السابقون الأولون مواقف الشدّة

السابقون الأولون مواقف الشدّة

 حينما يكون الحاكم مستبدا ظالما له أعوان وعيون يترصدون لكل حركة ولكل همسة فهل من أحد له القدرة على التحدي ؟ وهل من أحد له من الشجاعة ليقف بوجه الظلم والاستبداد ؟

ان من تتوفر له الشجاعة ومعها القلب الجريء ان لم تكن له قوة تنصره على فعل ذلك فهو لا محالة هالك أما بموت سريع أو بتعذيب بطيء يمزق أشلاءه تمزيقا .  ومن يفعل ذلك يكون من السابقين في موقف له دلالته ومعناه .. انه بطل بكل معنى الكلمة الذي يسبق غيره في مقاومة الظلم والاستبداد .

لو تأملنا قليلا في صفحات التاريخ لعثرنا على أمثلة من المواقف البطولية في مواجهة البغي والطغيان .

فها هي أقلية مسيحية مؤمنة تتحدى وثنية روما .. روما بعظمتها وجبروتها ، فتلقى هذه الأقلية العذاب والهوان لأكثر من قرنين ثم لتهرب بدينها الى كهف أو مغارة لتمارس طقوسها بعيدا عن الأنظار خوفا من البطش والقتل .

انها شجاعة وانه لسبق في هذا الموقف الذي أقل ما فيه التحدي للكفر وما يحتويه من باطل .

غير أن موقف السابقين الأولين من المسلمين لا نظير له في التاريخ ، ذلك أن الذين دخلوا الاسلام أول الأمر كانوا في اختبار لمدى قدرتهم على الصمود بوجه قوة قادرة على سحق الخصوم ،انها قوة قريش بزعمائها وساداتها وقوة قبضتهم على دين الآباء والأجداد بما فيه من وثنية وشرك .

رسالة توحيد

فهذا محمد عليه الصلاة والسلام يجد نفسه مكلفا بعد أن جاءه الوحي بأن ينذر قومه ويبلغهم رسالة التوحيد ليجابه مجتمعا غارقا في وثنيته .

ان كل من يؤمن بهذه الدعوة سيكون في مرمى قريش الوثنية ، سيكون خصما لدينها وهو بذلك مهدد بحكم الموت لا محالة ، وهو مع ذلك يمشي الى حتفه دون خوف ولا رعشة قلب .

ولقد فعلت هذا قريش بعدد غير قليل من هؤلاء السابقين الى الاسلام ، ولعل بلال وعمار هما خير مثال في تعرضهما للتعذيب البشع الذي سلطته قريش ، كما أن استشهاد سمية وزوجها ياسر على يد الفئة الباغية مثال آخر على التحدي والصمود .

ان السابقين الأولين الذين ذكرهم القرآن ووعدهم بجنانه الفسيحة هم حقا امتلكوا من الشجاعة وقوة الأيمان ما يجعلهم في موقف من الصدارة لا يستهان به ، بل هم القدوة في هذا المضمار ، كما أن الأنصار من أهل يثرب الذين استجابوا لنداء النبي حينما دعاهم الى الاسلام في ( العقبة )بايعوه دون تردد ، ثم حملوا هذه الدعوة على عاتقهم الى أهل يثرب ليكون تمهيدا لهجرة هؤلاء السابقين في مكة الى الموطن الجديد ( المدينة ) ثم قدوم النبي وصاحبه الصديق اليها.

ان السابقين الأولين ولاسيما المهاجرون منهم قد تعرضوا لمواقف فيها من الشدة والأذى ما لا يمكن وصفه لكنهم أبوا الا أن يكونوا موالين لله ورسوله فصبروا على ما أوذوا ، فكان لهم الأيمان والهجرة والجهاد ، فهل اليوم من أحد يقف وقفتهم للتصدي للظلم الذي يفرض نفسه على أكثر بقاع الأرض ؟

ناجح صالح – كركوك