ألفاظ وتراكيب قرآنية في شعر السياب 2

ألفاظ وتراكيب قرآنية في شعر السياب  2

موطن آخر للإستلهام الديني

زاهد الحمزاوي

وفي موطن أخر من مواطن الاستلهام القرآني يتناول الشاعر جانباً من معاناة الإنسان من خلال تناول ظاهرة الظلم من بداياتها الأولى ،مستفيدا من الطرح الديني لأول ظلم وقع على وجه الأرض ،قصة ( قابيل وهابيل) أبني أدم (أبو البشر)

كما في قوله تعالى ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) ،وفق نسق صوري جسد فيه غريزة الشر عند الإنسان ،وبيًن وجهة نظره الإنسانية باعتباره جزءاُ من مجتمعه ،الا ان هناك دواعي اخرى دعته لإبراز مشاعره التي كانت تعتمل في داخله نتيجة الألم والمرض الذي حلً به في أيام حياته الأخيرة ،ويمكن ان تعد قضية إبراز تلك المشاعر بصورة شكوى هي دعاء ينتظر إنقاذه ممًا هو فيه من ألم ومرض ،فجعلَ رمزا للذي تخلى عنه ،فاستعان ( بقابيل ) ليكون رمزا للظلم الحاصل له ،ونجد ذلك في قصيدته ( سفر أيوب)

حيث قال :

ولولا الداء صارعت الطوى والبرد والظلماء

بعيدا عنك أشعر أنني قد ضعت في الزحمة

وبين نواجذ الفولاذ تمضغ أضلعي لقمة

يمر بي الورى متراكضين كأن على سفر

فهل أستوقف الخطوات ؟ أصرخ أيها الإنسان

أخي يا أنت يا قابيل خذ بيدي على الغمّة

لم يكتف الشاعر بعرض صورة للظلم مقتبسة من فكرة ( قابيل وهابيل ) ،بل توسع في فكرته ليصوّر هذه الحادثة بصورة دقيقة ،وهي قتل قابيل لأخيه هابيل ،حين تم سفك دمه بوحشية خالية من الرحمة ،وهو ينظر إلى دماء أخيه وهي تجري على الأرض،جسد الشاعر هذه المفاهيم في قصيدته ( قارئ الدم ) حيث قال :

من رؤية الدم وهو ينزف ثم يركد فالغبار

من تحته كفم الرضيع له اختلاج وافترار

أتخاف أن تطأ النبوءة مقلتيه والدمار

أتخاف منها أن تفرّ كأن سرب قطا يثار

فأنت مع هلع تخض إلى المشاش هو الدمار

إني خبرت الجوع يعصر من دمي ويمصّ مائي

وعرفت ما قلق الطريد يكاد كل فم ورائي

يعوي بها هو ذا وتوشك كل عين ألتقيها

أن يومض اسمي في قراراتها وجهلي بالدروب

ولست أسأل عابريها عن بعيد عن قريب

قابيل حدق في دماء أخيه أمس

وأنت يأخذك الدوار

ولم يكتف الشاعر بذكر مدلولات تلك القصة في قصيدة واحدة بل جعلها المنطلق الممثل للظلم ،ووظف السيًاب قصة قابيل وهابيل في قصيدة مع رمز مستعار آخر هو المسيح والصلب ورغم ان مفهوم الصلب ليس مفهما قرآنيا إلا ان المعنى بقي متماسكا ومعتبرا لدى أي مستوى من القراء وتلك من خصال السياب ان تكون مصادر رموزه مختلفة وموحدة في قصيدته. والقصيدة تتكلم عن ظلم الإنسان لأخيه وموضوعها الأساس هو الكم الهائل من النازحين واللاجئين الذين هجروا من ديارهم وأوطانهم ليستبدلوا بآخرين وكانت قصة هابيل وقابيل ملائمة للموضوع ,

فقال الشاعر في قصيدته ( قافلة الضياع ) :

