قراءة في علم النفس والأدب لكارل غوستاف يونغ.. التعامل مع منتوج النشاطات المعقّدة
سلاهب طالب الغرابي
علم النفس هو دراسة “العمليات النفسية “Psychic Processes ويمكن حشد كل طاقاته لأداء مهمة دراسة الأدب؛ لأن النفس الإنسانية هي الرحم لجميع أشكال العلوم والفنون. وقد نتوقع من البحث النفسي، بالمقابل، شرح تشكّل العمل الفني وتفسيره، ومن ناحية أخرى، الكشف عن العوامل التي تجعل من الشخص فنّاناً مبدعاً. وبذلك يجابه عالم النفس مهمتين منفصلتين ودقيقتين، وعليه الاقتراب منهما بطرق مختلفة اختلافاً جذرياً.
في حالة العمل الفني علينا التعامل مع منتوج النشاطات النفسية والعقلية المعقدة – ولكن مع منتوج واضح يكون ذا هدف محدد وتشكّلات تتسم بالوعي والإدراك، وفي حالة الفنان علينا التعامل مع الأدوات العقلية والنفسية ذاتها. ومنذ اللحظة الأولى علينا محاولة استعمال التحليل النفسي لتحقيق فنّي واقعي ملموس، وأن يتم تحديده بشكل مؤكد، أمّا في الحالة الثانية فيجب أن نحلل الإنسان الحي والخلاّق بوصفه شخصية فريدة من نوعها.ومع أن هذين التعهدين متصلان بعلاقة وثيقة ذات استقلال متداخل، فلا يمكن لأحدهما تقديم التفسيرات التي كان يبحث عنها الآخر أو منحها، ومن الممكن استنتاج الاستنباطات حول الفنان من العمل الفني وبالعكس، ولكن هذه الاستنتاجات لا تعتبر حاسمة أو نهائية. وفي أحسن الأحوال يمكن اعتبارها، على الأغلب، نوعاً من الحدس أو التخمينات والظنون.كما ذكر كارل إن معرفتنا علاقة “غوته” الخاصة مع أمه تلقي بعض الضوء على هتاف “فاوست” التعجبي؛ “الأمهات ! الأمهات ! كم من الغرابة تبدو في هذه الأصوات”!
ولكن هذا الأمر لا يمكّننا من معرفة كيف استطاعت علاقته بأمه إنتاج مسرحية فاوست نفسها، ودون شك نستطيع أن نلمس في “غوته” الرجل اتصالاً عميقاً بين الاثنـين.
ولسنا أكثر نجاحاً في استنتاج الاتجاه المعاكس، فلا يوجد أي شيء في “خاتم النيبلونغز” The Ring of the Nibelungs? يمكّننا من التعرف على، أو الاستنتاج، أن “واغنر” كان يحب أن يلبس الثياب النسائية بين فترة وأخرى، مع أن الاتصالات المخفية موجودة بين الأبطال الذكور في عائلة “نيبلونغز”، وأن هنالك ميلاً مرضياً نحو الأنوثة والثخنت في شخصية الرجل “واغنر”.إن الوضع الحالي لتطور علم النفس لا يسمح لنا بإقامة تلك الاتصالات السببية العنيفة التي نتوقعها من العلم، إننا في حقل الغرائز والانعكاسات اللاإرادية النفسية – الجسمانية نستطيع فقط العمل والتأثير بثقة في فكرة السببية. وابتداءً من النقطة التي تبدأ بها الحياة النفسية والعقلية، أي في مستوى أكثر تعقيداً- يجب على العالم النفسي أن يشبع رغباته، وأن يمد نفسه بسلسلة واسعة من الأوصاف والأحداث والتصوير الحيوي للنسيج والخيوط المشكّلة للعقل في جميع تعقيداته المنهلّة والمثيرة. وبعمل هذا، عليه أن يحجم عن اختيار أو تعيين أي طريقة نفسية، وإذا لم تكن هذه هي حال الأمور، ويستطيع عالم النفس إقناع الآخرين بالاعتماد عليه في كشف الارتباطات السببية ضمن عمل فني، وبطريقة الخلق الفني، فإنه في هذه الحالة سيترك دراسة الفن دون أرض يقف عليها ويساعد على تقليصها لتصبح فرعاً خاصاً من علومه الخاصة. وحتى يكون عالم النفس متأكداً من ذلك عليه أن لا يتخلى عن مطالبته بالاستطلاع وتأسيس علاقات سببية في أحداث نفسية معقدة. ولعمل ذلك سيكون الأمر إنكار الحق لعلم النفس في الوجود. ومع ذلك لا يمكنه أن يجعل من هذه المطالبة أو الادعاء أمراً إيجابياً جدياً بالمعنى التام للكلمة؛ لأن المظهر الخلاّق للحياة الذي يجد أنقى التعبيرات من خلال عمل الفن يُحير ويُربك جميع المحاولات عند لحظات التشكّل العقلاني.
