حول رواية الفطحل للكاتب العراقي زهير شليبة

حول رواية الفطحل للكاتب العراقي زهير شليبة
الصخب الأجوف وتقمص الظواهر الشعرية
إسماعيل غزالي
أنا كاطالوك ضخم من الشوائب تقول بطلة مسرحية يوليوس قيصر في حوار فيلم أنا وأورسن ويلز للمخرج ريتشاردلينكلايتر، الفيلم المستند إلى رواية بنفس العنوان للكاتب روبرت كابلو. يمكن تحوير هذه الجملة اللاذعة بصدد رواية الفطحل لزهير شليبة كالتالي أنا كاطالوك ضخم من الانسانية الجوفاء .
تلك هي الفكرة الحادة لكتاب الفطحل الذي يعنى بتوثيق سيرة رجل معتوه يراكم رصيدا هائلا من الأوهام الصفيقة اللاتتناسب ومقدرته الفكرية الساذجة والانعدام الكاسح لموهبته المفقودة.
رجل أبله هو نموذج شاسع لظاهرة من الشعراء الرديئين والمثقفين المعوزين معرفيا يضج بهم المشهد الأدبي محليا وكونيّا.
في الظاهر المعلن تبدو القصص الثلاث في كتاب الفطحل الاستباحة الكلب والسيدة القتيلة توزن تاك، امتدادا طبيعيا وموضوعيا لقصص مجموعة كوابيس المنفى عبر تيمة مركزية مشتركة هي الأحلام ، فتوحي بانفصالها عن المتن السردي الموالي الخاص برواية الفطحل محاكاة ساخرة .
اللحظة الاجتماعية
في المضمر الخفي تستبطن القصص الثلاث موضوعا رئيسا ممهدا لرواية الفطحل فيما يشبه مقدمة سردية تومئ بمسعى الرواية إلى تشخيص التكوين العراقي والقبض على اللحظة الاجتماعية الجوهرية. ثم تستطرد فتنوه بالأشياء الممحوة داخل فعل الكلام أو الأشياء المحتشدة ما وراء السرد كمبرر وظيفي لأسلوب الانقطاعات الحكائية المقصودة والقفزات والفراغات التي يزدهر بها النص ككل.
القصص الثلاث تلمع عبر خطاب إيمائي منذ البداية إلى نموذج الشخصية الفطحلية العراقية و العربية عموما المغتربة الموسومة بالفراغ الفادح، كظاهرة ثقافية سطحية واجتماعية مختلة ونفسية متوترة.
هذه الظاهرة تتمثلها شخصية الفطحل في المحاكاة الساخرة التي تلي القصص الثلاث، وهي عبارة عن متوالية سردية ترصد سيرة الشاعر الأجوف الملقب بالفطحل، عبر لوحات متعاقبة وحالات متواترة تتأرجح بين تجربته الكاريكاتورية في شمال أوروبا وذكرياته المؤرقة في العراق.
تكاد شخصية الفطحل هنا تحقق ما يسميه جيل دولوز بالشخصية المفهومية، فهي تذكرنا بشكل من الأشكال بأبله دوستوفسكي ويمكن أن ترقى لتصير استعارة حول الرجل الأجوف الذي يطمح للوصول بأسرع ما يكون عبر أدوار موهومة لكي يصنع لحظة تاريخية صاعقة دون أن تنز منه في طريق ذلك قطرة عرق واحدة. فالفطحل نموذج عملي للأحلام المتضخمة ذات البصمة الدونكيشوتية التي تستند إلى قاعدة هشة بل منعدمة أساسا.
الهوس بانجاز الشيء الفني العظيم انطلاقا من الفراغ المعرفي المهول والجهل الفاحش والبلادة الجسورة يغدو عند البعض هاجسا مرضيا وهستيريا فيتحول إلى ظاهرة مع طفوهم كطفيليات في النتاج الثقافي والسياسي والاجتماعي، بل وينجحون عبر وسائط في خلق أسمائهم الأدبية الوضيعة ويزحفون كفطريات على صفحات الجرائد والمجلات وشاشات التلفزيون الخ فيمارسون التمويه ويستوطنون الضوء العام ويؤثثون المشهد زعيقا عبر بهلوانيات لا تنطلي إلا على المجوفين مثلهم .
