زيدان الألماني – نصوص – صلاح الدين خليل
عزيزتي فاتن:
لا أنكر اني مشتاق جدا اليك والى الاستاذ عماد فمنذ مدة اعتبرها طويلة لم تطأ قدمي أرض السلم المؤدي الى واحة الفن لديكم, وها أني لم اجد سبيلا الى بث اشواقي الا الى الورق عله يحمل ولو نزرا يسيرا مما تمور به نفسي نحوكم من مشاعر المودة الخالصة, ليس لدي ما اخبركم به سوى اني ما زلت أراوح في مكاني, وان كل تسكعاتي هنا وهناك ما هي الا حركة سهم طائش, فقد مرماه فتارة يرتمي هنا واخرى هناك وربما تكون هذه حالتك انت ايضا فان ترددك على بيت ام ذياب يعكس مثل ما لدي من قلق.. لدي بعض القصص عن اناس مؤلمة لا تخلو من عبر, لا ادري كيف هي حالك وقد نصحتك بالمطالعة, ولكنك لا تستطيعين ان تفضلي الكتاب على المجتمع فان حبك للناس يفوق أي شيء آخر, كيف هو حال الاستاذ نزواته وخصوصيته فهو طيب بريء كطفل مباشر وليس فيه نقطة قوة الا فنه, اما اموره الاخرى فهي مبعثرة, انك بلا شك تدركين هذا ولكنك لا تستطيعين ان تمنعي نفسك من الاصطدام به بين حين وآخر, حاولي هنا من اجل الانسانية عفوا انا لا أعني بالانسانية البشر جميعا بل الانسانية التي جبلت عليها نفسك والتي يجب ان لا تفقديها, ماذا اقول بعد انشغالي الدائم بالعمل وقلة نومي جعلني في حالة من الوهن اشعر كأني كبرت عشرة اعوام خلال هذا العام فقط, لي همومي وآحزاني التي تعرفين يبدو ان هناك امورا يجب ان تعالج باليأس منها.. ان الحياة تعوضنا احيانا عما نفتقد وان صداقتنا الجميلة خير تعويض.. أراك قريبا الى اللقاء.
عزيزتي فاتن:
هذه هي الرسالة الثانية التي وعدتك بها ان احكي لك بعض القصص الخاصة جدا قصة واحد من اصدقاء الطفولة الملقب بزيدان الالماني ولذلك سأدخل الى هذا الموضوع مباشرة دون المقدمات الخاصة بالاشواق وما الى ذلك فأقول:
نشأنا انا وزيدان الالماني معا في منطقة شعبية تدعى (فضوة عرب) تتفرع من شارع غازي, ابتدأ هذا الزيدان حياته عاملا في الطين, الا انه كان شخصا حالما رغم فقره وفقر أهله, وقد سكن هو وأياهم غرفة وحيدة مؤجرة لدى احدى العوائل, وكان ينظر الينا كأفضل منه لأننا كنا نرطن حينها ببعض ما نتعلمه من كلمات انكليزية واشعار, فكان مبهورا بكل هذا, حاول ان يصنع شيئا فشرع بكتابة الشعر وكان بالكاد يحسن الكتابة والقراءة لانه ترك المدرسة وهو في الصف الثالث الابتدائي وكان يعرض علينا ما يدونه على اكياس السمنت المتوفرة في اثناء عمله في (العمالة), وكان يدعو ما يكتبه شعرا بينما كان البعض يسخر منه لأن ما يكتبه كان مثيرا للسخرية واليك شيئا من شعره:
يا رب قد ألمني الصداع
والصواب مني قد ضاع
لما هجرني الحبيب وباع
بـل لم يقل كلمـة وداع
وكان هو مقتنعا بما يكتبه, وكنا ننصحه بان يقرأ ويطلع على الشعر فتكون له خلفية ثقافية ينطلق منها هذا بعد ان يتأكد بانه موهوب في الشعر ولكنه كان يصم اذنه عن سماع أقوالنا ويأنف من المطالعة لانه مستغني عن هذا معتقدا ان الشاعر يجب ان يعتمد على موهبته المجردة ولا يستمع الى شعر غيره كي لا يتأثر به ويعتبر هذا التأثر انتقاص من قدره, وبعد مرور اقل من سنة عن هذا انتشر حب الرياضة في منطقة فضوة عرب فانصرف زيدان عن الشعر الى لعب الحديد ودأب على ذلك اكثر من سنة حتى بدأ جسمه يتعضل ويتفصل وتجاوز الاشهر بعد السنة الاولى من اللعب حتى بدى لمن يراه كأنه يمارس رياضة كمال الاجسام منذ خمسة اعوام هناك حقيقة نسيت ان اذكرها لك وهو ان هذا الشخص كان فاقدا لاحد عينيه وهي اليمنى, حيث ادرك لاحقا بان لا فائدة من ممارسته لرياضة كمال الاجسام لانه لايستطيع ان يشترك في مسابقات كمال الاجسام بسبب هذا