القاسمي.. النزوح غير المسبوق – اضواء – وجدان عبدالعزيز

(هواجس على ذمة الصمت) أنموذجاً

القاسمي.. النزوح غير المسبوق – اضواء – وجدان عبدالعزيز

دوما نصوص الشاعرة اسماء القاسمي ، تأخذني الى حيث المعنى المتخفي في بلاغة النص ، فلا مناص من سلوك طريق التأويل ، باعتباره عملية معرفية يتداخل مع القراءة والنقد والتفسير والتحليل الخ ، وهو توجه الى النص ومن ثم الى ماوراء النص ، (لفهم الحالة المنتجة له وبناء فهم النص على فهم منتجه ، فيذهب إلى ما يقع خلف النص حيث منابت الكلمة ، محاولة لفهمه على حقيقته بل محاولة لإقامة تواصل مع النص، والتأويل كعملية معرفية ضمنية، يحاول بدأب الانفراد بالنص متوسطا بينه وبين قارئه فيتمتع بسلطتين في آن واحد سلطة النص على قارئه وسلطة القارئ الانعكاسية ثم ينطلق بها باتجاه المعنى المطلوب.) .. اذن هي محاولة لادراك المعنى حين يكون مختفيا وملتبسا ، فـ(إن الحقل المعرفي الذي يشتغل عليه فن التأويل هو فحص النصوص داخليا وربطها بسياقها العام خارجيا، لكن هذا لا يعني انه خاضع لمعايير ثابتة يظل بموجبها هو نفسه بل انه يتميز من متلق إلى آخر. فيصطبغ بوعي المتلقي، لأنه يكشف رؤيته للنص وهي رؤية ليست مطابقة لما أراده الشاعر، لهذا لا يمكننا أن نقصر النص على تأويل واحد.) ، فاجد الشاعرة القاسمي قلقة بين الوجود واللاوجود ، بين الزمن واللازمن ، الواقع وماوراء الواقع .. تقول : (يؤرقني ضجيج الوقت/أرتشف كأس الفراغ فأرتوي ضجراً) ، فاي وقت تقصد؟ ، واي فراغ؟ ، واي ضجر؟ .. هذا القلق ، قلق سماوي يتصاعد من ارضية الواقع الذي يكتنف الشاعرة ، مما يسبب لها صراع يدفعها بجذب خفي الى البحث عن خلاص ، قد تجد احتمالية وجوده في ساحات الشعر ، كونه اي الشعر يعتمد على الخيال المنبثق من الفهم والرؤيا المختلفة للعالم ، وبالتالي فان (التخيّل هو القوّة الرؤيوية التي تستشف ما وراء الواقع , فيما هي تحتضن الواقع ) , إذن القصيدة ليست مجموعة من التعاريف , وليست وصفاً زخرفياً , وليست تقريراً وجدانياً , إنّها أهمّ وأسمى من ذلك , والصورة هي أداة الشّاعر وهي ناقلة الشّعر ، أي ان الصورة ابتكار فني لا تنشأ من التشبيه ، بل تنشأ من التقريب بين واقعين متباعدين قليلاً او كثيراً) ، كما يرى بذلك ادونيس في كتابه زمن الشعر ، فقصيدة (هواجس على ذمة الصمت) ، مثلت هذا الصراع والقلق ، ودفعت باتجاه التأويل ، فـ(الشعر لدى أدونيس “مثلا” لا يَقبل بعالم مغلق، كما تريده الإيديولوجيا والمعتقد الجامع. فالشعر لا يقدر أن ينفتح ويزدهر إلا في مناخ الحرية الكاملة، حيث الإنسان مصدر القيم، وليس الآلة أو الطبيعة، وحيث الإنسان هو “الكلِّي على الإطلاق والحقيقة”، كما يعبِّر ابن عربي. فمهمة الشعر كانت في النظرة التقليدية أن يرصد العالم فيستعيده ويصفه؛ أما مهمة الشعر في النظرة الحديثة ، فأنه يعيد النظر في هذا العالم، أن يبدِّله، أن يخلق ويرتاد ويجدد. والشعر العربي الحديث، كما يرى أدونيس، هو مغامرة في الكشف عن المعرفة ووعي شامل للحضور الإنساني.) ، يقول الناقد العراقي الدكتور عناد غزوان : (فتطور الفكرة الادبية في العمل الادبي لا يتأتى الا عن طريق التأمل العميق والانغماس الشديد في اعماق روح التجربة المراد تصويرها او التعبير عنها بلغة شعرية او ادبية عالية ، فقد اهتم النقد في الاونة الاخيرة بتوكيده على لغة الشعر الرمزية او الانفعالية غير المباشرة ، فاللفظة في اللغة الشعرية او الادبية لا تستطيع امتلاك اية دلالة معنوية وحدها الا عن طريق الاستعمال مع غيرها من الالفاظ من خلال علاقة وثيقة بينهما ، وقد اكد هذه النظرة الدلالية الصائبة في النقد الادبي ، ناقد عربي قديم هو عبدالقاهر الجرجاني المتوفى 471هـ في كتابه (دلائل الاعجاز) ، الذي وضع فيه ما اصطلح عليه بنظرية النظم او التأليف ، تلك النظرية التي تعتمد على ثلاثة عناصر اساسية هي : اللفظ والمعنى والعلاقة الحاصلة بينهما) ، وهكذا اغذ السير في عملية استرداد المعنى التي تروم الوصول اليه الشاعرة نفسها ، وفي نفس المستوى الذي ابغي الوصول اليه ، كمتلقي عاش قربا لعالمها الشعري ، فلو تأملنا قولها :

