الشعر واللغة الإبداعية
شعراء يفكرون من خلال الصورة – نصوص – علوان السلمان
الشعر كغيره من الفنون لا يختلف عنها إلا بوسيلة التعبير وهي الكلمة المقروءة أو المسموعة.. وهو لغة موسيقية خاصة لأغنية مكتوبة مزخرفة بالنغم والإيقاع.. والقصيدة الشعرية أجنحة مرفرفة يحلق بها القارئ ويتكئ على وسادتها بخيال سحري حالم فالشعر رسم دون ألوان أو خطوط.. بل يعتمد الألفاظ المثقلة بالإيحاء والتعبير.. ومصادر الشعر كما هو معروف تنحصر في مصدرين.. أولهما المصدر الكهنوتي المتمثل في الرجز وهو أول الشعر.. أما المصدر الثاني فهو المصدر العملي المتمثل في الغناء الذي يصاحب العمل كالبناء والزراعة..
ومسألة تعريف الشعر لم تستقر على رأي وقد اختلفت المفاهيم قديمها وحديثها في التعريف.. فالشعر عند أرسطو محاكاة الطبيعة وعند قدامة بين جعفر في كتابة نقد الشعر قول موزون مقفى يدل على معنى.. أما الجرجاني في الوساطة فيرى أن الشعر علم من علوم العرب يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء ثم تكون الدربة مادة له وقوة لكل واحد من أسبابه فمن اجتمعت له هذه الخصال فهو المحسن المبرز .. وفي كتاب (الحيوان) للجاحظ نرى أن الجاحظ يعرفه ضرب من النسيج وجنس من التصوير… و(أبو هلال العسكري) في كتابه (الصناعتين في الكتابة والشعر) فيجد أن الشعر كلام منسوج ولفظ منظوم وأحسنه ما تلائم نسجه ولم يسخف وحسن لفظه ولم يهجن ولم يستعمل فيه الغليظ من الكلام فيكون جلفاً مغيظاً ولا السوقي من الألفاظ فيكون مهلهلاً دوناً.. وله أجود الكلام السهل الممتنع..
أما من المحدثين العالميين (ت.س. اليوت) فيرى أنه ليس إطلاقاً للانفعال.. أنه ليس تعبيراً عن الشخصية ولكنه هروب من الشخصية.. أما (جونسون) فيرى في الشعر هو الأدب الموزون وإنه من توحيد السرور مع الحقيقة باستخدام الخيال وجوهره الاختراع… و(ماكولاي) يعرف الشعر بأنه فن استخدام الكلمة حيث ينتج عنها أيهام الخيال وأنه الفن الذي يستخدم الكلمة لتؤثر نفس التأثير الذي يحدثه الرسام باستخدام الألوان.. وعرفه (مل)mill هو اللفظ والمعنى حين تتزينهما العاطفة.. أما (روبرت فروست) فقال فيه: الشعر أداء غني بالألفاظ.. و(كاريل) يقول: الشعر هو الفكرة ذات الطابع الموسيقي.. و(شيللي) يرى بأنه تعبير الخيال عن نفسه أما (هازلت) فعرفه الشعر هو لغة الخيال والعاطفة أما (كولدرج) فرأى بأنه نقيض العلم..هدفه المباشر اللذة وليست الحقيقة.. و(ايدجار الن بو) يرى أن الشعر خلق الجمال الموزون أما(راسكين) فقال:الشعرهو إيحاء العواطف النبيلة أما (نوفاليس) فقال: الشعر هو الواقع الأصيل المطلق.. وكلما كان التعبير أشعر كان أصدق..الشعر هو تصوير(تعبير) للوجدان لعالم الباطن بكليته..أن وسيلته وهي الكلمات تدل بنفسها على هذا فهي كما نعلم المظهر الخارجي الذي يكشف عن تلك المملكة الباطنية.. مملكة القوى والطاقات..أنه أشبه تماماً بعلاقة فن النحت بالعالم الخارجي المتشكل وفن الموسيقى في علاقته بالأنغام..أما (جو تفريدين) فيرى أن الشعر هو الارتفاع بالأمور الحاسمة إلى لغة المستحيل على الفهم والغناء الكلي في أشياء تستحق ألا يقتنع بها أحد..
