اللغة السرديّة النابضة بدفق المعاني – اضواء – أحمد البياتي

اللوحات الحوارية العاكسة للروائي  أياد خضير

اللغة السرديّة النابضة بدفق المعاني – اضواء – أحمد البياتي

الأجنحة البيض ، اشراقاتٌ لن تغيب ، تداخل الحواس روايات للكاتب اياد خضير  صدرت عن الزاوية للتصميم والطباعة ودار الكلمة نغم للطبع

في البدء يعتبر السرد الروائي لغة وسيطة وليست مباشرة ، لا يعرف إلا صنفاً واحداً هو ضمير الغائب ( الشخصية )، ومن يقول ( أنا ) في الرواية ليس ( أنا ) الخطاب ، أي فاعل المنطوق ، فهو مجرد شخصية بين الشخصيات وصيغة كلماته الأسلوب المباشر تضفي عليه موضوعية قصوى بدلاً من تقريبه من فاعل المنطوق الحقيقي ، لكن هنالك (أنا ) أخرى غير مرئية تحيل الى الراوي أي الشخصية الشعرية التي ندركها عِبرَّ الخطاب ، ربما في بعض الكتابات يختفي ( أنا ) الراوي وراء ( هو ) البطل وهذا هو السرد الموضوعي ، فكل سرد يتألف من عدة ( وجهات نظر ) ، فضلاً عن ذلك توجد الكثير من الصيغ والإشكالات الوسطية ، فقد تخدع الشخصية نفسها في رواية القصة ، كما قد تعترف بكل ما تعرف عنها ، قد تحللها حتى تنتهي الى أدق التفاصيل أو تكتفي بقشور الأشياء دون اللباب .

( في الليل عندما تهدأ النفوس ، ويريد الخروج تكثر العيون وسط ظلام ليلها في المنعطفات حينها يكون الوصول الى البيت تشوبه المخاوف فكثرة نقاط التفتيش الليلية لا تعرف هويتها يكون الخروج صعباً ، وعندما يفكر الانسان بالخوف يكون الجلوس جماعيا للعوائل ، تجلس سميرة الى جانبه يزداد جسدها التصاقا بجسده ، يشعر بالدفء ، يسألها عن الأشياء التي ستفعلها عندما يتحسن الوضع السياسي والاقتصادي ) رواية الاجنحة البيضاء ص 77 .

كقراء نريد من الكاتب اثارة سريعة وواقعاً يشبه واقع حياتنا كي نستمتع بالقراءة المتصلة لا المنفصلة ، باحثين عن شخصيات لم نلتقِ بها اطلاقاً وسرداً واضحاً مباشراً ، إذاً اين يكمن المفتاح السحري لتحقيق ذلك ؟.، انه يكمن في الشخصيات التي تنتشي بسحر الكلمات ، كون الحبكة تعتمد على الشخصية لأن ردّ فعل القراء يختلف في الظرف الواحد وأيضاً يعتمد الاطار العام عليها لسببين ، الاول صياغة الشخصية والثاني التلاؤم للأحداث الذاتية التي يكون لها تأثير خيالي كبير.

( عندما يفيض الفجر ، نكون قد عدنا من احلامنا ، وقد تجسمت الظلال وزحفت الخيوط من كل جانب ، كأنّها لصوص سنحت لهم الفرصة أو بذور جاء أوان انتشارها ، هكذا ولدت الأنانية عند الآخرين ، الحرية قيمة لا تقاس بثمن ، يقول سارتر ( غالباً ما تكون الحرية لا تعني الحصول على ما يرغبه المرء ، أنما تعني عزم المرء على أن يريد من خلال ذاته ) وأنا أمارس حريتي بالعيش وسط الناس الذين أحبهم . ) رواية الأجنحة البيضاء ص 22 .

وصف الشخصيات

تحتاج الرواية الادبية الى العناية بوصف الشخصيات بالإضافة الى متطلبات اخرى ، لذا يتعين على المؤلف ان يكون حسن الإطلاع ويمتلك الخبرة ومحصّن بما امتلكه من قراءات مكثفة عن الجنس الادبي الذي يكتب فيه . لقد التزم الكاتب أياد بحرفية الفن الروائي وبقي في اطار التركيز الذي ينبعث منه الحدث ، بدأ رواياته بأصوات جميلة وجديدة وبفنية عالية .

