حديث النفس

حديث النفس

 قيس مجيد علي

أَمِن جراحِكَ تَدْمى غيرَ معتبِرِ

أمْ مِنْ نزيفِ دمٍ في كلِّ مُصْطَبَرِ

أم من عيونِهمُ إذ حشَّدوا زمناً

ابناءَهم حَطَباً للحرب .. والحفرِ

أم مِنْ مساراتِهم في كلِّ خابيةٍ

أمْ مِنْ بقايا هوى يُبقيكَ للسحرِ

أَوقدْ لعزمِكَ درباً أنتَ تعرفهُ

ما نال مَنْ يبتغي أمراً بلا وَجَرِ

السابقون هنا ساروا بلا كللٍ

فما اعاقَهمُ شيءٌ على السفرِ

جدّدْ خطاكَ فما يُجدي السكونُ إلى

همٍّ وقد وضحَتْ أوراقُ مقتدرِ

أنتَ الذي تأخذُ الاشياءُ وجهتَها

منكَ ولا تستحي من وِردِها الكِدرِ

هذا زمانُكَ لا يُعطيكَ وجهتَهم

كم مرةً عبرت أوصاكَ بالحذرِ

كانوا إذا طلعتْ من بينِهمْ سَحرٌ

قاموا لها طرباً من غير ما ظَفَرِ

هوِّنْ عليكَ أخا الأحزانِ ما عرفتْ

أوجاعُهم أبداً اصلاحَ منكسرِ

فهل ترى لقساةِ القلبِ منتجعاً

وهل ترى لبريءٍ رحمةَ القدرِ

أيُّ الأَخلاءِ في دربِ العلا عجزتْ

عيونُه للهوى ترنو الى الأُخرِ

لا تشترِ الَهمَّ أوجاعاً منغّصةً

فكلُّ ليلٍ سرى يأتيك بالخبرِ

قيسُ الهوى وجميلُ العشقِ أَينَ همُ

قد ضيَّعوا عمرَهم ناهيكَ عن عُمَرِ

فما جَنَوا من ثمارِ الحُبِّ غيرَ لَظىً

يكوي الضلوعَ وليلٍ غيرِ منحسِرِ

أطلقْ عيونَكَ كلُّ الكونِ امرأةٌ

فما يفرّقُ من هندٍ ومن سحرِ

هذي الحياةُ لها طعمٌ فأن سنحتْ

لعاثرٍ .. غافلٍ .. اعطت بلا نظرِ

خذْ من جمالِ فراشاتٍ تَنقُّلَها

واحكمْ على مَهَلٍ ما دمتَ في الأُطرِ

فكم تساوى أسىً في كلِّ نازلةٍ

وباتَ يندبُ من اشلاءِ مندثرِ

إِنَّ السماءَ لها للأرضِ مكرمةٌ

فقد تَمنُّ عليها نزلةَ المطرِ

فَمَنِّ قلبكَ بالأحلامِ أجملِها

وخلِّ عمرَكَ في بحبوحةِ السمرِ

هي الحكايا لها وجهٌ يداعبُنا

والشاطرُ اليومَ من يرقى الى الوترِ

ألقمْ جراحَكَ خيطاً تَسْتريحُ به

ودعْ نهارَكَ يُقبلْ مثلَ منهمرِ

ساومْ على الحزنِ أَيَّاماً منعَّمةً

كم مرةً خِلتَها مهدورةَ اليُسرِ

الحزنُ يا سيدي نارٌ ملهَّبةٌ

لا ترتضي خَمَداً ما دُمْتَ في خَدَرِ

أما ترى في جمالِ الكونِ مُتَّسعاً

فلْتسترحْ بحديثِ النفسِ من عِبَرِ