قصة قصيرة حقيقية.. تقية الشهيدة
فقدت زوجها بعد ان اعدم في زمن النظام السابق تاركا لها ثلاث بنات اكبرهن سنا عمرها اربع سنين ومنذ تلك اللحظة دوى في ساحة عمرها النفير وتجافى عن عينيها النوم لغزارة الدموع والتفكير بعد ان اوردها الزمن موارد الحيرة ليسقيها من كأسه شرابه المعتق بالمضاضة , وشد قلب ايامها القادمة بحبل الحزن وسرح قطع الثكل في ارجاء حياتها بعد ان كانت كوردة الصباح بجمالها واناقتها الفرحة . لكنه في لحظة انكفأ ذلك الجمال والسرور في لحظة زمن متمردة تجشأ نحوها انواع الهموم والاحزان , تقضي ليالي عصيبة لا تدري اتبكي لفقدها الزوج ام على بناتها الثلاث بعد ان تحاوشهن اليتم من رعونة وبطش المتسلطين بالاجرام على مقدرات الناس البسطاء حتى جعلوهم مشردين في اوطانهم ومغيبين . تهامست حولها الافواه والعيون تتامل الاقتران بها من جديد . كانت تصلها الاخبار فتقف عندها متجمدة المشاعر والعيون على بناتها الثلاث ناحبة ناعية ولسان حالها يقول ..
حيرني الزمن بأول شبابي … وشد حيله السهر رايد عذابي
مشدوه بالي يل وحدي عفتني … ثلث وردات بيهن لوعتني
اتسع نطاق العوز عليها عوز الحنان والمسئولية فقررت ان تجعل من بناتها سكنا ووطناً في غربة سني عمرها الاتية , قابضة على زمام صبرها بعلو همتها وشفير عفتها , فجافت الاستكانة وتحزمت بكتائب الهمة متوكلة على الله وهو حسبها في الصراع من اجل تربية بناتها متقلدة سلاح صبرها وغنى نفسها . فغرست اوتادها على اوتاد الارض ولم تدع لامواج نفسها بالتلاطم في امر الجريان في مسلك واتجاه واحد وهو تربية بناتها . بالرغم من كثرة الطلب للاقتران بها لجمالها وصغر سنها , لكنها ادارت ظهرها لكل هذا وذهبت ثائرة على حزنها بثكلها بزوجها الذي تحبه لتمزق المستحيل بهمتها وصبرها (تقية ) التي صبرت اكثر من ثلاثين عاما زوجت بناتها الثلاث واطمأنت عليهن ولم تتركهن حتى بعد زواجهن وكانت لهن ظهيرا في كل شيء فهي الاب والام والاخت والصديقة والاخ حتى صرن جسدا وروحا واحدة . تقية اه تقية من الذي دفعك الى هناك ؟ هناك حيث الموت ( تقية ) كانت قد ذهبت للآطمئنان على زوج ابنتها بعد حدوث الانفجار الاول في السوق حيث كان يعمل , بحثت عنه بقلبها الملهوف وكأن ذكريات زوجها قد تجلت امام عينيها والوجع المر الذي مر عليها كل تلك السنين العجاف . لم تعلم ان هنالك وغداً اخر كان لها بالمرصاد , انفجرت السيارة على مسافة منها ووصل اليها لهب الانفجار واشعلت النيران عباءتها وثيابها , احترقت تقية من اللهب واخذت تركض والنار تلهبها وهي تصرخ تصرخ استروني ! استروني ! تقية لم تكن تتألم مما اصاب جسدها الطاهر , تقية كانت تبكي وهي مشتعلة ؟ كانت حتى في تلك اللحظات التي تشوه فيها جسدها عفيفة بطلبها ان يستروها!
سقطت تقية وكأن صراخها لم يكن بينه وبين رب الستر حجاب , ففاضت روحها الطاهرة راحلة الى ربها راضية مرضية , كأن البرزخ حملها على ظهره مواريا اياها ليس في لحد بل في ثغر مبتسم .
عبد الحسين جاسم العيساوي – الحلة
