أرأيت قافلة الضّياع ؟ أما رأيت النازحين

الحاملين على الكواهل من مجاعات السنين

آثام كل الخاطئين

النازفين بلا دماء

السائرين إلى وراء

كي يدفنوا هابيل وهو على الصليب ركام طين

قابيل أين أخوك أين أخوك

جمعت السماء

آمادها لتصيح كورت النجوم إلى نداء

قابيل أين أخوك

يرقد في خيام اللاجئين

السل يوهن ساعديه و جئته أنا بالدواء

بقاء الظلم

وفي قصيدة ( تسديد الحساب ) والتي خرج الشاعر فيها بنتيجة وهو بقاء الظلم في المجتمع بذكره ( قابيل ) ،وهو بذلك يشعر باليأس على الرغم من استمرار صراخه ونداءاته المتعددة ويسلم ان الشر هو أمر يبدو انه باق بقاء البشر وان تعددت أساليبه وتغيرت أسلحته وتجملت إشكاله فقال في قصيدته :

قابيل باق وان صارت حجارته

سيفا وإن عاد نارا سيفه الخذم

وردها بي لما قاضاه بارئه

عن خلقه تمردت باسمه الأمم

وكاد يرجع للدنيا بشاشتها

ما قربته الضحايا وهي تبتسم

مشى على الأرض خلق عاش في دمه

من وحشها في المخاض الأول الضرم

وكأنه عدً قابيل المنبع والأساس لبداية الظلم ،وبذلك فأن رمز الشر الذي تمثل بقابيل هو أساس البلاء والمرض الذي أصاب البشرية وهذا ما كان واضحا في قصيدة (قالوا لأيوب ) حيث تعد استكمالا لقصة ( قابيل وهابيل ) فقال:

قالوا لأيوب جفاك الإله

فقال لا يجفو

من شدّ بالإيمان لا قبضتاه

ترخى ولا أجفانه تغفو

قالوا له والداء من ذا رماه

في جسمك الواهي و من ثبّته

قال هو التفكير عما جناه

قابيل و الشاري سدى جنّت

سيهزم الداء غدا أغفو

قصص الصراع

ثمة قصة آخرى من قصصِ الصراع بين الخير والشر استعان بها السيًاب ليصوغ منها قصيدة وفق قالب قصصي ،ذلك القالب الذي يمنحه القدرة والقابلية على التواصل في الخلق الإبداعي ،وهنا يجعل من قصة ( يأجوج ومأجوج ) المحور الأساسي لفكرته ،حيث ذُكرتْ القصة في القرآن مرتين ،في قوله تعالى ( يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ،قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ) ,{ حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ) ،وهذه القصة معروفة ،فأشخاصها ( ذو القرنين ) و (يأجوج ومأجوج )،و قصتهما مع ( ذي القرنين) التي كانت بمثابة خطاب للرسول ( صلى الله عليه واله ) عندما سأله اليهود عنهم ،فكان الجواب من الله تعالى ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ،إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ،فَأَتْبَعَ سَبَبًا ) ،وقد أضيفت لهذه القصة الكثير من الخرافات والأساطير ،فذكر السيًاب هذه القصة في قصيدته ( المومس العمياء ) قال :

من خفق أقدام السكارى،كالأسير وراء سور

يصغي إلى قرع الطبول يموت في الشفق المضاء.

هي والبغايا خلف سور،والسكارى خلف سور،

دميت أصابعهن : تحفر و الحجارة لا تلين،

والسور يمضغهن ثم يقيئهن ركام طين:

وطلول مقبرة تضم رفات “”هابيل”” الجنين!

سور كهذان حدثوها عنه في قصص الطفولة :

“”يأجوج”” يغرز فيه ،من حنق أظافره الطويلة

و يعض جندله الأصم،وكف “”مأجوج”” الثقيلة

تهوي،كأعنف ما تكون على جلامده الضخام.

والسور باق لا يثل… وسوف يبقي ألف عام،

الطفل شاب وسورها هي ما يزال كما رآه

من قبل يأجوج البرايا توأم هو للسعير!

لصالح جارة من منازل في السهول وفي الجبال

يتواثب الأطفال في غرفاتها ويكركرون…أراد الشاعر أن يقول من خلال عرضه لهذه القصة بيان لظاهرة الفساد والظلم الذي تمثل ( بيأجوج ومأجوج) ،وقد رمز لذلك بالسور الذي يمثل القوة والصلابة ،والذي لم يتمكن يأجوج ومأجوج من ثقبه بأظلافهم وأنيابهم وقد أصبح هذا السور رمزا للصلابة والقوّة عند السيّاب ،ذلك السور الذي لم يتمكّن يأجوج ومأجوج من ثقبه بأظفارهم وأنيابهم ،وهذا يعني بقاء الظلم في المجتمع ،وقد توسعت الفكرة عند الشاعر بهذه الرموز فجعلها عنوانا لنقد الظالم والظلم المتفشي في المجتمع .