( جمعة القرار 10 / 6 / 2011 وصل احمد عامر وصديقه طارق ساحة التحرير ، طالب المتظاهرون باعدام مجرمي عرس الدجيل بعد اعترافات سفاح التاجي ( فراس الجبوري ) التي عرضتها القنوات الفضائية ، الجريمة التي راح ضحيتها 70  شهيداً باحتفال بزفة عرس قاموا باغتصاب النساء وقتلهن ورمي الأطفال في النهر بعد ربط مواد ثقيلة في اقدامهم ، كان احمد عامر وصديقه طارق بين جموع المتظاهرين على طوفان من الأصوات والأذرع التي ترتفع وتنخفض ، تسلقت انف احمد عامر رائحة الأجساد ، أحس بأنه بحاجة الى ماء ، دلفا داخل زقاق قريب ، شاهدا برميل من الصفيح في أسفله حنفية وقد علقت بجانبه أقداح من الفانون ، وهناك قدح لم يشد فقد تناولها احمد عامر وملأها بالماء ، شرب بسرعة واضحة وألقى ببقايا القدح على صدره ، فسالت قطرات من الماء على رقبته وصدره ، اقتربا من سيارة باص وحــــــشرا جسديهما لكثافة الازدحام متوجهين الى مقهى الشابندر ، عند الوصول جلسا الى طاولة في الركن البعيد من المقهى ) . رواية الاجنحة البيضاء ص 95 .

الكاتب أياد غاص في اعماق الواقع المعاش والأشياء وكشف عن العلاقات الخفية التي تتحكم بمصير الانسان وحركته والمعالجة عنده ليست سكونية وإنما هي تحريك العقل عند المتلقي وإدخاله في حدود العمل الفني ، فقد جمع بين بناء الرواية والقصة على شكل مقاطع والتصوير والأسلوب والمونولوج الداخلي بأسلوب رائع في جميع نتاجاته التي اطلعت عليها ،  فألفيته يمتلك قدرة فائقة على تصوير النزعات الانسانية والمواقف المتوترة والقدرة على تفجير الحدث من الداخل ذلك التفجير الذي يعطي للرواية قدرتها على النمو السامق ويضفي عليها نكهة مليئة بالحياة :

( ما إن وضعت الحرب اوزارها داخلي ، أجدني أقف على حافات من الضياع داخل زمن وهمي ، وأجد أنني مَسختُ كل شيء على طريق لم أختره بفطرتي ، لم يكن هناك عبث في هذه الديار ، إنّه صوت نفسي المسروقة من زمن عاطل ، مسروق من ذاتي ، طواعية ، أقف على قبر ، أردته أن يكون شامخاً بقبة عالية من الجليد ، لا تطال ، أغرس عيوني فيه ، لأهدمه في اللحظة التالية ، لحظة نزق .. هذه هي الديمومة الممسوخة الأطراف . أنا أعبث داخل سلسلة من القوافي المملّة ، تفقد الأوزان سماتها ، وتبطل الحروف إيماءاتها ، ويُسحق كل شيء في طاحونة الحقد ..ليذهب الى جحيمه ، وليدعني مع نفسي في وئام ، ماذا عملتْ الكتب بي ، هذه الكتب السوداوية ، حينما أجد نفسي محبوساً في قفص لا أراه بشدّة ولا أحسَّه . وحينما أرى مشاعري موثوقة بأشدّ ما في الإمكان ، بأربطة غليظة ، متاخمة لسواد الهزيع الليلي ، أجد زمني وكياني ولهفتي ، لأن أكتب ، وكلّ ما أريد أن أقول يا سناء ) . رواية اشراقات لن تغيب ص 55 .

يلجأ الروائي أياد الى التحليل ورسم الابعاد الدقيقة وعرض الجزئيات الصغيرة التي كثيراً ما تتكامل وتنمو لإعطاء الانطباع النهائي ، ويؤكد لنا الكاتب البديل الذي شيدت من اجله المخيلة وجعل صرح المكان تتبادل فيه بنيات الافكار التي تم تشيدها على وفق رؤية جديدة كما ان تجسيد الواقع تتم عبر حركة الرؤية وفعاليتها من خلال اقامة الدليل عبر التعامل مع الرمز من منطلق توفر البديل :

( مدينة الناصرية تغفو على نهر الفرات الذي يشطرها الى جزأين يحدها من جهة الشمال بستان الحاج زامل ، ومن جهة الجنوب يحدها بستان الحاج عبود ، في مواسم الأعياد تمتلئ بالعوائل وخصوصا في اعياد نوروز الذي يسمى بالعامية ( الدخول ) ويسمى عيد الشجرة ، تفترش العوائل البساط الاخضر في البساتين يتناولون الغذاء ويقضون أوقاتاً سعيدة بعيداً عن بيوتهم فرحين تتزاور العوائل وتلتقي في هذه الأماكن ، الأطفال يلعبون الكرة والشباب يستمعون الى الأغاني ) رواية اشراقات لن تغيب ص 17 .

