حق الرد
القراءة بين إعتلاء المقروء وإنكفاء القارئ – اضواء – نادية هناوي سعدون
فيما يلي مقالة ترد فيها الدكتــــورة نادية هنــــاوي على مقالة للناقـــــــد حيدر عبد الرضا، أملين من النقاد والكتاب الاخرين المشاركة في مناقشة المقالين المذكورين
نشرت جريدة الزمان الغراء في صفحتها الثقافية يوم الاثنين المصادف 21 ديسمبر 2015 مقالة بعنوان (قراءة لمنازع التجريب السردي في روايات جهاد مجيد لنادية هناوي) وانطلاقا من وظائفية البنية العنوانية يفترض ان يكون القائم بعملية القراءة على دراية ولا اقول بينة من ستراتيجة القراءة ليكون واعيا ازاء طبيعة المقروء وقادرا على فك الشفرات وملء الفراغات من مسلمة ان في كل مقروء ـ سواء أكان هذا المقروء نصا ادبيا أم كان نصيا نقديا ـ فجوات تتم عملية ردمها من خلال قارئ حصيف او على الاقل واع لما يقرأ عارفا بحيثيات القراءة التي لا تتجاوز وظائفياتها ان تكون وظائفية شارحة او وظائفية مفسرة او وظائفية تأويلية وهو ما اضطلع بادائه النقد الحداثي والنقد ما بعد الحداثي.. والغاية من وراء هذه الوظائفية ان يمتلك القارئ حيزا يجعل منه طرفا مركزيا في العملية النقدية ينتج ويضيف وليس مجرد مستهلك يتلقى بسلبية ويسقط افكاره بمشاعية لا تتحرز من طبيعة المقروء وخصوصياته.
وقد يسأل سائل ماذا عن وظائفية النقد القيمية او الحكمية من قبيل تصيد الهفوات وتبني الادعاءات فاقول انها ـ وكما يعرف ذلك النقاد المنهجيون ـ ما عادت تقر بها المدارس النقدية المتغايرة في رؤاها والمتباينة في فلسفاتها المعرفية والابستمولوجية .
وهذا التوصيف الوظائفي ما كان له ان يكون لولا ثورات لم تكن يسيرة او بسيطة قادها في الربع الاخير من القرن العشرين بعض البنيويين وغير البنيويين معلنين قيام عصر جديد هو عصر القارئ..والغريب حقا ان نجد في وقتنا الراهن هذا أناسا يتجاهلون هذا التثوير النقدي الهائل محاولين العودة بنا نقديا الى عصور القهر والاستلاب المصادر لكينونة القارئ المركزية مرجعين اياه الى عصر العبودية حين كان المؤلف يتسيد على القارئ وحين كان النص يفرض سطوته عليه فلا يمنحه حضورا فاعلا في العملية النقدية.
اقول هذا وانا اجد المقالة المشار اليها انفا تتبنى الوظائفية الحكمية التي كما قلنا عفت عليها مدارس النقد النصية وما بعد النصية لنقرا في السطر الاول( أن فعالية التكليف وإعادة التقويم في قراءة النصوص يجب أن يخضع لعملية مفهومية جدا) وهنا اتساءل اما علم الكاتب ان فعالية التكليف و إعادة التقويم ليستا من وظيفة النقد المعاصر عربيا وغربيا لاننا لو سلمنا بهذه الوظيفة لما استطاع القارئ ان يكشف( مستويين منفصلين في الخطاب الإجرائي ولم يدلنا على ذلك فعليا ) وهو ما صرّح به كاتب المقالة واوقع نفسه فيه ايضا للاسف.
ولكي يؤدي القارئ دوره المركزي فلا بد من ان يتجرد من نزعاته التاثرية ويتغاضى عن اسقاطاته الذاتية وان يجّهز ادوات تلائم المقروء بما يمنحه فرصة الظفر بما يبحث عنه سلبا او ايجابا لا ان يكون همه ان يعرض لامزجة انطباعية والتقاطات انية .
