صباح الملصقات
عبد الستار ابراهيم
مذ الصباح الباكر ، عم ( هواء الشرجي ) الأرجاء .. وما أن إنتصف النهار اوكاد حتى كانت الرؤوس قد داخت ، وأغشى الغبار المصاحب للهواء المدّوم العيون .. وما لبث أن تحول الهواء الى رياح قوية ، شرعت تكنس أمامها ما حفلت به الشوارع والمنعطفات من نثار نفايات ، وصحف مهملة ، وخرق كانت بعض النسوة قد أستخدمتها لأحتواء دم الدورة الشهرية .. وأستحالت الريح بعد ساعة الى عاصفة شديدة ، جعلت تقلع سقوف بسطات باعة الفاكهة والخضروات في ( سوق الأزرملي ) العتيق .
الذين لم تعصمهم حيطان البيوتات المحاذية للسوق .. الآيلة للإنهيار أصلا ، أو جدران البنايات والفنادق الواطئة ذات الغرف النتنة في محيط ( علاوي الحلة ) وفي لجة الفوضى أطلق أحد الفتيان نداءه بعجالة : يا أولاد .. موظفو الأمانة _ تساعدهم الريح _ في طريقهم لرفع الملصقات الإنتخابية من الأعمدة والجدران .
كانت هذه صيحة كافية لأن يترك معظم الصبية من حمالين وبائعي ( أكياس النايلون ) رقعة السوق ، ليتلقفهم الشارع الرئيس الضاج بالدائخين وبطوابير السيارات المتراصة ، المتخوم بالعوارض الكونكريتية وبالملصقات والبوسترات وصور الدعاية الاخر التي مزقت الريح جلها .. الا القليل الذي بقي متشبثا باللاصق السيكوتيني الجاف ، مشرشبا مثل خرق بدلات كاكية لجنود قتلى ، تدلت جثامينهم الممزقة على أسلاك الأرض الحرام .
إنتشر الصبية شرقا وغربا .. على سهمين متضادين ، يجمعون ما يقع بين أيديهم وتحت أرجلهم من الملصقات يتقدمهم الصبي الأسرع ، ذاك النحيل مثل قصبة . لقد أستهوتهم اللعبة وجذبت أبصارهم الألوان البراقة للملصقات ، والصور التي حملت وجوه نسوة ورجالات بدت إمارات العافية جلية على محياهم وربما لفتت أنتباههم تلك الوعود المكتوبة بما نيشتات عريضة ، التي تقول أنها ستضمن ايجاد عوالم فردوسية لعباد الله كافة !
قطع الصبي الأسرع مسافة نصف الشارع قبل أقرانه ، وعلى بعد أمتار قليلة من سياج (المتحف الوطني ) المنكوب بسرقة جل محتوياته ، تعثرت خطاه بكيس جنفاص من النوع الذي اعد لأحتواء مادة رز زنة 50 كيلو غراماً، كانت الريح تسوطه أمامها . ألتقطه وراح يفتح فوهته مغالبا تيار الريح المعاكس ، وخاطبه : أتيت في الوقت المناسب . دس مجمل حصاده في جوف الكيس ، ثم رمى به على كتفه الناتئة .. أثناء ذلك حانت منه التفاتة الى واجهة سينما ( بغداد ) العالية وفوجيء بتهاوي البوستر الدعائي للفيلم : ( الرجل ذو القبضة الحديدية ) الى الأرض ( أية صدفة سعيدة ) سقط الأخير قبالة مدخل السينما التي كانت خالية من الرواد ومهجورة .. أندفع للفور محتويا البوستر على صدره _ كان كبيرا بقياس 3م* 3م تقريبا _ وجعل يطويه بخفة مغالبا العصف ، ثم وضعه تحت أبطه فبدا كما لو أنه يحمل نايا ورقيا طويلا . كان قد جمع الكثير من الملصقات التي صارت تعرقل حركته . وفكر أن عليه أن يكتفي بما جمعه وأن يعود أدراجه الى البيت ، فقد سطله صفير العاصفة وهده الجوع ، وكان خافقه لما يزل ينبض غبطة بصيده الثمين ( الرجل ذو .. ) هم خطاه فقد بدأ نثيث خفيف يتساقط .. ركض دون أن يلوي على شيء .