الكاتب أياد ارتأى الهروب من الواقع التسجيلي الى الواقع المعاش باتجاه التشكيل الفني وانفتاح البنية الروائية على مجموعة احداث من خلالها شكل وأسس لعالم متين نابع من رؤية على حكايات متعددة:

( في تلك الليلة من ليالي الشتاء القارصة البرد ، لم نشهد من قبلها ليلة أفضعُ منها . سقط الليل فيها كالحائط على ساكنيه أنّها الحرب الغاشمة بكل ابعادها ومراميها .. زلزلت الأرض بساكنيها النائمين وبعد منتصف تلك الليلة التي لا تنسى ، روّع الأطفال وتصاعد هلعهم وصراخهم واختلّت موازين البيوت بساكنيها وأصوات الإنفجارات تهزّ كلّ شيء تنذر بالموت وتصمّ الآذان وتعلن عن خريف آتٍ بكلّ صفاته ليقضي على كل شيء جاء النذير وتحولّت البيوت من الهدوء والسكينة الى الحركة غير المنتظمة مصحوبة بالخوف ، الأصوات تتعالى هنا وهناك أزيز الطائرات القبيحة تعلن عن نفسها وتهدّد أيّ مكان لا همّ عندها سوى الإيذاء والبطش وينطلق الجحيم بصوت رهيب ليسقط في مكان ما مرّة هنا ومرّة هناك لا نسمع سوى أصوات الانفجارات وبدأت المقاومات الأرضية وهي ترسل نيرانها الى السماء حتى املأت بشكل حبال مضاءة تطارد غربانهم وهربت الطائرات بعد ان سقطت إحداها وبدأت القذائف تأتي من المحيطات وهي تئزّ فمن تصيبه الآن يا ترى ؟. ) رواية اشراقات لن تغيب ص 87 .

في رواية تداخل الحواس استطاع الكاتب ان يجمع بين الموهبة اللفظية وروح الدعابة والواقعية المذهلة وبين أسلوبه التعبيري الحيوي ، وفي بعض الأحيان نظرته للحياة يبديها في روايته بأسلوب عاطفي من خلال عودته الى الماضي ولكن بغلاف ضبابي ، إذ ينقلنا الكاتب الى محطات مختلفة تزاوج بين الألم والمتعة ، ليترك أذهاننا تنساب بجاذبية الى مبتغاه ، فهو يراعي البساطة وهذا الأسلوب في التجريد للمفردات له دلالة واضحة على حرفيته ومرونته ، ان صياغة التعابير المناسبة لخلق موضوع يتلاءم مع الفكرة المراد الكتابة عنها يكون لها تأثيراً واضحاً وصدى في الضمير والروح لأنها ترسم أعذب الصور عن الإحساس بواحة الألفاظ التي جعلنا الكاتب نتبينها :

( قبل أيام كان محسن عبد اللطيف يتجول في شوارع المدينة ، وكان يحلم بأشياء تافهة .. أشياء تعرضه إلى الاسترخاء المميت .. ثم يصدمه الواقع بحجر سميك فيتنفس بصعوبة .. أقدامه متعبة وكأنها كسيحة من قيظ الصيف .. يسير وهو لا يحس .

هل يتقدم الى الأمام أم يرجع الى الوراء ؟ لا يدري

صدى بعيد

إن هناك أشياء كثيرة تنتظره : وإنه لن يعدم نفسه بالتفكير الذي ربما قاده إلى الإنتحار .. أو الجنون .. ويتردد صدى بعيد في رأسه من هناك ، يظل كل يوم يجوب الشوارع حتى يهده التعب فيستلقي على كرسي المقهى .

كلما ينزل محسن عبد اللطيف درجة من الدرجات الهابطة للذهاب الى المقهى تضرب أنفه رائحة العفونة والرطوبة المتصاعدة من باب البيت لهولاء الأشخاص الذين سلبوا كبرياءه .