العيب, وأعتقد بان احد الخبثاء قد اوحى له بهذا ولذلك عزم على ترك الرياضة المذكورة, ولكن بما انه كأي مراهق أو شاب يريد ان يحقق ذاته ويثبت وجوده في اي مجال فقد بدأ بهوايته الجديدة وهي الموسيقى, وقد أختار اصعبها وهي (السيمفونيات) وقد بدأ بالاستماع الى ما تبثه اذاعة بغداد من مؤلفات كلاسيكية فكان يجلس تحت الراديو مدمدما مع نفسه مع اللحن مثيرا الانتباه من حوله وقد ظل على هذا الحال ولم يكن اهل المنطقة يتركونه بحاله فكان يسخرون منه وقد تعرض له بالضرب جواد ابن الكردية فكان يتحمل ذلك ويعاود بالجلوس في مكانه تحت الراديو, كما انه اراد ان يكون منظورا ومعروفا بهذه الهيئة امام الناس, ومرت الايام وكنت اعطف عليه لطيبته وقلة حيلته وفقر حاله وطموحه, وكنت اعلم بانه مغلوب على امره اذ هو لا يملك الا الامنيات والمحاولات الجوفاء, فكنت اشجعه بقدر معقول او انبهه الى ضعف امكاناته, ولهذا كنت المشجع له لدخول المدرسة ثانية لأكمال دراسته وقد ذهبت معه الى المدرسة اذ لم يكن يعتمد على نفسه كثيرا, وباشر بالدوام وتخرج من الصف السادس وقبل في معهد الفنون الجميلة قسم الموسيقى العود بالذات, الا انه لم ينجح في دراسته لأسباب يطول شرحها, باع العود الذي يملكه وصرف نقوده وبعد ان هجر العمل في الطين عمل في مطبعة عاملا متدربا, وجرت له حوادث مع ابنة رجل غني ثم طرد ليعمل في مطبعة اخرى, ومهر في عمله ثم جاءت الانعطافة التاريخية في حياته حيث ارسل هو وعدد من العمال لتعلم فن الطباعة على المطابع الحديثة التي سوف تتعاقد عليها الدولة انذاك بالشراء, وسافر وصحبه ومكث في المانيا الشرقية الدولة التي لديها المطابع الحديثة ولم يعد منذ عام 1959 حتى اليوم وهنا تبدأ قصة حياته الجديدة في المانيا التي عرفت بعضها من خلال رسائله لي او اللقاءات التي تمت بيننا عندما كان يزور بغداد كل بضعة سنين.استقر في المانيا منذ ذلك الحين وحصل على الاقامة وتزوج من المانية عضوة في الحزب الشيوعي ورزق منها بنتا سماها (منال) فعاوده الامل بان يحقق من خلالها ما عجز عنه, وبعد ان كبرت حثها على تعلم الموسيقى والعزف على آلة البيانو, الشيء الذي لم تكن تحبه وكان يشرح لها اسباب هذه النزعة لديه دون ان تقتنع, حيث كانت تقول له محتجة: بابا انا انسان آخر مختلف, انا لا أحب الموسيقى لماذا تجبرني على تعلمها؟ وبالرغم من ذلك تعلمت الموسيقى الى جانب دراستها العادية وتخرجت من معهد الموسيقى مرغمة غير راغبة, كل ذلك من اجل ان تعزف له بين الحين والآخر على البيانو احدى مقطوعات فرانزليست وكان هو سعيدا بهذه اللحظات العابرة تنعم فيها ابنته عليه, وتمر الايام به ما بين عمل وآخر حتى استقر به المطاف على احد معامل السيارات, وما بين امرأة واخرى غير الزوجة حتى استقر على امرأة جعلها صديقة عمره لمدة عشرين عاما وهي تكبره بسنتين وما بين هواية واخرى, حتى استقر على التاريخ فصارت عنده مكتبة باللغة الالمانية عامرة تضم بعض مصادر التاريخ العالمي القديم والوسيط والحديث ثلاثة اشياء عمله متعته مطالعاته وكانت الايام تكر عليه بحيث اني في كل مرة اراه عندما يزور بغداد لا أجده مختلفا عن ذلك الشاب الذي عمل في الطين, لم يختلف كثيرا في طباعه وتفكيره وعاداته وحتى شكله لم يطرأ عليه الا تغيير طفيف كأن السنين السبع او العشر او العشرين لم تغير منه شيئا.وصلتني رسالة قصيرة من فاتن تقول فيها انها غير قادرة على كتابة رسائل مثلي ولكنها تعلم لماذا اكتب لها هذه القصص المشوقة لأني أريد ان اجر رجلها الى تذوق القصص والكتب الأدبية, لأصبح فيما بعد على ثقافة واعتقد انها محقة في هذا.