_ 2 _
لحظة دفع الصبي شبيه القصبة باب غرفة الاستقبال _ حيث يحلو لأمه الأرملة عادة أن تنام قيلولة ما بعد الظهيرة _ صّرت مصاريع اللوح الخشبي الصاجي ، بيد أن الأخيرة لم تحرك ساكنا . الفاها تدفن رأسها تحت طرف لحافها الجارد .. هي الأخرى دوخها : هواء الشرجي ، والريح القوية ، وصفير العاصفة . فلم تشعر بوجوده حتى وهو يرمي كيس حصاده على حصير الأرضية . وقبل أن يفتح كيسه أتجه صوب المطبخ وبعجالة تناول وهو واقف ما كانت قد هيأته أمه من طعام قليل ، في القدرين الصغيرين المنتصبين فوق عيون الطباخ الغازي المنطفئة . ثم عاد حثيثا الى كيسه .. فتحه وأفرغ ما في جوفه أمامه . فبهرته كمية الملصقات فلم يكن ليتصور أنه جمع أكثر من (150 ) ملصقا وبوسترا وصورة شخصية . بيد أن الذي أستحوذ على أهتمامه أكثر ، هو البوستر السينمائي الكبير . أختلطت الملصقات ببعضها في ما ظل البوستر متميزا عن جميع كدس الورق ، منطويا مثل ناي بثقبين حسب . جلس الآن يعاين الخليط أمامه لدقائق ووجد نفسه يتساءل بشيء من الحيرة : ولكن .. ما الصدفة العجيبة التي جمعت الرجل الحديدي بالمرشحين من ذوي الشراويل العريضة ، ومعتمري اليشامغ والعقال ، واولئك (الأفندية) لا بسي أربطة العنق المورّدة ؟! وما لبث أن أختلق جوابا : أنها العاصفة بالأكيد . )
ثم أختمرت فكرة في ذهنه .. أتى بمطرقة وخمسة مسامير صغيرة سود ، من تلك التي يصلحون بها كعوب الأحذية المهترئة ، وسحب كرسيا . صعد فوقه ثم افرد البوستر على عرض الحائط وسمره بالمسامير . ونزل مبتعدا قليلا متأملا المنظر عن بعد . أبتسم بإنتشاء ، فلقد تحول الحائط الآن الى ما يشبه واجهة السينما ، فها هوذا البطل السينمائي يشمل بصدره العريض ثلثي المساحة . تنفس بعمق وردد : هكذا سيكون الحائط أجمل وأبهج . بيد أنه تساءل في دواخله وهو يلقي نظرة على أمه النائمة : ولكن .. كيف سيكون شكل المفاجأة عندما تستيقظ ؟ وخالها تخرج رأسها المشعث من تحت اللحاف فتطالعها هيأة الرجل ذو القبضة الحديدية مباشرة ، وهو يفرد ذراعيه الغليظتين أمامها ، نافخا صدره العريض ، مادا قامته المديدة لتطاول سقف الغرفة .. يا ألهي ! ربما ستجفل ، أو تنبهر ، أو تشيع في صدرها الغبطة .. وربما ستتساءل : أيوجد حقا رجال بهذه الهيئات .. قامات تطاول الجدران وبمقدورها طي الحديد ، وكما توحي وقفة الرجل العملاق ؟!
وسيجيبها : أجل .. أجل يا أماه . أنه رامبو .. ألم تسمعي باسمه ؟
_ 3 _
حل المساء معتما ، وغمر الضباب ونثيث المطر الخارج . كان الصبي قد تمدد على فراش الأرضية ، مرخيا رأسه بين راحته على الوسادة ، وغط في سبات عميق بعد أن أشبع نهمه في تأمل تفاصيل حصاده الورقي . تململت أمه الآن وسط فراشها ، وقبل أن تخرج رأسها من دائرة الدفء ، تسألت : هل تغير مسار هواء الشرجي وولت العاصفة ؟ وهل عاد الولد من السوق ؟؟ وقبل أن تجد جوابا ما ، نضت طرف اللحاف عن وجهها ، فبانت سحنتها متغضنة بأجفان منتفخة . وطالعها على الفور الجدار الذي غطي ثلثاه بمساحة البوستر السينمائي وأرتسمت الدهشة على محياها للتو .. قطبت حاجبيها وتاهت لدقائق في تفسير الأمر وكيفية وجود هذا الرجل ذو القامة الفارعة ! سحبت نصفها الأعلى من الفراش وأتكأت على الجدار . كان اللحاف ما برح يغطي أسفل وسطها . التفتت ناحية اليمين فلاحظت أبنها طاويا بدنه النحيف تحت أغطيته .