وفي نهاية قصة ( يأجوج ومأجوج ) ،يلمح الشاعر لأمل منشود يغير من الواقع المظلم ،ولعل الشاعر هنا يريد ان يُذَكر ( بوعد الله القادم ) ،فجعل ولادة ذلك الطفل كأنًه أمل بتخلص البشرية من الظلم ،وهو لابد من حصوله ،حيث قال الشاعر في قصيدته ( قافلة الضياع ) :

والسور باق لا يثل وسوف يبقى ألف عام

لكن ( إن شاء الإله )

طفلاً كذلك سمياه

سيهب ذا تضحى ويقلع ذلك السور الكبير

وهي إشارة قرآنية بحته من قبل الشاعر تجسد حلول ذلك اليوم ،الذي يتحطم فيه ذلك السور ( سور الظلم ) ،وهذا مانجده في قوله تعالى ( قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ).

وفي موضع آخر عطف الشاعر إلى تضمين الأماكن وهو يذكر مدينة (بابل) ،تلك المدينة التي ذكرها القران في قصة ( هاروت وماروت ) ،الساحران اللذان كانا يعلمان السحر الذي يفرق بين المرء وزوجه ،فهو أراد من ذلك أن يطغي طابع الغضب والويل ،وما يحمله المرء من ضغينة وحقد ،وجسد ذلك بليله وحزنه ،وذكر ذلك في قصيدته ( المومس العمياء ) التي قال فيها :

الليل يطبق مرة أخرى،فتشربه المدينه

والعابرون،إلى القرارة … مثل أغنية حزينه.

وتفتحت كأزاهر الدفلى ،مصابيح الطريق،

كعيون “”ميدوزا “”،تحجر كل قلب بالضغينه،

وكأنها نذر تبشر أهل “”بابل”” بالحريق

من أي غاب جاء هذا الليل ؟ من أي الكهوف

من أي وجر للذئاب؟

وهذا الشيء ذكره القران بمورد من موارد الشر في تلك المدينة في قوله تعالى ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَ مَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ منْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ } .

ونحن نتأمل البيئة التي شغلتْ فكر الشاعر وجعلت ذاكرته مملوءة بتلك الصور التي كان لها انطباعا واضحا في حياته والتي ترجمها ترجمة شعرية ،ومن تلك الصور ،صور النخيل الذي كان له أثر فعال في خلق عالم جمالي خلاب عند الشاعر ،فقد ذكر الشاعر ( النخيل ) ،ولم يذكرها متذكرا بيئته فقط بل ضمنها قصة قرآنية وهي ( قصة مريم ) ( عليها السلام ) ،والتي ذُكرتْ قصتها بالقران في قوله تعالى { فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَت يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ،فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ،وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ),والتي كانت الثمرة تلك القصة هي ولادة نبي الله عيسى (عليه السلام ) ،وقد تناولها الشاعر في قصيدته ( شناشيل ابنة الجلبي ) وفق اطار قصصي قرآني جسد فيه واقع مرت به مريم ( عليها السلام ) مقارنا ذلك الواقع بواقعه ،فيقول فيها :

تكلله الفقائع ،عاد أخضر ،عاد أسمر غص

بالأنعام واللهف

وتحت النخل حيث تظل تمطر كلما سعفه

تراقصت الفقائع وهي تفجر إنه الرطب

تساقط في يد العذراء وهي تهز في لهفه

بجذع النخلة الفرعاء تاج وليدك الأنوار لا الذهب

وقد ضمن تلك القصة في قصيدته للفكرة التي جاءت في النص القرآني ،وكيف وصف تساقط ( الرطب ) من تلك النخلة التي قامت العذراء بهزها (إنه الرطب تساقط في يد العذراء) ،وبعدها تحققت الولادة الميمونة لنبي الله عيسى (عليه السلام ) . هذه الصورة بكل إيحاءاتها الجميلة والتي استخدمت من قبل شعراء عرب كثيرين قبل السياب استخدمها السياب بخصوصية سيابية مميزة ،قارن فيها الثمرة التي جنتها السيد العذراء من ذلك الفعل ،وانًه لم يجنِ شيئا من فعله

