على أمل أن نعيش للهنداوي
الألف ميل تبدأ بخطوة – نصوص – شكيب كاظم
عرفت الدكتور فوزي (هادي) الهنداوي، كاتبا صحفيا، يكتب العمود الصحفي، فضلا عن كتابات في مناحي ثقافية أخرى، ولأنه درس الاعلام ودرَّسه في اكثر من كلية، فقد اصدر اكثر من كتاب في اختصاصه العلمي ذاك، حتى طالعت روايته التي حملت عنوان (على امل ان نعيش) وهي مقولة للأديب الفرنسي فرانسوا فولتير (1694 – (1778في الامل وحب الحياة والدفاع عنها، يقول فيها: (دعينا ننسى ما مضى ونبدأ من جديد، نحن لم نعش ابدا، نحن على امل ان نعيش).رواية فوزي الهنداوي هذه، رواية في الامل، رواية في حب الحياة والدفاع عنها في وجه الطائفية المقيتة، التي ادخلها الاحتلال بقسوتها وقسوته الى الحياة العراقية، واسعرتها واشعلتها عصابات الطوائف والفرقة.
رواية (على امل ان نعيش) رواية اقتربت من السيرة الذاتية، حتى تماهت معها، او كادت. تناولت الرواية، قضية الانشقاق الطائفي الذي حصل في العراق، بُعَيْدَ سنة 2003 واستعاره عامي 2006 و 2007 حتى ماتت الحياة او كادت في بغداد تحديدا، لكن فوزي الهنداوي، وبطل روايته؛ السارد المركزي؛ الأستاذ الجامعي (مازن) العابر للطائفية والكاره لها، يقدم لنا امثولة طيبة للتعايش بين العراقيين، الذي يحب طالبة ذكية من طالباته ، ولأنه لا يعير للفصل الطائفي أهمية، فانه يعشق (هوازن) الطالبة الذكية، الطموح العابرة – كذلك – للطائفية، ويحاول تتويج هذه العلاقة الحبية بالزواج الشرعي الاصولي.
(مازن) الأستاذ الجامعي، يوم دفعه الجوع أيام الحصار ( (1990 – 2003للذهاب الى ليبيا، للتدريس في جامعة درنة المطلة على البحر الأبيض المتوسط، مازن العراقي، يعقد صداقة اخوية وطيدة مع الانباري، ابن مدينة الرمادي؛ الدكتور عبد الرزاق، ولان جماهيرية معمر القذافي لا تصرف رواتب العاملين فيها، الا نهاية العام الدراسي، وخارج الأراضي الليبية!! وهذا ما عشته يوم ذهبت الى هناك سنة 1995 لتدريس اللغة العربية في معاهدها، مازن ابن الفرات الأوسط، ظل يساعد زميله الدكتور عبد الرزاق طوال تلك السنة، حتى تسلم اجوره نهايتها، وظلت مائدة السمك الذي يسميه الليبيون بـ (الحوت) حتى وان كان صغيرا يشبه (زوري) الاهوار العراقية، أقول: ظلت مائدة السمك طقسا أسبوعيا كل يوم جمعة، وسيكون عبد الرزاق هذا واسطة خير يمهد السبيل لقبول اسرة (هوازن عبد الله الكبيسي) بزواج مازن من ابنتهم.
(على امل ان نعيش) رواية جميلة، كتبت بأسلوب قريب من افهام القراء وذوقهم، رصعها فوزي الهنداوي بالفكاهة والدعابة المحببة، اكدت العلاقات الإنسانية بين العراقيين، واقفا عند المسيحي (نزار) صاحب المتجر الكبير، والدار الانيقة الفارهة، والحديقة الواسعة الغناء والمنسقة التي صيّرها نزار المسيحي، بعد ان عصف الإرهاب الطائفي بالناس، جعل حديقة منزله هذه، قاعة مجانية لحفلات الاعراس؛ اعراس المسلمين، ويوم تجمع عدد من الشباب لغرض الرد على اعتداء بعضهم على مسجد، يقف (مازن) وقفة حميدة رائعة، وبعد ان تأكد من صحة الخبر، اسرع الى منزله، والتحف بعباءته، واخفى بندقيته التي اجازتها وزارة الداخلية بوصفه صحفيا، وخرج الى الجمع المتأهب للهجوم، الذي رحب به ظانين انه سيشاركهم الهجوم على المسجد، لكن الأستاذ مازن؛ العراقي النزيه، المحب للعراق وتربته والعامل على وأد النفس الطائفي المقيت، وقف متحدثا بينهم ومعهم قائلا لهم:
– انتم تعرفونني، وتوجهاتي، فانا منكم ومعكم، لكن من أراد ضرب الجامع فليقتلني أولا، لانني سأذهب لحراسة الجامع، وهذا سلاحي، هنا يتدخل المسيحي (نزار) مؤيدا اراء مازن، فانسحب بعضهم، قائلا لهم:
– ارجوكم تعوذوا بالله من الشيطان، لا تجعلوا الطائفية تفرقكم، ومالبث ان انسحب الجميع، كل الى بيته.
(على امل ان نعيش) رواية التعايش العراقي الصميم، رواية الاخوة والمحبة، رواية على الطريق، الذي نرجو ان يجد فوزي الهنداوي فيه ضالته، فبذرة السرد كامنة، تحتاج الى رعاية وعناية، وشمس وماء، كي تثمر وتينع وتؤتي اكلها.
على الغلاف الأخير للرواية، نشر الدكتور فوزي الهنداوي سطورا مقتبسة من رواية (ذاكرة الجسد) للروائية الجزائرية الرائعة (أحلام مستغانمي) جاء فيها: “لا اصعب من ان تبدأ الكتابة في العمر، الذي يكون فيه الاخرون قد انتهوا من قول كل شيء..” وقد فسرت هذا المقبوس بانه إشارة الى تأخر الدكتور فوزي الهنداوي، في ولوج عالم الكتابة والابداع لكني بودي ان اهمس للهنداوي بان سن الكتابة لا يتحدد بعمر معين، فلقد ذكر مؤرخو الادب العربي، ان الشاعر النابغة الذبياني قد تأخر في قول الشعر زمنا متطاولا، حتى نبغ في قوله، ومن هنا جاءت تسميته بـ(النابغة) وهذا الروائي البرازيلي المتصوف باولو كويللو ما كتب شيئا في بواكير حياته، وإذ كتب ما استرعت كتاباته الا القليل من القراء، حتى كتب روايته (الخيميائي) فاطلقته الى عوالم الشهرة والخلود، فضلا عن المؤرخ البريطاني اليهودي الماركسي الشهير (أريك هوبز بوم) 1917) – 2012 ) قد اصدر كتابه الأول عام 1948وبعد ان حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة كمبردج البريطانية العريقة وقد تجاوز عمره الثلاثين عاما.
رواية (على امل ان نعيش) للاديب فوزي الهنداوي خطوة على طريق الكتابة الروائية، وطريق الالف ميل يبدأ بخطوة.. خطوة واثقة جادة وامينة، تستشرف الأفق البعيد.. القريب.