في غضون ذلك تضاعفت حيرتها وهي ترى ركام الملصقات في الزاوية القريبة من الباب ولبثت أسيرة سكينتها وحيرتها ، مستمرة في أعتكافها تحت أغطيتها لحين . وبعد أن أستوعبت الأمر رثت شطحات أبنها ونزقه وعادت تنظر البوستر العريض بروية . دققت في المسامير الخمسة التي علق الاخير بواسطتها .. أربعة مسامير لأربعة زوايا ، أما الخامس _ وهذا ما جعلها وكأنها أمام لغز _ فقد ثبتته يد الصبي وسط جبهة الرجل العريضة (( لِمَ ؟ ربما لكي يلتصق باحكام على الجدار)) وافتر ثغرها عن إبتسامة واهنة . نهضت تحركت بتؤدة لنصف ساعة بين غرفتي النوم والمطبخ الصغيرتين ، وهيأت وجبة بسيطة خالية من الملح والدهون .. من ثم أيقظت أبنها داعية أياه مشاركتها وجبة العشاء . أخبرها الاخير وهو يغالب نعاسه ، بأنه ليس بجائع ولكنه مسطول بهدير العاصفة وركضة النهار ، وهو بحاجة الى إتمام غفوته . تركته لحاله ، بيد أنها تأملته لحظات مشفقة ، فيما عاد هو لإطلاق شخيره . تناولت وجبتها دون شهية ثم عادت تندس في فراشها (لا خيار .. أنه ليل الشتاء) تكثف البرد في الخارج. تمددت بطولها تحت الأغطية .. قبالة الرجل ذي الهيئة المتحدية . كانت نظرات الاخير تمتد الى الامام على شكل مستقيم .. غير محيدة ، موحية بشيء من الأدعاء الزائف ، الأعتداد المسرف بالنفس ، فيما كانت قبضتاه تلتمان على نفسيهما بوضع من يتهيأ لتوجيه لكمات الى عدو وهمي .
تسرب الدفء في مفاصلها . تقلبت لحين وقلّبت في رأسها أكداس الأفكار والذكريات ، فاحست أنها محمومة الجسد مثل كل ليلة ومنذ ثلاثة أعوام .. مذ شاءت مياه شريعة النواب العميقة أن تجر زوجها السماّك الى قاع النهر دون رجعة . أنصرم بعض الوقت . غفت .. ( هل غفت حقا ) وتجاوز الليل منتصفه .. ليل الشتاء الطويل ، وما لبثت أن أستيقظت نصف أيقاظة _ فقد أعتادت النوم المتقطع _ بل وجفاها النوم الآن .. وأذ هي كذلك أستشعرت أن ثمة من يرفع الغطاء من فوقها ليدس بجسده لصق جسدها . لم تهلع .. كانت خدرة حسب ، وتصورت أنها تحلم ( هل كانت تحلم حقا ) تمدد الجسد الغريب جوارها وما لبثت ذراعان أن طوقتاها بحنو وعذوبة ( كانت بحاجة الى الحنو والخدر والعذوبة ) وتهيأ لها بعد ثوان أن ثمة ساقان ضخمتان تلتفان على ساقيها .. و..
وتطور الأمر .. كل حركة باتت شبه محسوسة .. بغتة نضت طرف الغطاء عن رأسها ، ونقلّت نظراتها النعسة أمامها وحواليها ، وعلى ضوء الفانوس الشاحب _ فقد كان التيار الكهربائي غائبا _ كانت المفاجأة !! لم يعد الرجل المفتول العضلات معلقا على الجدار ! كان قد نزل من عليائه .. هابطا الى جوارها تاركا وراءه مساحة بيضاء خالية وخمسة مسامير مغروزة في الهواء .. كانت دهشة حسب ، بينما عم خدر شامل مفاصل بدنها أستسلمت لحلمها ( كانت تتصوره حلما أثيريا ) مستعيدة خلاله ذكرى ملامسات ومداعبات ، وصولات زوجها الذي غيبته أعماق شريعة النواب قبل أعوام ثلاثة.