وفي قصيدته ( أرم ذات العماد ) قال :

أنت من المقابر الغريبة

أحس في الصدى

برودة الردى

أشم فيه عفن الزمان والعوالم العجيبة

من ارم وعاد

وحين كل ساعدي

وملني الوقوف في الظلام

كناسك كعابد

يرفضه الإله في معبده يظل لا ينام

ولا يريد الماء والطعام

( عاد — أرم ذات العماد ) ،وهذه الالفاظ والقصة قد وردت في القران في قوله تعالى ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ،ارم ذَاتِ الْعِمَادِ)

فقد جعل الشاعر لفظة ( ارم وعاد ) رمز ( للعفن ) ،وهو يغوص في الماضي ويحن إليه . وهذا الاتجاه الى الغوص في الماضي هو جانب استذكار عند الشاعر لتلك الصور القديمة في حياته .

وفي موضع أخر أستثمر الشاعر الخطاب القرآني لنبي الله ( أدم ) ،ووصيا الله تعالى له بأن يكون بعيدا عن تلك الشجرة التي سببت له الخروج من النعيم ،حيث قال الله تعالى ( وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ،فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) وذكر الخطاب ذلك في قصيدته التي عنونها الشاعر باسم : ( المومس العمياء ) ،فقال :

سيحل من ذاك الجبين به و يلحق بالبنين –

والساعدين الأبيضين ،كما تنور في السهول

تفاحة عذراء ،سوف يطوقان مع السنين

كالحيتين ،خصور آلاف الرجال المتعبين

الخارجين خروج آدم ،من نعيم في الحقول

تفاحة الدم والرغيف وجرعتان من الكحول

والحية الرقطاء ظل من سياط الظالمين

أتريد من هذا الحطام الآدمي المستباح

دفء الربيع وفرحة الحمل الغرير مع الصباح

فقد وظًف الشاعر دلالات تلك القصة وتلك الشجرة وثمارها توظيفا جعله يجسد المدلولات القرآنية بشكل واضح وصريح ونجد في منهجية السيًاب اللفظية رغم استعماله لألفاظ من القران الكريم والتقارب الحاصل بين الفكرة الموجودة في القران من حيث صياغة الجمل وبين ما كتبه السيًاب ،اتجاه قصصي واضح لصوغ أفكاره ،ليصل الى نتيجة بعد الخطاب الذي كان من الله لأدم ( عليه السلام ) .

ونجد في الخطاب القرآني لنبي الله آدم ( عليه السلام ) تسلسلا ،ويعدُ هذا التسلسل من صفات القصص التي كانت واضحة في الإطار القرآني . فالقرآن تناول نتيجة فعل ( آدم ) عليه السلام بقوله تعالى ( فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَ الشجرة بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَ الشجرة وَ أَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ)،وعلى هذا النحو و الاتجاه ،قال السيًاب في قصيدته ( ظلال الحب ) وهو يجسد معنى معاني الإغواء والنتيجة التي حصلت منه من كشف سوآتهما فقال:

يا زهرة التفاح هلا

تخبرين عن الجنان

يوما ستفز بها الهوى

قلبين باتا يخفقان

اروي لنا نبأ ( الطريد )

فأنت راوية الزمان

أغوته ( حواء ) فمد

يديه نحو الأفعوان

ثم ريح رمه الإله

عليهما ويحللان

ذاقا فكانا ظالمين

فكيف يجزي الظالمان

وبدا الموارى منهما

فإذا هنالك سوءتان

وعليهما طفقا من الورق

المهدل يخصفان

يا بؤس من فضح الإله

ولم يزده سوى الهوان

في الجملتين اللتين صاغهما السيًاب وهو يقول ( وبدا الموارى منهما فاذا هناك سوءتان —- وعليهما طفقا من الورق المهدل يخصفان ) مأخوذتان من فكرة آدم أبو البشر( عليه السلام ) وحواره مع القدرة الإلهية وكيف إنً الشيطان أغواه وأخرجه من جنة الخلد ,و هذا يعدُ من جمال الصياغات النحوية القرآنية عند الشاعر السيًاب،من خلال تطابق فكرته وصياغاته مع قالب القرآن الكريم وأفكاره . وهو بذلك يجسد تلك الصورة القرآنية بشكل قصصي كما جسدها القران ،نعم ،فقد استعان بألفاظ القصة من دون الرجوع الى الفاظ الآية القرآنية ،فوجد التشابه والتجسيد في نقل الصورة ،وأعطى للرجال الخارجين من تلك الحقول صفتين ( التعب ) و ( والخروج من النعيم ) ،ولعل كلا الصفتين تجسدا في أدم ( عليه السلام) ،وان كان التعب الذي أصاب أدم هو التعب المعنوي والندم لما أصابه .