ومن خلال هذا العرض لبعض المفاهيم لتحديد تعريف خاص بالشعر لا نجد هناك تعريفاً جامعاً مانعاً له.. ولهذا أسباب ومن أهمها أن تعريف الشعر يكون داخلاً ضمن التاريخية التي تقلل من شأن المادة فتختزل المكان ولا تسلط ضوءها إلا على الزمانية التي تكون المادة موضوع التاريخ فتحركه ضمن مجالها.. والشعر عندما يستحيل إلى تعريف ويدخل في المجال التاريخي يبدأ عملية التحول من المكانية إلى الزمانية.. بالإضافة إلى النظرة للشعر تختلف من عصر إلى عصر ومن قارئ إلى آخر في نفس العصر.. فهو عناء ولذة وبكاء ويأس خال من الاستسلام.. وهو نظام وأمل ينفذ إلى القلب ويغوص في الصميم.. وهو لحن يعيد للعالم انسجامه وتوازنه.. وهذا هو المثل الأعلى الذي جاهد الشعراء من أجله في كل العصور.. وهو قوة مبدعة خلاقة وليس نقل أو مجرد وصف أو محاكاة للطبيعة كما قال أرسطو.. بل هو خلق التجربة وإعطائها معنى جدياً.. وهو صورة ناطقة وفن زماني لأنه يحاكي موضوع والموضوع فعل والفعل تعاقب والتعاقب حركة والحركة زمن.. لذا فإن ديمومته تكون بتدمير الزمان.. ولغته تتصف بالجرس والإيحاء والظلال بوصف ما يتفرد به الكلام في الشعر..
والشعر تأكيد لقيمة العالم وجدارة الحياة وتجربة الإنسان.. وهو تأكيد لوجود عالم له معنى.. والقصيدة الشعرية هذا الكائن اللغوي الحي لغتها لغة نرجسية هدفها الخلق والإبداع ووظيفة الكلمة فيها نبش الخزانة الفكرية للفرد وتحريكها.. والشاعر يحاول أن يكشف مجاهل نفسه وعالمه الباطن كما يكشف لغته ويعيد بناءها لتكون قادرة على الإيحاء بعالمه الجديد فيقدم لنا صورة تزخر بالرموز مما يضفي هالة الغموض عليه وهذا الغموض متعمد قد يتعذر على القارئ فهمه وأن في تعذر الفهم نوعاً من المجد كما يقول (بودلير) والشاعر الإيطالي (مونتالي) يقول: لو كانت مشكلة الشعر هي أن يكون صاحبه مفهوماً لما كتب أحد بيتاً واحداً من الشعر.. فالأديب يفك القيود وكلماته أنغام سحرية.. فاللغة عند الأديب لا جدب فيها لكنها معتمة بالرمز تبحث عن حل وتأمل وتفكير.. فالشاعر يمزج كل شيء لخدمة هدفه المتمثل برقي الإنسان فوق ذاته..
يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي “أن الشعراء أمراء الكلام يصرفونه أنى شاءوا وجائز لهم ما لا يجوز لغيرهم..” ويرى حمزة بن الحسن الأصفهاني “أن حرية الشاعر وسيلة من وسائل نمو اللغة وإمدادها بالجديد.. “لذا فالقصيدة تكوين مثالي للموضوع الذي يتناوله الشاعر.. إذ أن سحر اللغة من حق الشاعر وهو يحطم العالم إلى نتف ومن نظم الحطام إلى شذرات شعرية تضج بالغموض نتيجة الإيحاء الشعري.. لذا فالشاعر يحتاج إلى اللغة كما يحتاج الموسيقي إلى أصابع البيان وهو ينزع منها قوى وطاقات لا تعرف عنها لغة الكلام العادي شيئاً.. ويعتقد (بول فاليري) الشاعر الفرنسي “أن الكلام عندما ينحرف انحرافاً معيناً عن التعبير المباشر أي من أقل طرق التعبير حساسية.. وعندما يؤدي بنا هذا الانحراف إلى الانتباه بشكل ما إلى دنيا من العلاقات متميزة عن الواقع العملي الخالص فإننا نرى إمكانية توسيع هذه الرقعة الفذة ونشعر أننا وضعنا يدنا على معدن كريم نابض بالحياة قد يكون قادرا على النمو والتطور..