السمراء السومرية
الفطحل الذي كان مذموما خلقة وخلقا في العراق، سيحاول أن يبحث عن نموذج نقيض لشخصيته في أوروبا وتتحول مذماته إلى محاسن بقدرة قادر في البلاد الشقراء. فككل العراقيين الهاربين من جحيم الدكتاتورية وفوضى البلاد الأم، ينجح في أن يهاجر بذريعة إجراء عملية حول عينه العمياء ويخفي ذلك فيما يصرح بأنه يسافر من أجل الدراسة ببلغاريا ويطلق السمراء السومرية وبتزوج من بلغارية، ثم يسارع إلى ترجمة الشعر البلغاري ليلفت الانتباه وهو الذي لا يتكلم البلغارية أصلا، ثم يغادر بلغاريا ويختار له أما شمالية الخ…
و إذ تطغى السخرية اللاذعة لنبرة السارد وهو يدون حالات الفطحل المتعاقبة، فلا يعني هذا أن الخطاب يلتزم هنا بهذه النبرة الفاضحة التي تعري الشخصية بشكل مبرح يتخلق عنه نوع من الكوميديا السوداء وروح الدعابة الباروديا تحديدا . ففي ثنايا الخطاب يتوارى حس درامي ينتزع منا لحظة التعاطف مع هذه الشخصية على سبيل الشفقة انطلاقا من افصاح السرد عن الندوب والكدمات والجراح التي تتقعر ذاكرة ووجدان هذه الشخصية ذات النزوع المسالم. الشخصية المعرضة للهزء ذات الخلقة الاجتماعية المشوهة من الداخل.
فبحثا عن تجميل هذا التشوه الجواني تهافت الفطحل في البلاد الشمالية من أجل خلق مجد واهم عبر طرق وصولية وأساليب واهنة لم تكلفه حتى هدر قدر صغير جدا من الطاقة أو الجهد. وكان الطموح المتلهف هو تشييد رأسمال معنوي ضخم عبر قناع الشاعر وقناع المترجم وقناع المشرقي الذي يعود إلى البلاد مع زوجة شابة شقراء… ثم قناع المثقف الموسوعي الذي يفقه في كل شيء وقناع السياسي أخيرا فصل عودة الفطحل إلى ربوع الوطن الشامخ …
و لا تنجح أي من هذه الأقنعة في تلميع وجهه، فيظل لاهثا وراء تسلقاته الوضيعة وتلفيقاته المفضوحة وادعاءاته المكشوفة وترهاته الفاقعة الشبيهة بضراط في منام كابوسي إلى أن ينتهي نهاية مأساوية تضارب الشهادات حول سجنه من طرف الأمريكان واختفائه بقرية في بولونيا بعدما اغتصب من طرف عصابة الخ .
بعد المتواليات السردية، يفرد المؤلف ملحقا لأشعار الفطحل في مختتم الكتاب، بمنزلة ديوان للشاعر الفطحلي المدعو غوني الملاخ، وفيها يتقمص المؤلف ظواهر شعرية مما ينشر في الملاحق الثقافية والمجلات وعبرها يواصل السخرية اللاذعة من هذه القصائد الزائفة والساذجة ويبدع لها أشكالا تدعي العمق الأنطولوجي وخلق الأبعاد الرمزية والفلسفية موقعة في أكثر من مكان جغرافي للكرة الأرضية كجزيرة الواق واق بل وحتى الكواكب المجاورة كعطارد الخ.
هكذا يسلك المؤلف في رسم ملامح الشخصية الفطحلية ذات الصدى الروسي البعيد نيقولاي غوغول استراتيجية سردية قائمة على المتواليات الحكائية سواء المتعاقبة أو المبعثرة، وينجح في القبض على تلاوين النموذج الانساني الأجوف من زوايا مختلفة عبر لغة تنحاز للمحكي العراقي العامي دون أن تلغي الفصيح الرصين فيما يشبه تعالقا لغويا بحسب تعبير ميخائيل باختين . فمن جهة يبدو زهير شليبة كساخر كبير سخرية قائمة على المزج الحاذق بين علم الاجتماع وعلم النفس ، يرصد العالم من زاوية حادة مندلعا بالقهقهات التي تفخخ متن الكتاب من أوله حتى آخره. ومن جهة ثانية يتمرأى ناقدا للشعر وهو يتوجه بخطاب انتقادي مضمر وشجاع، معريا زيف الحداثة وانحطاط الذائقة.
و عبر الجهتين معا ينجح زهير شليبة في روايته بصنع كوميديا الهوائيين، موجها حزمة ضوئه الكاشف إلى منطقة البهلوانيين في مسرح اليومي، وفاضحا بكل أصالة جسورة وبسالة مرحة للصخب الأجوف الذي يعكر به الفطاحلة مزاج العصر.
ــ الفطحل محاكاة ساخرة ونصوص سردية مفتوحة . زهير شليبة. ط1. القاهرة. مركز الحضارة العربية للاعلام والنشر والدراسات، 2008.
AZP09