وأي ردة فعل للحوافز قد يتم شرحها من الناحية السببية. ولكن الفعل الخلاّق، الذي يعتبر التناقض أو التضاد المطلق لعملية ردة الفعل، سيحاول تجنب إدراك الفهم الإنساني أو معرفته، يمكن القيام بوصفها فقط من خلال تجلياتها وظهورها للعيان، ويمكن إدراكها والإحساس بها بشكل غامض، ولكن لا يمكن فهمها بشكل كامل.
إن علم النفس ودراسة الفن صنوان وتوأمان لا يمكن لأحدهما الاستغناء عن الآخر، ولا يمكن لأي منهما أن يُبطل الآخر أو أن ينسخه. ومن المبادئ المهمة في علم النفس أن الأحداث النفسية يمكن استنباطها باستمرار.
إنه مبدأ في دراسة الفن أن المنتوج النفسي بحد ذاته يعدّ أمراً مستقلاً بنفسه- بغض النظر عن العمل الفني أو الفنان أو الكاتب ذاته في عملية التساؤل، كلا المبدأين يعدان مجديين على الرغم من النسبية التي تكتنفهما.
فمن مبدأ العمل الفني: هنالك اختلاف جوهري أساس في كيفية فهم الموضوع ما بين طريقة عالم النفس في دراسة عمل أدبي، وما بين تلك الدراسة التي يقوم بها الناقد الأدبي. فما يعتبر ذات أهمية وقيمة حاسمة بالنسبة للأخير – الناقد الأدبي، قد يكون خارجاً عن الموضوع وليس ذات أهمية بالنسبة للأول- عالم النفس. إن النتاج الأدبي الذي يتمتع بجدارة مشكوك بها، قد يحظى على الأغلب باهتمام بالغ لدى عالم النفس. فعلى سبيل المثال، إن ما يُسمى بـ”الرواية النفسية – Psychological novel”? تعد بكل المعايير بالنسبة لعالم النفس قطعة أدب مُجزية مثلها مثل تلك القطع الأدبية التي تخاطب العقل. وعلى وجه الإجمال، فإن رواية كهذه، تشرح نفسها، أنجزت عملها الخاص بها من التفسير السيكولوجي والنفسي، ويستطيع عالم النفس القيام بعمله النقدي والتوسع في عمله تجاه هذا المنحى.إن الروايات الأكثر جدوى ذات الثمار الصالحة للقطاف بالنسبة لعالم النفس هي تلك الروايات التي لم يكتب بها المؤلف أي تفسيرات أو شروح نفسية لشخصياته، وبذلك يفسح مجالاً أمام التحليل والتفسير. الأمثلة الواضحة على هذا النوع من الكتابات هي روايات “بينويت” – Benoit? وفي الرواية الإنجليزية في نمط “رايدر هاغرد” – Rider Haggard أو أسلوبه، بما في ذلك المزاج الذي سُخِّر في عمل “كونان دويل” – Conan Doyle? والذي يستنتج منها أن أكثر الروايات التي تبقى حية في الذهن الجماعي للجمهور، هي القصة البوليسية. وأما رواية “موبي ديك” Moby Dick للكاتب “ملفل” Melville التي تم أعتبراها أعظم رواية أمريكية، فهي أيضاً تأتي ضمن هذا التصنيف من الكتابات. تعتبر رواية مثيرة، ومن الواضح أنها تخلو من العروض السيكولوجية النفسية، وهذا بالتحديد ما يهم عالم النفس في الأعمال الأدبية. إن حكاية كهذه مبنية على خلفية عملية من الافتراضات السيكولوجية الضمنية، التي لا يكون المؤلف واعياً إياها وعلى دراية بها، تكشف عن نفسها، نقية وغير مزيفة، وذات بصيرة نقدية.