(هدوء الليل يربكة الضجر

وعيون الشعر المحملة بالضوء

ادركها الغَسَق

سهادالليل أطفأء وهج عطرة

جزع الندى

لم تعد الأغنيات تطرب أرواحنا

المتخمة بالأوجاع

يدثرنا صمت الليل ,

فتنطق زوايا الفجر

بترتيلة الشجن المصلوبة على شفاه

الزمن

لم تعدالسماء تنجب المطر,

لا الفجر ينجب الضياء,

لا النوارس تحوم حول القصائد,

ولا الوتر يعزف نوتات الموج.

كلما حاولنا ان ننثر حروفنا على

لجين الماء

تورات مع دخان المدى

نبض النبؤات يتفقد أجنحة الريح

العابرة

منا / الينا)

نلاحظ حدة الصراع والنزوع غير المسبوق نحو افاق اكتشاف ملاذات علوية ، تنفلت من ربقة احضان الواقع باتجاه افاق سامية مع طرح تساؤلات غير مرئية ، تتصارع هي الاخرى في مساحات الشعر .. اذن الشعر عند القاسمي هو مغامرة في الكشف عن المعرفة ووعي شامل للحضور الإنساني وكنه وجود الحياتي ، رغم ان الشاعرة تتكئ على حالات الغياب بقولها : (كي يمر البكاء على شهقات الغياب) ، (ان ميزة العباقرة المبدعين الكبرى ايا كانت عبقريتهم هي قوة الخيال ، اي انهم يرون في الواقع ما يمكن ان يصير اليه ، وقلما يقفون عند حدوده الحاضرة … فالعبقري شخصية لاترى الواقع العملي جامدا يأسرها داخل حدوده .. ولاشك في ان مثل هذه الشخصية ستجد الشيء الكثير مما يدعو للخلاف بينها وبين الاخرين . وربما كانت هنا بذرة الصراع الذي يخلق من الشخص عبقريا … ان سلوك العبقري يكشف عن نوع من الحاح وراء الهدف الذي ينشده ، وهذه الشدة في السعي وراء الهدف قلما تتوافر للاسوياء ، ومن ناحية اخرى قلما يتنازل العبقري عن هدفه مهما صادفه من عقبات)1 ، وهنا تبقى الشاعرة القاسمي تحاول ان تضع لنفسها فلسفة خاصة في تعاملها مع الواقع ما بين الرفض والقبول …

مصادر البحث :

1ـ كتاب (البحث النفسي في ابداع الشعر) ثامر حسن جاسم /دار الشؤون الثقافية العامة /العراق ـ بغداد الموسوعة الصغيرة رقم 222ص64ـ65

2 ـ قصيدة (هواجس على ذمة الصمت) للشاعرة اسماء بنت صقر القاسمي