إنً استمداد الشاعر لأفكاره من القرآن يدلُ على أنً السًياب في كتابة قصائده أستثمر المنجز التراثي الديني ،والذي جعله الرصيد الذي يعتمد عليه ،ونجد ذلك ونحن نتمعن في اللغة التي استعملها السًياب وكيف أنًه انتقى لبيان فكرة قصيدته بقالب فكري .

مرة آخرة يكون اللفظ القرآني هو الوارد بين طيات قصيدته ،وما أكثر ما يضمن الشاعر تراكيب كما نجد ذلك في

قصيدة ( قافلة الضياع ) :

السل يوهن ساعديه و جئته أنا بالدواء

والجوع لعنة آدم الأولى وإرث الهالكين

ساواه و الحيوان ثم رماه أسفل سافلين

ورفعته أنا بالرغيف من الحضيض إلى العلاء

الليل يجهض والسفائن مثقلات بالغزاة

بالفاتحين من اليهود

ففي تركيب جملة ( أسفل سافلين ) التي كرسها كنتاج لفكرة أدم ،وكأنه يصور فكرة انحطاط الإنسان ورجوعه الى الدرجات الدنيا بقوله هذا ،وهذه الفكرة التي استعان بها الشاعر في بين ان فكرته نجدها في القران الكريم فيقوله (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ) .

وفي قصيدة ( جيكور والمدينة ) :

فمن يَفجُرُ الماء منها عيونا لتُبْني قُرانا عليها؟

ومن يُرْجِعُ الله يوما إليها؟

وفي الليل .. فِرْدَوْسِها المستعارِ

إذا عرَّش الصخرُ فيها غُصُونَه

ورصَّ المصابيحَ تفاحَ نارِ

ضمن الشاعر بطريقة استفهامية تفجر العيون بالماء بقوله (فمن يَفجُرُ الماء منها عيونا لتُبْني قُرانا عليها ) ،وهذا المضمون قد جاء في قوله تعالى ( وَإِذِا سْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَا كَالْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) ،واستعمال الشاعر لما فعله موسى ( عليه السلام ) في الصخرة التي ضربها بعصاه فانفجرت منه أثنتا عشرة عينا ،فكانت تلك الصورة عكسية.

صخرة مدينة

فهو يسأل عمًن يفجر صخرة مدينته التي لا تجود بشيء ،ولذا فإن الشاعر يتساءل في حسرة يائسة ” فمن يفجر الماء منها لنبني قرانا عليها ؟ . ومن يرجع الله يوما إليها ؟ ،ولعله الاستعمال السيًابي لتلك الفكرة العكسية كانت بصورة خفية وكأنًه يتحدث بينه وبين نفسه عن بعض الامور العميقة التي أحاطت بنفس السياب وولدت له اليأس من خلال بقاء تلك الصخرة في ذلك المكان ،لتمنع تحقق الأمل المنشود عند الشاعر ،فأراد شخصا مثل ( موسى ) يقلع تلك الصخرة التي لا نفع منها . قصيدة الشاعر السياب التي عنونت باسم ( أهواء ) مع ما فيها من الفاظ رائعة جسدت فكرة الشاعر ،إلا إننا نجد صفة (الأفول) التي أستعملها الشاعر وهي بمعنى بزوغ الشيء ثم اختفاءه، ولكن الشاعر أعطى صفة للهوى بقوله (إنً الهوى لن يموتَ ) ،وبين ( أن بعض الهوى يأفل ) وهذا تجسيد لظاهرة الظهور والاختفاء عند الشاعر ،ولعله أخذ تلك الفكرة من أفول الشمس والقمر والكواكب في قصة نبي الله إبراهيم (عليه السلام ) في حواريته مع نفسه لمعرفة الرشاد وطريق الصواب ،كمافي قوله تعالى ( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ،فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ،فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ). فنجد رغم استعارة الفكرة من القرآن ،كما في قول السيًاب ( كما تأفل الأنجم الساهرات ) ،فمرة نجد الشاعر يستعين باللفظة وتكون تلك اللفظة من الفاظ القران ،ومرة اخرى يستعين بالفكرة ليجسد ما يريده وهذه قصيدته