وفي الرواية السيكولوجية، بالمقابل، فإن المؤلف نفسه يحاول إعادة تشكيل مادته الكتابية؛ ليرفعها من مستوى المادة الخام للأفكار الطارئة ذات الاحتمالات غير المتوقعة إلى المستوى المشع والمتألق لطريقة العرض السيكولوجية – وهو إجراءُ على الأغلب يغلف الأهمية السيكولوجية للعمل ويخفيها عن النظر. وبالنسبة لروايات من هذا النوع، يحاول العلماني أن يؤيد علم النفس بها، بيد أن الروايات من النوع الآخر تتحدى عالم النفس؛ لأنه الوحيد القادر على منحها المعنى الأعمق.
فالتكلم حول موضوع الرواية، و التعامل مع حقيقة سيكولوجية غير مقيدة بهذا الشكل الأدبي أو الفني الخاص، ونقابل تلك الحقيقة أيضاً في أعمال الشعراء ونُجابه بها عندما نقارن بين الجزء الأول والجزء الثاني من مسرحية فاوست. إن مأساة – الحب لدى “غرتشن” تقوم بتفسير ذاتها، لا شيء هنالك يمكن لعالم النفس أن يضيفه إليها أكثر مما قد كان قاله الشاعر بأجمل الكلمات وأرق التعبيرات. وأما الجزء الثاني بالمقابل فهو بحاجة إلى الشرح والتفسير. إن الثراء المذهل في المادة الخيالية قد ساعد على إرهاق قوى الشاعر التشكيلية، بحيث يصعب إيجاد أبيات شعرية تفسر ذاتها، بل على العكس من ذلك فإن كل بيت من الشعر تقريباً بحاجة إلى تفسيرات متعددة يحتاج إليها القارئ. إن الجزأين كليهما من عمل “فاوست” يصوران النقيضين المذكورين كليهما أيضاً للتمييز السيكولوجي الموجود بين الأعمال الأدبية.
ولكي نستطيع توكيد هذا التمييز، فان كارك حاول أن يدعو الأسلوب الأول من الخلق والإبداع الفني بـ “السيكولوجي”، والآخر بـ”الرؤيوي” – Visionary. أما الأسلوب السيكولوجي فيتعامل مع مواد مشتقة من حقل الضمير الإنساني- على سبيل المثال، من دروس الحياة، ومن الصدمات العاطفية، ومن خبرة العاطفة والانفعالات، ومن أزمات القدر الإنساني –بشكل عام- وجميعها تشكل حالات الوعي الإنساني، وأحاسيس الإنسان بشكل خاص، لقد جرى تمثُّل هذه المواد نفسياً لدى الشاعر، وقام برفعها من أماكنها العامة إلى مستوى الخبرات الشعرية، وأعطيت التعبير الذي يُرغم القارئ على طلب المزيد من الوضوح والعمق في النظرة الإنسانية، بمحاولة جلب ما أمكن لوضعه في ضميره، لأمور يتغاضى عنها ويتجاوزها، أو أنه يحس بها فقط بنوع من الشعور الباهت بعدم الارتياح.
ووصف كارل عمل الشاعر بأنه شرح وتفسير وإضاءة لمحتويات الوعي والإدراك، لخبرات الحياة الإنسانية التي يتعذر تجنبها، بكل أشكال الفرح والحزن المتواتر بشكل أبدي. وهو لا يترك شيئاً لعالم النفس، ما لم نتوقع من الأخير أن يشرح الأسباب التي جعلت “فاوست” يقع في حب “غريتشن”، أو تلك التي حدت بغريتشن لقتل طفلها، إن أفكاراً رئيسة كهذه هي التي تشكل بمجموعها خبرة الإنسان، وتكرر نفسها ملايين المرّات وتكون مسؤولة عن الرتابة المطردة في محكمة –الشرطة وعن قانون العقوبات الجزائية، لا يحيط بها أي نوع من الغموض؛ لأنها جميعاً تقوم بتفسير نفسها.
