معرفياً وفنياً في الوقت نفسه .
( ياالهي ماذا اعمل في هذه الظهيرة القائظة التي تلسعني حرارتها . لقد مضت ساعات طوال دون ان ابيع نعلا واحدا لااعرف سر هذا الامر الذي يصيب في نفسب الإنقباض ، فأنا مكلف باعالة عائلةهي زوجتي واطفالي ويجب ان ابيع شيئا .. متى اتخلص من هذا النحس الملازم لي ربما يكون سببه الحسد والعيون الحاقدة التي تلاحقني في رزقي وحسنا فعلت عندما اختلست جانبا من الطريق العام لعر ض بضاعتي وإلا لكان هناك من يطالبني بالإيجار عندها سأقع في مأزق لااستطيع الخروج منه . قصة ظهيرة يوم قائظ ص 77 ) .
العقدة في القصة القصيرة تثير قضية التشويق التي تجعل المتلقي متلهفاً لمعرفة الحل ، كما أن للتنظير الفني في القص نتائج لها اهمية اساسية في التطبيق العملي كون آليات الإشتغال إذا ماطورّت فأنها ستجدد قوى السرد وتبلغ بها مستوى قادر على تهيئة القول القصصي لمساحات أكثر غوراً وعمقاً في التأثير الإجتماعي .
إذاً النقل الحرفي يجعل التصوير والوصف مجرد آلة يحملها القاص ، فهي مرآته التي تحدد الكيفية التي يتم بها تشكيل القصة القصيرة ، وانها قادرة على عكس الصورة من الخارج ، تعمد الى تثبيتها دون تمثّل لما يحدث فيها من تفاعل ، ومن ناحية أخرى تعنى بالجوانب المرئية من الواقع وليست قادرة على اختراق القشرة الخارجية له ، وتعكس الواقع كما هو عليه دون حذف أو إضافة أو تغيير فيه .
( ياويلتاه شعري الجميل المنسدل على ضفاف رأسي مهدد بالأنقراض نتيجة تقصفه ماذا عساي ان افعل به بعد ان اقتربت السكين من الودج وحان قطافها أنه التلاشي الذي لابد منه أمسى يعاني من أزمة طارئة قد تحيله الى ركام أو بقايا اثر نتف هنا ونتف هناك وهدام يصيبني في مقتل ليس جسدا انما روح ونفس .. سأفقد جزءاً من واجهتي .. قصة الرجل الطاووس ص 51 ) .
النص القصصي ينطوي على قدر من التنظيم . وفيما يخص الإستعارات في هذه المجموعة القصصية كانت مقارنات ضمنية تنطبق فيها كلمة أو جملة مستعملة أساساً في المستعار منه على المستعار له ، واختار الكاتب الكلمة والجملة بعناية فائقة ، وتمكن من أن يضيف العاطفة الناشئة عنها الى الحالة الأساسية ، فأضاف المزيد من الأحاسيس بواسطة الإستعارات الموسعة التي تستعمل المقارنة عبرَّ مشهد كامل ، إستخدم إستعارات تحتوي على كلمات ذات مضامين قوية ومؤثرة في المواضع التي تناسبها .
من البديهي ان الكتابة الناجحة أياً كان نوعها تتطلب من الكاتب ان تتجسد فيها تقنية التفّكر والشعور والرؤية لأنها ستكون القناة التي تمر عبرها الشخصية للتجسيد من خلال الكلام والأفعال ، يتعين عليه في هذه الحالة ان تكون لديه شخصيات فعلية متجسدة في عقله وهو يعلم تماماً ماذا ستفعل تلك الشخصيات في هذا المشهد أو ذاك ، هنا أصبح عليه ان ينظر الى النص الذي كتبه بأن يضع نفسه مكان القارىء ليتمكن من العثور على اجابات للتساؤلات التي تظهر من خلال النص المنتـــــــــج .
( لمحتها كانت متكئة قرب الجدار في احد الأزقة عندما كنت في زيارة لأحد معارض الفن التشكيلي .. وقفت امامها بخشوع ونظراتي تتوزع على تقاطيعها ونتوءآتها المتدفقة الألوان .. تأملتها بنهم على غير عادتي أحسست بمشاعر خفية تنتابني على غير هدىً كانت متوهجة تشع القاً .. كل شيء في تفاصيلها ممتع وفيه رائحة العنبر . قصة خيــــالات ص 97 ) .
تعمد الكاتب المزج بين ثنائيتين في بناء قصصه هذه من خلال شبكة من العلاقات السردية المكشوفة التي يصارح بها قراءه فلقد ايقظ ضغط الاحداث للقصص النزوع الواقعي الذي اوجده في تمثيل ما يحدث من مآس فردية وجمعية اوجد لها الفرصة لعودة التصوير الواقعي بأسلوب يهدف الى ايصال الفكرة بعناية سردية ومن المهارات الواضحة في هذا العمل هو التداعيات والاسترجاع للماضي التي جسدها من حيث البعد التاريخي للشخصيات الذين ادخل خصوصياتهم في العمل كي لا يظل مجرد اشارات جامدة وانما جعلها تتحرك بحرية في مركز السرد واطاره والتركيز على الحبكة وتتمثل لمظاهر مختلفة حيث يمكن تلمس انعكاساتها السردية من خلال النسج والصورة الواضحة للعيان في اللغة السردية ، والكاتب بنى قصصه على احداث مختلفة بالتقاط ذكي وتطويرها بالمخيلة.
( لاشيء يغنيني الآن عن قنينة خمر معتق فهي حبيبتي وملاذي الأخير اعانقها واقبلها لأن سعادتي تكمن فيها .. أنها تروي عروقي من ظمأ يسكن احشائي ويغتال احاسيسي ، اشعر بالبرودة وقشعريرة في جسدي النحيل إذا ابتعدت عنها .. اشعر بالتيه والإنغلاق والسكون . لاحياة في داخلي سوى ماكنة تتحرك وفق نواميسها المعتادة .. كثيرا مااكون سريع الغضب والعن ذاتي واليوم الأسود الذي ولدت فيه ، وكثيرا ماالعن المسؤولية اريد ان اكون هائما ابتعد عن كل مايثير احاسيسي ..لاأريد اطفالاً أو زوجة أو اصدقاء فكلهم مراؤون . قصة تداعيات رجل يحتضر ص 39 ) .
في الواقع لايمكن الحصول على قصص خيالية على الإطلاق لولا الشخصيات الواقعية والمثيرة للإهتمام ، إذاً تعتبر الشخصية هي المفتاح ، كما تعتمد الحبكة عليها لأن رد فعل القراء يختلف في الظرف الواحد كون لغة الوصف تستمد نكهتها من الواصف ، لذلك فالتركيز على الشخصية والقيام بخيارات الحبك التي تكوّنها وبالتحول اليها وبترجمة جميع الإنفعالات .
