فالشاعر لا يتعامل مع الأبجدية وحدها بل يتعامل مع جماع المؤثرات التي يتلقاها جهازه العصبي (اللون- الحركة- الصوت- الفراغ..) بالإضافة إلى المعنى.. وبهذا يكون الشاعر متعاملاً مع اللغة بمفهومها الشامل.. إذ أن الدلالة في الشعر أو المعنى الذهني ليست بالضرورة نفس دلالة الكلمة وفق النظام القاموسي.. فمثلاً أن الشاعر (أبو تمام) يركز طاقته على حرفيات الصورة من استعارات وتشبيهات.. فأصبحت من علامات تجربته.. كذلك الشاعر الفرنسي (رامبو) يتعامل مع الكلمات على أساس قدرتها السحرية على التعبير.. ولذا يحاول أن يكشف فيها ألواناً وأصواتاً تفجر أحلامنا ليست من هذا العالم.. أن القصيدة الشعرية هي فيض شعوري هائل نحسه وراء الكلمات التي تكون الإطار الموسيقي لهذا الفيض..
لقد وصل الشعر في هذا العصر إلى حد من السمو بموضوعاته واهتماماته.. وأن رسالته لا تنتهي إلى حد معين.. وهي أزلية تغذي الوجدان الإنساني.. فهي ثورة دائمة تركز هدفها في التعبير والبناء..
أخيراً نستذكر مقولة (اليزابيث) دور عن الشاعر والشعر (للشاعر طبيعتان إنسانية وفنية والشعر ينبع من مصدرين.. من جبرية غامضة تكمن في اللاوعي ومن تنظيم صناعي تام الوعي.. فهو عملية تختلط فيها الحياة باللغة ويتزاوج فيها المعنى والمبني ويلعب فيها كل من التنقيح والطبع دورهما..)
يقول هدسن (أن الفن هو التكامل بين العاطفة التي يحسها الفنان وبين الصور التي يعبر بها عن هذه العاطفة..)فالفنان هو ذلك الإنسان الذي يمتلك الإحساس بالجمال ويستطيع معه تجسيم الانفعالات وتحقيقها في صور وقائع موضوعية..إذ أن قدرته على التعبير ينطوي تحت لوائها العمل الفني الناجح الذي ينجزه ويقومه النقد..والتجديد حالة أبداع وخلق تدل على قدرة العمل الفني على التعبير..وتكشف عن القابلية الفردية للمبدع..والعمل الفني يفترض فلسفة سابقة وخطة فكرية تؤدي إلى إنجازه وتحقيقه إبداعياً.. وفكرياً فيعكس ظروفاً وأوضاعاً اجتماعية وسلوكية خاصة بافتراض أن الوعي الإنساني هو المقياس المطلق في الوجود..والفن هو حركة الذات الإنسانية في المجتمع بوسائل اللفظ واللون والنغم وهو مظهر من مظاهر الحياة الشعورية – النفسية- ينبض بالحياة ويكشف عن أحساس الفرد ويجمع الرقة في التعبير فهو من مظاهر إشباع الرغبات المكبوتة في اللاشعور..إنه عامل أساس في الإنسان..فالفن والإنسان لا يفترقان..وهو معين فياض يغذي أعلام المجتمع وثقافة البشر..وهو مظهر من مظاهر الحياة الحضارية وتعبير خالص عن جوهر الإنسان..ويمتاز بقيمته الوجدانية الفائقة..وهذه القيمة مشتقة من ارتباطه بالوجدانيات العميقة للفنان ونبؤته والتذوق الفني جانب مهم يعمل على تثقيف الحس الجمالي وتهذيبه..والفن عامة والشعر خاصة يحفل بمعطيات ثرة ينبغي أن تخدم الإنسان..حريته وإنسانيته وأمانيه لذا فمهمة الشعر هو استشراق عالم الإنسان بوسائل فنية تطرح ولا تفرض.. تقترح ولا تحدد تقول ولا تجزم..أنها تكوينات ذاتية يمكن أن تشرك الآخرين في عالمها..