وهذا ما بان عنها كاتب المقالة قصدا او من دون قصد والا كان دلنا على ماهية ما سماه ( مرتكزات غير دقيقة في فعالية قراءة و تعريف المدروس الأبداعي في جل مراحل سياقيته الأسلوبية و البنائية) مع ان ادعاء عدم الدقة تفترض ان الدقة تحضر املاء قبل ان تحضر اجراء او تنظيرا ليكتب ما نصه (حاظنة إجرائية سليمة في معاينة) او (فكرة و مفهوم و سياق مرحلية التجريب)( زمن و مكان و حالات النصوص) او (لدى رؤية الباحثة) فالدقة الاملائية تردعنا عن الوقوع في خطأ كتابة كلمة (حاضنة ) او في العطف على اكثر من متضايف او في استعمال الظرفية المناسبة…
هذا جانب ومن جانب اخر ذي صلة بالدقة النقدية يتمثل في مشاعية استعمال العبارات باعتباطية وفوضوية تنم عن عدم قصدية في التعامل معها فهي لا تستعمل على اساس انها مصطلحات تنتمي الى حقول نقدية محددة ومخصصة بل على كونها مجرد كلمات مثل( استقرائية منهجية/ وأطر مفهومية/ الغرائبية و اللامألوف/ موضوعية المسعى الوظائفي..الخ)
ناهيك عن ورود عبارات غير محددة ولا دقيقة كانعكاس طبيعي لتواترية التداعي القرائي الاسقاطي الذي هو ادنى انواع القراءة بحسب تودوروف ومن ذلك مثلا لا حصرا ( واضح الكنية تحديدا / ماهية تجربة التجريب/ ثمة طرحية تنظيرية/ طبيعة توسعية/ فائقية حدود معرفة حساسية/ كشف سياقية عوالم روايات/ في الجانب الأقتراحي/ الى رقعة الخطاب / مصدريات و موارد علاقات/ تركيزية اداة/ مباحث فصول/ كمحطة بحثوية/تفاصيل مدلولية لا تمثل دليلا…الخ)
اما اشارة المقالة الى ان (القارئ لفضاء إجرائية هذا المبحث لربما لا يعثر على أتجاهية جادة في ممكنات العملية الإجرائية) فالسبب يعود ـ حتما لا افتراضا ـ الى عدم فاعلية ادوات هذا القارئ ـ كاتب المقالة المشار اليه اعلاه ـ التي خيبت افق توقعه وخذلته ولم تسعفه في التقاط مكامنها جاعلة منه متاسلبا ازاء المقروء وعاجزا عن فك مغاليقها ليجد ـ وبعد جهد جهيد ـ ( ان مباحث الكتاب تنصب حول فكرة منازع التجريب السردي ) فكان حاله كحال ذلك الذي فسر الماء بعد الجهد بالماء!!
وبديهيا تغدو الخلاصة التي خرج بها الكاتب مجرد اسقاطات افترضها افتراضا واقنع نفسه بها ولعل استدراكه بالقول: (غير انها كدراسة نقدية لم توفر لوعي القارىء سوى المزيد من تراكمية الجزء الأكبر من الدليل النظري ) امر طبيعي لقارئ لم يسعفه وعيه في ادراك التمفصلات الجزئية فكيف له ان يعينه على ادراك التموضعات التراكمية الكلية ؟ !!
ومما لا شك فيه ان النصوص الجيدة تفرض نفسها على القراء فرضا وبغض النظر عن زمانيتها ومكانيتها ولو اننا كقراء حاولنا التملص مما يفرضه علينا وعينا الذاتي لاستطعنا ان نرى انطولوجية الامور على حقيقتها بلا غبن ولا تشويه وبالتزامية موضوعية وحيادية تجعلنا نسمي الاشياء بمسمياتها وبالقابها واوصافها قارئا ومقروئا ؛ لا ان نختم كلامنا بعبارات انطباعية لا علاقة للنقد بها كقوله( عوالم نصوص جهاد مجيد ليست سوى كتابات في مواقع تنأى عنها روح الدراسة النقدية و مغامرة التعاطي معها ) وهنا نتساءل: وهل قرأت ايها الكريم تلك النصوص وهل لديك دلائل على هذا التخريج ؟
وعموما فان تحري الدقة العلمية والانضباط المنهجي شأنان لا غنى عنهما لاي قارئ ناقد يتحلى بالحيادية وليس له من وراء ذلك اية بغية او هدف سوى الهدف المعرفي البحت الذي يبلغه بموضوعية صارمة ومنهجية متحرية والا لكانت العملية النقدية اشبه بالتسكع الفارغ وقضاء الوقت بلا طائل.