هنالك أعمال أدبية لا تحصى ولا تُعد تخص هذه الطبقة؛ الروايات العديدة التي تتعامل مع الحب، والبيئة، والعدد الكبير من القصائد الشعرية الغنائية، والمسرح التراجيدي والكوميدي، ومهما يكن شكلها فإن العمل الفني السيكولوجي يأخذ مادته دائماً من الحقول الواسعة لوعي الخبرة الإنسانية – من صور الحياة الأمامية، ولقد أسميت هذا النوع من الخلق الفني بالسيكولوجي؛ لأنه بحيويته هذه لا يسمو على حدود الجلاء والوضوح السيكولوجيين ولا يتجاوزهما ، كل ما يتضمنه –من الخبرات والتعبيرات الفنية- يعود إلى حقل المفهوم. وحتى الخبرات الأساسية نفسها، مع أنها غير عقلانية، فلا يوجد شيء غريب، بل على العكس، إنها تلك التي قد عُرفت منذ بداية الزمن – العاطفة ونتيجتها القدرية، خضوع الإنسان للقدر، وطبيعته الأبدية الخالدة بما فيها من جمال ومخاوف.إن البون الشاسع والعميق بين الجزء الأول والثاني من “فاوست” يشير إلى الفرق بين الأسلوبين السيكولوجي والرؤيوي لجماليات الخلق والإبداع، الأسلوب الآخر يعكس جميع الشروط الموجودة في السابق. وأما الخبرة التي تقوم بتزويد المادة بالتعبيرات الأدبية فلم تَعُد مألوفة، إنها شيء ما غريب يشتق وجوده من المنطقة الخلفية لعقل الإنسان – وهذا يقترح حالة اللاّتكون الزمني التي يصعب سبر غورها، وهي التي تفصلنا عن عصور ما قبل الإنسان، أو تصور لنا عالماً إنسانياً خارقاً من المغايرة والتباين بين النور والظلام، إنها خبرة أصلية وبدائية تتفوق على الفهم الإنساني وتتجاوزه ، ولذلك فإن فهمه يتعرض لخطر الموت والاستسلام. إن قيمة الخبرة أو قوتها تبان من ضخامتها، تنشأ من أعماق لا يحدها الزمان، تتسم بالغرابة والبرودة، متعددة الجوانب ذات براعة عظيمة وخيال متنافر. وهنالك عيّنة من السخف والرعب تمثل هذه الفوضى الأبدية (الخيانة ضد الإنسانية) Treason against humanity? ونقتبس من كلمات “نيتشه” –”تنفرج متباعدة إرباً متجاوزة المقاييس الإنسانية للقيم وللأشكال الجمالية”. إن الرؤية المزعجة للأحداث الوحشية الخالية من أي معنى، التي تتجاوز مفهوم الشعور الإنساني وإدراكه بكل الطرق، تجعل المطالب والرغبات الأخرى تؤثر في طاقات الفنان أكثر مما تقوم به الخبرات في طليعة الحياة. وهذه لا يمكنها أن تمزق أوتنزع الستارة التي تغلف الكون وتغطيه، وهي لا تتجاوز الحدود الإنسانية، ولهذا السبب تم تشكيلها وإعدادها لمطالب الفن، بغض النظر عن حجم الصدمة التي يمكن أن تحدثها على الأفراد، ولكن الخبرات البدائية تشق حجب المعرفة من الأعلى إلى الأسفل، على الستارة المرسوم عليها صورة لعالم منظّم، وتسمح لومضة تضيء في أعماق اللاّتكون الذي لا يُسبر غوره للأشياء التي لم تُصبح بعد. هل هي رؤية عوالم أخرى، أم هي من غموض الروح، أو من بداية الأشياء قبل وجود الإنسان، أو من أجيال المستقبل التي لم تولد بعد؟ لا نستطيع القول إنها أي واحدةٍ من هذه ولا نستطيع نفي ذلك.
{ كان “كارل غوستاف يونغ” 1875-1961 تلميذاً لـ”فرويد” وتحت رعايته، ولكنه انفصل عن تعاليم أستاذه عام 1913 ليقوم بتطوير مدرسته الخاصة به في التحليل النفسي . كان “يونغ” أكثر تعاطفاً من “فرويد” مع الأمور الرؤيوية، والدينية، وحتى التقاليد السحرية، وكان مستعداً لتجيير موضوع الادعاءات الأدبية لتجسد المعرفة.
