إن الشعر يبدأ بمعطيات خارجية ويصنعها في الداخل ويخلقها خلقاً جديداً وهو في النهاية تركيب لفظي له رسالته كما تقول اليزابيث دور.. (إن رسالة الشعر لا تنتهي عند حد معين.. أنه كالثورة تركز هدفها في التغير حتى إذا تم لها ما تريد انصرفت إلى الداخل تبني وتصنع..)
أن مهمة الشعر لا يمكن أن تموت لأنها مهمة أزلية تغذي الوجدان الإنساني.. أنه كما يقول شيللي: (أن الشعر ترافقه اللذة دوماً وكل الأرواح التي يسقط عليها تفتح أذرعها للقاء الحكمة التي تلتزم مع اللذة)..لذا فالشاعر لا يقدم صورة ناطقة بلا أخلاق بل يساعد على تحقيق الخير الأخلاقي بتقوية الخيال كما يوضح شيللي..فالشعر عملية تختلط صوره ومفردات مترابطة مع حركة الانفعال والحرص..لذا فهو تجديد وإبداع وأدراك للواقع..
فالتجديد ليس العبث والتفكك والضعف بل هو استنباط ونظرة جديدة يأتي بها المبدع الشاعر..
أن تجربة الشعر العربي الحديث بدأ مع جماعة مجلة (أبولو) الذين برز منهم علي محمود طه ومحمود حسن إسماعيل وإبراهيم ناجي.. إضافة إلى ذلك كأن هناك الشعراء المهجرون الذين كانوا أكثر تفتحاً على الحضارة الحديثة والغرب بصورة خاصة.. ثم جاءت الحرب العالمية الثانية فصار لدى الشباب تمرد على الأوضاع السائدة..السياسية والاجتماعية..وأرادوا أن يعبروا عن هذه الثورة بأسلوب ثائر غير منفصل عن التراث لأنهم يعرفون أنهم يستمدون القوة من تراثهم وانفصالهم يعني موتهم.. كأن الشعر الحديث ثورة على الصعيد الشكلي..فحطم القواعد التقليدية والقوالب الجاهزة للقصيدة العربية واستعاض عن البيت المؤلف من عدة تفعيلات بالتفعيلة الواحدة كوحدة أساسية في بناء القصيدة.. ووضع مقابل القافية الواحدة عدة قواف تتحرر معها القصيدة من روتينية النغم وتنطلق مع التموجات الإيقاعية الداخلية في سياق المغامرة الفنية المتحررة..ولم تقتصر الثورة على شكل القصيدة بل امتدت إلى مضمونها وتغيرت الموضوعات القديمة من غزل ورثاء ومدح وهجاء إلى أفكار عصرية إنسانية وواقعية فتحول الشعر من شعر مناسبات إلى الالتزام بالواقع وتشخيصه للهموم والآلام البشرية وانعطافه على معضلات القرن العشرين وأمراضه الحضارية ومشكلات الإنسان وتحولات واقعه وإمكاناته في النضال لتحقيق الواقع مستقبلاً..
أن هذه الثورة في الشعر لم تأخذ اتجاهاً أيديولوجياً واحداً على صعيد المضمون مع أنها اتخذت اتجاهاً واحداً على صعيد الشكل..
يقول السياب(لقد صار لدى الشباب تمرد على الأوضاع السائدة السلبية – السياسية والاجتماعية – وأرادوا أن يعبروا عن هذه الثورة بأسلوب ثائر أيضا لكنه غير منفصل عن القديم لأنهم يعرفون أنهم يستمدون القوة منه..)..
لذا فأن الشعر الأصيل هو الشعر المتجذر تاريخياً والمساير للوقت الحاضر والمهتم بالمستقبل..) فالتعبير عن الواقع هو التجديد بحد ذاته كما يقول (تشير نيفسكي)..
إن علماء الجمال يرون أن الشعر هو التفكير بالصورة أو النموذج.. وهما الحقيقة الموضوعية منقولة عن طريق الإحساس.. كما أنه التجديد الواعي للوقائع والأحداث اليومية..
