عاشور الطويبي وشجرة التفاح
شاعر يقود الأنامل إلى أفق الخيال – اضواء – أحمد الشيخاوي
هو كذلك هذا الطراز النادر جدا من الشعراء حدّ تأمم أبراج الحكاية المعسولة إذ تدبّ في لبّها هموم العامة و تكتسح نسغها انشغالات أغلبية ساحقة تستبد بها هواجس صناعة قرارات لا تخطئ بعض الحظ في خطوها إلى مصير لا يراد لها بقدر ما تختاره هي بدافع ما تكتنز من قناعات ومبادئ راسخة و متجذّرة وعصية على أية ابتذال أو مساومة.
وتساميا على كلمة ضيقة تعافها النفوس أو تنافق وتجامل داخل حدود حيز نخبوي يهبّ ضدا لما قد تشتهي تطلعات الجماهير.
هو كذلك الشاعر الليبي المتمرس عاشور الطويبي الذي يأنف في مجمل منجزه ويأبى إلا أن يجذب ذهنية التلقي ويستقطبها إلى فراديس ما هو عذري محض ما بين البياض وحيثيات البوح.
وكأنما يتعمّد بشكل أو بآخر توريطنا في ما هو قائم الصلة والماهية بعوالم ما تسكت عنه الذات الشاعرة، منمّقة لنا ومُبهرجة طياتها وفحوى ما تحجب ظلال ما لم تقله مكتفية بما يشير ويدل عليه فقط.
في موسوعته النموذجية التي بين أيدينا،ألفي الرجل لا يتكلّف توجيهنا إلى البعض من شيفرات ولوج نطاق جمالي يأسر الذائقة ويصدم بمغامرة مقاربة مستويات طيفية لتجربة شعرية تعيش نخوة ونشوة قران فني ،بينها ، في انكفائها على احتمالات خبء الحقول الدلالية لشجرة شاعرنا المحرمة ــ مجازيا ــ وبين الحضور الصاعق والمكثف للرمز الديني.
1فتى في الثالثة عشر من عمره:
حين يشتدّ به الأمرُ يحرّكُ شفتيه.
فتى لم يبلغ الحلم بعد:
جرّ بطرف لسانه أمّةً إلى آخر الأرض والسماء.
1 فتى في الثالثة عشر من عمره:
يروي ما رأى وما سمع.
فتى في الثالثة عشر من عمره:
خياله أجود من الريح المرسلة.
2فتىً إصبعه نارٌ، ولسانه كتابٌ.
فتىً لا يعرف من أمور النساء شيئاً
وقال: النار أولى بهن.
3فتىً قال:
نهيتم بكسر جراركم.
نهيتم ألاّ تخلطوا ماءً بتمرٍ أو زبيب.
4عرفتُ أنها النخلة، لكني استحييت.*
إيّاك من شجر يسقط ورقه.
إيّاك من لسانٍ مربوط.
إيّاك من قلبٍ لا يرى.
إيّاك من وقتٍ لا يتقلّب.
في سياق معاناة حشوها عولمة الخطاب و عالمية التشكيل والرؤية، يُجري صاحبنا على ألسنه زخما هاما من التراث الديني في شخص حبر الأمة وعالمها الأول ابن عباس،بغرض تحقيق إسقاطات تستهدف راهن الفوضى والعبثية المتلاعب بجيل يتحين فرص النجاة وملامح الخلاص وبالكاد يتهجّى أسباب انتشال ما لم تلطّخه بعد دماء الهزيمة.
تقنية كلامية تتفشى بمنأى عن المعيارية التحريضية المدمرة ، كما تزين رحاب طقوس العودة إلى الذات قصد التصالح معها على نحو لا يخلو من استثارة الهمم وضخّ الحماسة في عروق راح يتيبّس كبرياؤها وتنقشع جذوة انتصافها للهوية والجذر الإنساني إجمالا.
أنّى لا تنتشي الذاكرة ،بل وتركن إلى غيبوبة رافعة،في حضرة فتى مختلف تماما،في سن له مبكّرة جدا، باشرت بوادر نبوغه وحكمته الفياضة بالانبلاج.أنّى لا يحدث فوق وأرقى وأسمى مما هو من قبيل ذلك؟
فتى يقود الخيال إلى حيت تستنبت الأنامل واللسان شجرة العظمة المحرمة على النساء تحديدا، ليس إقصاء،بقدر ما المسألة أشبه بجناية محيلة على زلّة أمنا حواء كأصل وبذرة لامتهان الظاهرة برمتها.
تذيل المشهد نبرة متهكمة محذرة من أربع،شجر يرضى العري ولسان لا ينشد الحرية ويترنم بقيمتها وقلب أعمى وأخيرا وقت مقيم يسوم الكرامة حمئة وزقوم الثبات والموت على ذل وهوان الحال.
في هذه فرجةٌ،
لا تصلح لخيطِ ضريرٍ!
بابها من طين
ترابها رطبٌ بماء الغُسل.