لم يستطع التخلص من عزلته ، كان وحيداً في هذا العالم ، عندما يهده التعب من التجوال في الشوارع ، يرتاح قليلا في مقهى ينظر الى روادها يلعبون ( الطاولي ، الدومينو ) وهو صامت ، لم يشارك أحداً ) الرواية ص 53 .

الكتابة من ادوات التعبير المهمة عن أحاسيس المرء في مواقف الحياة المختلفة وتتطلب وضع ما يثير هذه الأحاسيس بقالب تعبيري ولفظي مناسب ، هذه الإستثارة يمكن تحقيقها بإنتقاء صور مرتبطة بالواقع والذاكرة ، وهذه الصور بدورها تمثل تفاعل المحيط المادة بالإنسان الروح ، لكن الانتقاء المتفرِّد هو ما يميز العمل الناجح والملفت ، فالمعنى الموحي غير المباشر الذي استخدمه الروائي اياد كان مميزاً ومؤثراً :

( ثمّةَ وقت في حياة كل شاب ، يبدأ بالنظر لأول مرة إلى ما مضى من حياته ولعلّ تلك اللحظة التي يعبر فيها الحظ نحو الرجولة ، يفكر في مستقبل أفضل ، يطمح أن يكون ذا شأن ، إنساناً ثرياً يملك المال والجاه معاً يتزوج وتنجب زوجته الأولاد ، كان سمير على مايرام ، كل شيء متوفر لديه ، فكّر أن يذهب الى عمه جاسم عبد اللطيف يستلطفه لأن والده ما عاد يطيقه ، شيء ما في داخله يكون حائط صدٍ للالتقاء بابنه ، هناك سر دفين لابد أن يعرفه .. ) الرواية تداخل الحواس ص 39 .

في الرواية الجوهر يتمثل مرّة بالواقع ومرّة بالأبعاد المعرفية التي تنطوي عليها نظرية الجنس الأدبي ، إذ يتمثل العرضي بالخيال الذي يفتقر الى الصحة في اغلب الأحيان فهو الإطار الخارجي الذي يعمل من خلاله الروائي الى ترتيب جوهره ، فهي في مستوى محاكاة ما هو كائن تشبه النمط الكائن في الواقع الخارجي الذي لا تتحقق أبعاده لمجرد كونه كائناً في الواقع وتحاكي النمط واقعيا ليقترب هذا التفكير من المدركات الذهنية المجردة التي تتمثل في قيمة خلقية محكمة بالعقل أو نظرية فلسفية تتمحور عن مكنون الشخصية في الرواية ، فالتصوير والوصف مجرد آلة يحملها الروائي والنقل الحرفي يجعلهما مرآته التي تحدّد الكيفية التي يتم بها تشكيل الرواية ، كما إنها قادرة على عكس الصورة من الخارج ، إذ تعمد الى تثبيتها دون تمثل لما يحدث فيها من تفاعل ، هي غوص في اعماق الواقع المعاش والأشياء وكشف عن العلاقات الخفية التي تتحكم بمصير الإنسان وحركته .

( أقشعر بدن محسن عبد اللطيف ، عندما سمع صوتاً ما ، تهيّأ له إنه سمعه من قبل ، جال بنظره يميناً ويساراً لم يجد شيئاً يدل على الصوت .. أخذ قلبه يضرب كطبول مضطربة بجنازة حاكم ، دون أن يعرف .. وكيف يعرف ؟!

فاجأهُ الرعب الذي كان بداخله , الأجدر به أن يقهقه حتى ينتصر على ذلك الخوف الغريزي الذي كان يسكن ، مترسباً في أعماقه دون أن يظهر على السطح ..

قال بارتباك : هل أصبت بالجنون معقولة ، هذا صوت هدية تأتي لتخيفني ..

هل يعقل هذا ؟…

يجري نهر الحياة سريعاً .. والفرح يمر عابراً حين يلمس الروح ، ولأن الحزن يعشعش في النفس كما النمل الأبيض يعشعش في جذع شجرة وينخر فيها ، بقيت ذكرى هدية بنت حسنة مرسومة في الأعماق ومعشعشة في النفس .. ) الرواية تداخل الحواس ص 59 .

ختاما : كان الهمُّ الاجتماعي المباشر يختفي في روايات الكاتب لتبرز الهموم الإنسانية الكبرى التي يتوق الإنسان الى الطمأنينة والاستقرار والى السعادة المفقودة ، وهذا ما نجده جلياً حيث يشغل بال شخصيات الروائي أياد التي تحلم باستمرار في تحقيق كل ذلك وسط واقع يضغط عليهم بقسوة .