إن قدرة الفنان المبدع على التعبير ينطوي تحت لوائها العمل الفني الناجح الذي ينجزه ويقومه النقد.. فالشاعر يتمرد على آلية الزمن وهذا التمرد انسياب أنساني يختصر الزمن في ساعة الانفعال.. إذ أنه شاعر رؤى حضارية لم يعرف البكاء والتباكي على الأطلال.. لقد أستطاع الشعر الحديث أن يحقق أشياء كثيرة من انبثاقها الثوري وتعقدها وتشابك معطياتها ومدلولاتها التعبيرية أزمة الجيل العربي الجديد كلها وتطلعات هذا الجيل وتحديات وحتمية انتصار قضيته على واقع التخلف والانهزام..
أن الشاعر العربي الحديث يود أن يعانق مطلقه بعد أن عانى من ممارسة أخطبوطية الذات وأستعار من أساتذة الشعر وعلى رأسهم ت.س. اليوت.. ولم يتناس أن قضية أمته الناهضة تختلف تماماً وأن عليه أولاً وأخيراً كشاعر أن يلتزم قضية أمته ويحارب بالكلمة من أجل التحرر والمستقبل الزاهر..
في مجال الشعر الحضاري تتحقق فلسفة الالتزام بالواقع والوجود ويتغنى الشعر بأوجاعه وهمومه الداخلية لينطق منها إلى العالم والرؤية الحضارية له وقد تخلصت القصيدة الحديثة من العواطف الحماسية والتقليدية والعناصر القبلية واندفعت نحو الواقع الحي لترصد تمزقات العصر الحديث وتبتهج برؤية البعث الحضاري وأصبحت مهمة الشاعر كما يقول هولدرلن (المادة خلق العالم وتصبيغه بواسطة الكلمة التي تهب الوجود)..
فالشعر كما يقول (الجرجاني) ليس عملاً سهلاً ساذجاً كما يعتقد الكثير من الناس بل هو عمل معقد غاية التعقيد.. إنه صناعة تجتمع لها في كل لغة طائفة من المصطلحات والتقاليد..
أن الشعراء يحاولون أن يصفوها بما يقومون عليها من مراصد ومقاييس.. لأن الشعر هو فن استخدام الكلمة حين ينتج عنها إيهام الخيال وأنه فن الذي يستخدم الكلمة لتؤثر نفس التأثير الذي يحدثه الرسام باستخدام الألوان.. لذا فهو لغة الخيال والعاطفة والفكرة ذات الطابع الموسيقي.. ولغة الشعر يجب أن تكون غنية الدلالة.. وصبغة التعبير..شفافة اللفظة..تعتمد الجرس وتتناغم بالموسيقى وتنفر من الحوشي..واللغة وسيلة الشاعر وأداته للتعبير عن أغراضه بشمولهاالإنساني.. ويجب أن يتحقق فيها الانسجام اللفظي الذي يتم بالاختيار الملائم للألفاظ وارتباط الصوت بالمعنى والمبنى.. إذ أن مهمة الكلمة ليست محاكاة الأشياء والتشكيل عليها بل مهمتها تفجير تعريفاتها وحدود النفعية ومعانيها التقليدية الشائعة الاستعمال لتستخلف منها إمكانيات غير متوقعة وآمالاً ومعاني كامنة مدهشة تحملها في طياتها وتحول الوقائع المعروفة بابتذالها إلى مادة تخلق الأساطير.. فالقصيدة من حيث هي حلم كما يقول (روبن أدمان) تعد ارتباطاً بين مجموعة من الرؤى والصور والأفكار المندمجة في وحدة مفردة خلال حالة نفسية ترتبط بينها.. والصورة الفنية تركيبية عقلية تنتمي في جوهرها إلى عالم الفكرة أكثر من انتمائها إلى عالم الواقع.. لذا فهي أعلى ما يرشح الشاعر للمجد.. لأن الشعر أنما يكون شعراً بها إلى جانب الإيقاع الموسيقي.. إذ بها تتحقق خاصية الشعر حين يحيل المعاني المجردة إلى امتثالات عينية تنفعل لها الحواس انفعالاً لذيذاً.