( أهواء ) مثال لذلك :

وهيهات إنً الهوى لن يموت

ولكنً بعض الهوى يأفل

كما تأفل الانجم الساهرات

كما يغرب الناظر المسبل

ولم يكتفي الشاعر بأن يذكر حالة ( الأفول ) في قصيدة واحدة بل ذكرها في قصيدته ( سوف أمضي ) فيقول :

سوف أمضي أسمع الريح تناديني بعيدا

في ظلام الغابة اللفاء والطريق الطويل

يتمطى والذئب يعوي و الافول

يسرق النجم كما تسرق روحي مقلتاك

وهنا أستعمل لفظ ( الأفول ) ولكن مر عليه مرورا عابرا وكأنه صفة من صفات التي أستعملها في طريقة الطويل في ظلام الغابة بعد ان أفلت الشمس عنها ،وهنا مقارنه بين ( سرقة الأفول للنجم ) ( وسرقة المقلة للروح ) وهذا شيء رائع جدا

جاء به الشاعر فهو تجسيد حسي لشيء مادي ،فالنجوم ظهورها وغروبها نحسس به ونراه ولكن لا نرى كيف تسرق .

جوانب روحية

المقلتان الروح ،فالجوانب الروحية وتجربة السياب تنقل لنا ذلك الوصف.وكذا في قصيدته ( سراب ) يستعمل نفس لفظة (الأفول ) وكأنًها ملازمة لذلك النجم الذي لعله يعني شيئا عند الشاعر بدر شاكر السيًاب ،ولعله هنالك حقيقة مخفية في حياة السيًاب تظهر وتختفي بين الحين والحين ،أو لعلها بقايا حب قديم في حياته لا يستطيع أن يغادره،فمهما أفل ذلك الحب بزغ من جديد رغم ضعفه لكنًه بقي في روح السياب يتجدد بين فترة واخرى ،فهو يقول في قصيدته (سراب) :

بقايا في القافلة

تنير لها نجمة أفله

طريق الفناء

وتؤنسها بالغناء

شفاه ضماء

كثيرًا ما نقع على كلمات في شعر السياب توحي لنا بتأثره واستفادته من الموروث العربي ،ولكن للقرآن آثر أعمق من غيره فهو في كيانه،وان كان الشاعر في أحيان أخرى يجري تغيرا عن الأصل ولا يستعين باللفظ بل بالفكرة ،ورغم كل ذلك تبقى المعاني الغائرة في فكر الشاعر ونفسه له بروز وظهور على واقع قصيدته وقد كان لأشخاص القصة القرآنية دور فعال بل أساس في بناءها ،لذلك بقيت هذه الفكرة متجسدة بشكل واضح في قصائد الشاعر ،فهو يستلهم من قصص الأنبياء العبرة والمنفعة بل عدًها شاهد لبعض موارد الظلم والعدل في الحياة ،فهو يذكر نبي الله أيوب (عليه السلام ) وقصته بأطار قصصي يضمن فيه ما حصل له في قول في قصيدته ( سفر أيوب ) :

يا ربّ أيوب قد أعيا به الداء

في غربة دونما مال ولا سكن

يدعوك في الدّجن

يدعوك في ظلموت الموت أعباء

وهذا المعنى قد جسده القران بصورة جلًيه وواضحة في قوله تعالى (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين) 1) ) وكذلك قوله تعالى (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَ عَذَابٍ —،فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ).وهذه المضامين القرآنية التي استخدمها الشاعر متمكنة من نفسه ،طرحها بأسلوب أدبي ،وظاهرة الشعور بالظلم ترسخت لدى الشاعر في موارد عديدة وخاصة ظلم عائلته التي قد ظلمتها قوى الإقطاع التي استغلت أهله و أملاكهم ،وان الإحساس بالظلم من أصعب الأشياء التي تسحق الإنسان ،وان الإحساس بالانسحاق يولّد الانفجار ،فكان الشاعر مسحوقا بأبويه و مسحوقا باسرته ومسحوقا بشكله الذي كان يؤذيه كــــــــــلما وجد نفسه امام المرآة .. كان لا يتخلص من تعليقات هذا او ذاك.