قصص وأصحابها طه جزاع – خاطرة بين المسافات – علي خيون
مثل أي “فيلسوف” يحمل التناقض أو يصطنعه لنفسه ، جاءني صديق العمر أ.د طه جزاع بالحزن والفرح معا، فأحزنني وأفرحني في نهار واحد.
فقد فرحت بكتابه الجديد( ابتسم أنت في بغداد) ـ دار ميزوبوتاميا، وحزنت لأنه قادني ، على نحو مباغت ، الى ذكرى أيام مضت، حين كتب لي يقول في اليوم ذاته، أنه توقف هو والزميل العزيز حمزة مصطفى قبالة محل والدي، رحمه الله، في الشواكة بجانب الكرخ ، مستذكرا تلك المناسبة البعيدة ، حين زرنا والدي ، وجلسنا في محله، تجارة القماش والخياطة الرجالية مع شريك ابي فاخر ، فطلب لنا شاياً من ” الجايجي” الذي بجواره، في مدخل زقاق العبيدات،إذ أن رجع صوته يأتيني واضحا ، وهو يومئ الينا:
ـ عواد، جاي!
أعاد طه، الى ذهني، صورة أبي حيا ، فارتفع ضجيج منطقة حية مزدهرة في قلب بغداد، وامتدت الصالحية تضج بالحركة والخير والبركة والأمان.
وسارعت لأكتب عن أبي ـ بفضل طه ـ سطورا قد انشرها يوما . وعاد بي الزمن الى طفولتي ، ومعلمي الأول في فن القصة،يوم كنت صغيرا مع أخوتي، يقص علينا الوالد في ليالي الشتاء الطويلة ، قصصا مشوقة ،على وفق طرق الحكي المسلية، فيوسع الذاكرة بحكايات الف ليلة وليلة، محورة بما يناسب عقل طفل.
أعادني طه الى “فلسفة” الموت والحياة فأحزنني ، لكنه مافتئ يقول لي في فعل أمر: ـ (ابتسم).
أكتم حزني، وابتسم لطه جزاع الكاتب المولع بالقراءة ، قوي الذائقة النقدية ، العارف بفن الكتابة ، فأما أن يسخر من الكتاب الذي يطالعه أو يظل يحدثك عنه بدهشة ترتسم على محياه، فيدفعك للقراءة ، إلا في مرة واحدة ، جعلته فيها يقرأ رواية ( الساعة الخامسة والعشرون) فلم ينسها أبدا ، وتأثر بها على نحو يتذكره الى اليوم، وقد أخذ عنوان كتابه منها ،حين راح بطل الرواية الذي قضى عمره في المعتقلات ، يبتسم للكاميرا بعد اطلاق سراحه بساعات، والملازم الأميركي يأمره: ابتسم ، ابتسم ، ابتسم ، ابتسم .
كنت قد قرأت لطه قبل سنتين ، كتابه ( يوتوبيا ) عن جدل العدالة والمدينة الفاضلة من افلاطون الى ابن خلدون، فتوقفت عند جدية الكاتب، وحرصه، وصبره على خوض موضوع صعب ومعقد.
وهو اليوم ، في كتابه الجديد( ابتسم أنت في بغداد) لم يخرج عن جديته تلك، لكنه يغلف سطوره بأسلوب ذي مسحة ساخرة ، وسخريته قاسية، غايتها أن توقظ فينا إحساسا نائما .هو يقول لنا : ابتسموا ، فنتراجع ، إذ أننا ينبغي أن نبكي مرارة الواقع.
وينسى طه، وهو يدعونا الى أن نبتسم ، تلك المفارقة ، فيعترف في المقدمة بأنه جاد، فيقول : ( بدأت عملا جديا لاختيار ما توفر لي من مقالات تمتلك صفة الاستمرارية والبقاء)، وهي إذن ، ليست مقالات لزرع البسمة العابرة ، إنما مقالات تظل شاهدا على عصر ومرحلة ، لأنها ببساطة تمتلك شرط البقاء .
قرأت الكتاب كله ، لكنني لم استطع تلخيصه، فوضعت خطوطا تحت بعض السطور في كل مقالة ، فيها يكشف الكاتب عن سعة اطلاعه ، وفيها اشارات الى متابعة لما مر ببغداد خلال السنوات الأخيرة .فالكتاب مقالات نشرها الكاتب في جريدة المشرق ، ولاقت قبولا وإعجابا كبيرين، وهو يقدمها لمن يريد ان يستعيدها مجتمعة .
أتوقع وأتمنى أن يأتي كتاب طه جزاع القادم ، بما يقدمه “فيلسوفا” صاحب نظرية ، ولم لا؟ وقد توسعت لديه الرؤية بعد حصوله على دكتوراه في الفلسفة ، ولحسن الحظ، لم تضق لديه العبارة.