* * *
سمعت من اكثر من واحد انه عاد الى العراق فعلا سمعت هذا من بائع كتب في شارع المتنبي وكان احد زملاء الطفولة كما سمعت هذا من عبد الامير وهو يعمل في (الذرعة) اي تقدير مقادير العمل في البيوت بالنسبة للبناء وكذلك البياض والكاشي والتغليف بالسمنت ولكني التق بزيدان شخصيا فلم يعد يتردد على مقهى الخلود كما جاء في رسالته بل تردد عليها مرتين او اكثر وانقطع, ولما لم يكن احد يعرف مكانه فقد بقيت شهورا لم أره, الا انني حلمت به يسقط من شاهق في جبل كنا عليه انا وهو فنهضت من نومي وبينما انا تجول في شارع المتنبي اخبرني بائع الكتب بان زيدان قد تزوج فتاة اصغر من ابنته الالمانية منال وهو يرجوني ان اذهب الى البياع محل ابي سناء لأراه هناك وبعد مرور ايام ذهبت الى البياع شارع (20 ) حيث محل صديقي حميد الذي حدثني عن امور علمت بها من آخر تخص زواجه وشرائه بيت ويبدو ان موعدا قد ضرب واذا بزيدان يظهر بعد ساعة فتصافحنا وقبلنا بعضنا ثم جلسنا فأخذ زيدان يسرد كيفية شراء الدار وتعرفه على الفتاة الصغيرة البالغة من العمر سبعة عشر عاما, بينما يبلغ هو ستين عاما اي انه يكبرها بثلاث واربعين عاما, كان فرحا وكنت كالعادة مجاملا اذ لا فائدة من الحكم والنصائح بعد مضي الفعل, ولكني لم امنع نفسي من القول: لو كنت قد التقيت بك لمنعتك من الزواج.
مرت الايام وبدأ يشكو من عدم القدرة على ارضائها في الفراش زاعما لها ان المرء لايستطيع ان يفعل هذا الشيء متى شاء.
وفي يوم الثلاثاء يوم اجازتي من الشغل رن جرس التلفون في البيت وكان على الطرف الآخر منه صوت أبي سناء وهو يقول:
جاءني خبر يقول ان شخصا كبير السن قادما من المانيا متزوج من فتاة صغيرة قد سطى عليه اللصوص وضربوه بالطابوق ضربا كاد يؤدي به الى الموت وقد اخذ الى المستشفى ولا يعلم احد مصيره واجزم انه صاحبنا.
- طبعا هو.. الوصف كله منطبق عليه, كم مجنون يأتي من المانيا ويتزوج فتاة اصغر من ابنته, هذا ما كنت اتوقع انها مؤامرة تمت بين الزوجة واهلها انه صيد سمين وهم عائلة معدمة.
- أجل انتظرني مدة ارتداء الملابس والمجيء باي سيارة متيسرة.
* * *
كنت افكر وانا متجه الى البياع كيف كان يشرح لنا انا وحميد محتويات مكتبته والكتب التاريخية التي فيها وزوجته جالسة لا تدري عم يتحدث وشعرت بالبون الشاسع بينهما لا تاريخ مشترك لا نمط متقارب ليس هناك ما يجمعهما الا شهوة الجنس من جانبه وشهوة الطعام والمأوى والعيش الرغيد من جانبها.
عندما وصلنا كانت هناك قطعة على دار زيدان كتب عليها عبارة (الدار للبيع) على مقربة كانت دار اهل الزوجة قديمة بائسة تذكرني بالدار التي كان يقطنها قبل اربعين عاما هو وامه واخواته خرج الينا من دار اهل الزوجة وكان معصوب الرأس بلفائف بيض يده معلقة بقماش ابيض برقبته وقد علقت امام صدره, تذكرت صورته القديمة وهو بملابس العمل والطاقية فوق رأسه معفرا بالجص والبؤس محيطا به وقد اكملت الصورة ام زوجه وبعض ابنائها ثم قادنا الى داره حيث دخلنا الى المطبخ واخذ يشرح لنا بغباء كعادته بالتفصيل ما حدث حيث اكد على ان الابواب كلها كانت مقفلة بوجه اللصوص.بعد مغادرتنا انا وحميد لم تتضارب اقوالنا فمن المؤكد وجود مؤامرة من اهل الزوجة واقربائها او اخوتها فالابواب كلها مقفلة من الداخل بثلاثة مفاتيح لكل واحدة ولكي يدخل اللصوص لابد من فتح ثلاثة ابواب في طريقهم اليه من ضمنها باب غرفة نوم الزوجين حيث تكون النقود والذهب لانه لم يودع مدخراته المتبقية في البنك كما ان فتح الابواب بهذه الطريقة وقتل الزوج بطريقة نهائية, وقد ظن اللصوص وكذلك الزوجة بان الرجل قد مات الا ان قوة جسمه قد أسعفته.
بعد مرور بضعة ايام سمعنا ان زوجة زيدان قد هربت ولا أحد يعرف مكانها وهذا عنصر جديد يدخل القصة ويثبت ضلوعها الذي لا شك فيه في هذه الجريمة. ربما ذهبت الى أقربائها من اللصوص تطالبهم بحصتها من الصفقة والغالب انهم قد طردوها, اذ سمعنا بعد حين بانها قد ذهبت الى مركز الشرطة واعترفت لهم بجريمتها فالقي القبض عليها كما علمنا ان زيدان بقي عند الام يبيت معها في دارها ويذهب بالطعام الى زوجته سائلا اياها ان كانت تحبه ام لا؟.























