فن التعايش مع الآخرين.. التعامل الإيجابي

فن التعايش مع الآخرين.. التعامل الإيجابي

 كلما كان التعامل مع الآخرين وفق معايير صحيحة ورؤى عقلية ووجدانية سليمة كلما كان التعايش أكثر نجاحاً والحياة أكثر سلامة  وكلما كان التعامل مع الآخرين وفق معايير خاطئة ومتخلفة عقلياً واجتماعياً وذات طابع عنصري أو قومي أو ديني أو تعصب سلبي ووفق رغبات صادرة عن ميول متحجرة كلما كان التعايش أكثر فوضى وتفككا وعميق الفشل  نحن في عالم من أصوله الاختلاف والتباين ونمو التفاضل والتفاوت لحكمةً عظيمة تحمل أهدافاً كثيرة وفيها اختبار لإنسانيتنا كل شيء يختلف تماماً في هذا العالم سواء كان في داخل كيان البشر أو في باقي كيانات الخلق  وإذا نظرنا إلى كيان البشر باعتباره جزءاً من مخلوقات هذا العالم وباعتباره الكيان الذي يخص هذا الموضوع لوجدنا قانون الاختلاف هو السائد في هذا الكيان  ففيه أشكال وأجناس وألوان ومراتب ومستويات واديان وافكار واقوام فهذا الخلق فيه الذكر والأنثى والأبيض والأسود والجميل والقبيح والعربي والكُردي والغربي والشرقي واللاديني والديني والمشرك والموحد الصابئي والمسلم واليهودي والنصراني وغيرهم وفي كل واحد منها تجد طوائف عدة ومدارس ومناهج عدة وهكذا الكثير من الأمور المختلفة في هذا الكيان الذي يختلف أفراده كما قلنا في الجنس واللون والشكل والفكر والعقيدة والانتماء والقومية ومستوى الذكاء.إذن كيف سيكون تعاملنا مع الآخرين؟ هل هو وفق معيار الجنس أي الذكر يحسن التعامل مع الذكر فقط والأنثى تحسن التعامل مع الأنثى فقط ؟

فهذا المعيار خاطئ لأنه يورث الكثير من المشاكل التي تؤدي إلى انفكاك المجتمع حيث ينتج تفكك الأسرة وتوقف مشاريع الزواج وتعطل عمل المؤسسات التي يعمل فيها كادر من الجنسين أو في مجالات البحث والتعليم والعمل وباقي الميادين الاخرى من ميادين الحياة وفق هذا المعيار الخاطئ  أم يكون تعاملنا مع الآخرين وفق القومية أو القبلية أي أن أحسن التعامل مع قومي وأفراد قبيلتي وشعبي فقط وأسيئ التعامل مع غيرهم وهذا أيضاً معيار متخلف وبائس و يؤدي إلى مشاكل كثيرة وخلافات بين الشعوب وانعدام التعايش السلمي وصعوبة العمل بين قومية أخرى وغيرها من المشاكل  إذن لا يمكن أن يكون المعيار الأمثل في التعامل مع الآخرين هو الجنس لما يترتب عليه مشاكل كبيرة  وأيضا لا يمكن أن يكون معيار القومية والانتماء هو الأمثل في التعامل مع الآخرين وأكد ذلك الإله في قوله (يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) (الحجرات :13)أم يكون تعاملنا مع الآخرين وفق الديانة أو العقيدة أي أن أحسن التعامل مع من يؤمن بديني وعقيدتي فقط وأسيئ التعامل مع من يؤمن بدين آخر  وهذا من المعايير الفقيرة أيضاً في فن التعامل مع الآخرين في هذه الحياة وخاصةً في المجتمعات التي تتنوع فيها الأديان والمعتقدات فإن حسن التعامل مع معتنقي الديانات الأخرى او اللادينيين او ذي العقائد الباطلة في نظر ديانة احدنا لا يعني إنك تنازلت عن معتقداتك وآمنت بديانتهِ ولا يعني أنك راضٍ بإعتقادته ومؤيداً لأفكاره بل يعني انك تتعامل مع الآخرين بلغة الإنسانية وتعايشك مع الآخر أو حوارك معه وغيرها من صور التعامل على أساس إنسانيتهِ وأخلاقهِ الاجتماعية سواء كان في العمل أو في الدراسة أو في أي مجال وموقف أخر لا على أساس ما يعتقد به وما يؤمن به فالتعايش السليم يتطلب معاملة جيدة وإنسانية بين الجميع بغض النظر عن جنسه ولونه وشكله وعقيدته وفكره وقوميته وانتمائه ما دآمت صفاتهِ لا تساهم في تشويه الحياة فلغة الإنسانية هي اللغة الوحيدة التي تستطيع التكلم بها مع أكثر الخلق بمختلف أشكالهم وأنواعهم وأجناسهم وقومياتهم ومعتقداتهم وأيضاً هي اللغة التي تستطيع من خلالها التكلم مع الإله عندما تفقد باقي اللغات قدرتها على ذلك.

فلا ينبغي لنا أن نسيء التعامل مع الحاكم العادل في إدارة البلاد والذي يسعى في قضاء حوائج الرعية ويسعى لتقديم أفضل الخدمات لشعبه لأنه لا يعتقد بعقائدنا ولا يؤمن بأفكارنا وفي المقابل نحسن التعامل مع الحاكم الجائر والظالم لرعيته والسارق لحقوقهم لأنه يعتقد بعقائدنا ومن أبناء قوميتنا فهذا جهل فكري وتخلف  وقد جاء في الحديث(كافر عادل خير من مسلم جائر) وقد بيّن الحكيم والمعلم علي بن أبي طالب (ع) في حكمته العظيمة أساليب التعامل مع الناس وجعلهم صنفان (أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق) ومن هنا علينا أن نحسن التعامل مع الآخرين ليس مع جنسنا فقط أو الذين يؤمنون بديانتنا فقط أو الذين ينتمون إلى قوميتنا أو قبيلتنا أنما مع جميع البشر بمختلف قومياتهم ومعتقداتهم وباختلاف المستويات والأساليب  والقراءة التي تلائم المخاطب لأن التعامل السليم يساعد على بناء مجتمع متماسك وسليم .

حسن هادي الطائي- الديوانية