6مازالت الشهقات معلّقة على سعف النخل.
7ما دلّه عليه إلا أثر حوت في البحر.
ما الذي سيدلُّ عليّ؟!!
أمّي لم تضع في صرتها حجراً ولا ثريداً.
8قال الفتى: لا أدري إن كنتُ قد مددتُ ردائي
ولا أدري إن غرف بيديه مرّة أو مرّتين!
أنا أدرى به وبما غرف قال الخليفة.
9شيخٌ يصلي في كلّ وقتٍ وأنا على يساره أو يمينه.
10الصلاة أمامَكَ*. ثم نزل فبال.
11كنتُ أترك الماءَ في الخلاء.
12لا يدري أحدكم أين باتت يده*.
13لا تسلّم على من إزار عليه.
14سيصعد الصراخُ كِسرة الجريد ويرتخي العذابُ في تراب القبر.
15ما حاجتك إلى حائطٍ أو جدار؟!
رأيته بين رجلين تخطّ رجلاه الأرض*.
ثم قال لفتاه: صبّ الماء على رأسي ولا تراع!
30عليك أن تغطيّ حالك على كلّ حال.
يتوالى تفاح شاعرنا في التدلي والبروز متقلبا بين غواية وأخرى أشهى وأطيب قطفا وطعما واستحواذا على العاطفة والفكر كليهما. ولما يشوك الإيقاع طوارئ التقطع والتبرقع، وتنجر لحمة النص إلى لعبة استئساد التشظي والصيغة الشذرية، يقتضب إقحام الحالة الإنسانية في ارتباطاتها بالرمز الديني، بغية لملمة المشهد واحتواء البياض وترك الكلمة لما قد تنبض به ما ورائيات اللون.
منظومة حكم تسربلها شاعرية من يستنطق خبايا النفس مخجلا كنه السؤال. منظومة حكم تتوافد فتمتزج وتتداخل مشكلة خلطة فسيفسائية أحوى و أستر لحال الفرجة وفرجة الحال.
31كنتُ أحلم بأعوادٍ أجلس عليها أعلّم الناس.
32بكت النخلة، فضمّها إليه حتى سكنت.
33قال الفتى: الكتاب كلّه على ياء*.
34قال الفتى: كاتبكم قد نعس*.
35في شيخوختي لم تعد عيناي تعرفان الوقت.
أُرسلُ رجلاً يخبرني
مجيء الفجر وغروب الشمس*.
هي حصاتي أدفع بها إلى البحر
يأخذ من أنينها ما يأخذ
وأنام على وسادة فارغة من الحكايا.
36لقد أذكرني ما اسقطتُّ من آيات*.
37ماذا نفعل إذن؟!
أهل كتاب لا تصدقوهم ولا تكذبوهم*.
38كانوا يحرّقون أقواماً لأنهم لم يتبعوهم*.
لو كنتُ أنا لقتلتهم بشيء ليس فيه من النار شيء.
39قال لي صاحبي: وضعت سيفي في بطنه ثم تحاملت عليه حتى قرع العظم وأتيتُ سلّماً لهم*.
هكذا قتل رجلاً لم يعرفه.
40كان يوم خميس حين أوصى بثلاث.
ذكرت اثنتين ونسيت الثالثة*.
كان يوم خميس حين أوصى ثلاث!
41ابن صيّاد، قالوا هو وليس هو.
ابن صيّاد أنا، وصافٍ قميصه.
ليت أمّه لم توقظه، كان بيّن قال الرسول*!
يأتيني صادق وكاذب.
لم أبلغ الحلم، وهم يقسمون أني هو
كنتُ سأختار معك أيّ شجرة تصلح لنعلّق عليها نفسينا.
غير أنّك مضيت إلى أبعد من حمّى عابرة أو قيظ قيلولة ساخنة.
42لا رجوع بعد سجود.
43الصلاة رداء الخائف.
44حيٌّ أنت إن جاءتك الريح من مشرق الأرض
وميت أنت إن جاءتك الريح من مغرب.
أذهب أبعد مما تقدّم وأزعم أن هيكلة القصيدة اعتمادا على المشتقّ من صحيح مسلم، منحها قيمة مضافة وجنّبها دهاليز التيه والتخبط في دهاليز استسهال الشعر المنثور وبالتالي التدحرج إلى قفص ما يشوّه الذائقة ويفسدها.
وتأتي الوحدة الأخيرة كعصارة ــ تقريبا ــ لما أغرت به تابوهات النص، المتلقي كطرف تشاركي تفاعلي تمتد به العملية الإبداعية حدّ تبني أسلوب جمالي مغاير لا يفتقر البتة إلى المغزى المعرفي الأجدر بخلخلة السائد وقلب موازينه والتأثير إيجابا في عقلية ومناحي حياة كل من تحاصره اللحظة الرمادية بإكراهاتها ومفارقاتها وتناقضاتها.























