علاقات عاطفية في النصوص السردية – اضواء – يوسف عبود جويعد

تراتيل العكّاز الأخير

علاقات عاطفية في النصوص السردية – اضواء – يوسف عبود جويعد

(تراتيل العكاز الأخير) للقاص والروائي محمد علوان جبر من اصدارات دار عدنان للطباعة والنشر في العراق عام 2015 ، تضعنا هذه المجموعة في لحظة توهج الحدث في بناء فني استخدم فيه القاص الواقعية السحرية ، وعولجت بسياق فني وظف فيه اشتراطات فن كتابة القصة القصيرة بأساسياتها وأصولها ، مع اللمسات السحرية التي تهيمن على المتلقي وتجعله مبهوراً امام نصوص سردية اجتزت من الواقع المعاش ، وفيها عمق التجربة الذاتية المعاشة ، وسخونة اللحظة ، وصدق الرؤية الواقعية لكنها لم تكن مجردة من توظيف هذه الاحداث وإعادة صياغتها فنياً لتنتمي لهذا الجنس الادبي ، الذي اثبت فيه القاص أنه خير من يعبر عن خلجات النفس وإثارة مكامن الهواجس والمشاعر والأفكار الدفينة ،وإخراجها الى النور ليراها المتلقي على حقيقتها ،ثم بانعكاساتها النفسية وتداعياتها الداخلية ، حيث كانت السلطة القمعية شاهرة سيفها على الرقاب ،وكان الخوف ديدن الجميع وكان الانسان فيها ليس مخيراً في اختيار حياته ،بل كانت الحروب والمخاوف التي يعيشها المرء رغماً عنه ، فنكون مع الحدث السردي لحظة توهجه وسطوعه وسخونته ، بلغة سردية اضفت على الواقعية السحرية التي اعتمدها القاص في بناء نصوصه القصصية متانة وقوة ، وقد تأتى ذلك كون هذه النصوص من الادب المسكوت عنه في حينها ، اذ ان القاص يدون هذه اللحظات المتوهجه الساخنة ويعالجها فنياً،ويخفيها عن انظار الرقيب ابان الحكم المباد الذي كان يرفض ان تنشر مثل هذه النصوص كونها تشكل ادانة معلنة لحياة لا يملك فيها المرء ارادته ،كما ان القاص استطاع ان ينقل لنا واقع الحياة المريرة من كل الزوايا ، الحرب، الحياة في المدينة،العلاقة العاطفية بأروع صورها،ايام الاحتلال ، الخوف الذي لازم الانسان في هذا البلد خلال الحرب ، وخلال ايام الاحتلال ،كما اننا لم نجد هذه النصوص خالية من الاحساس ، او الحياة،بل انها واضحة وتنبض بالحياة ،ونكاد نلمس كل خلجاتها ، هذا لأننا عشناها بكل صورها ، واستطاع القاص ان يمسك بإحكام بكل سياقات القص ، بنية الحدث ، بنية الشخوص ، بنية الزمن ، بنية المكان ، الشكل ، المضمون ، الثيمة ، الرسالة الموجهة ، الانسانية ، الثقافية ، الادبية ،كما انه اجاد في ان يختفي خلف الاحداث السردية ، بحيث اننا نتابع احداث ساخنة محتدمة ونتعاطف معها ، ونتأثر بها دون ان نشعر بوجود القاص ، وانه استخدم المخيلة السردية في جعل النص صورة حكائية قائمة بحد ذاتها ،ونقل لنا احداثاً كنا نعيشها في ذلك الوقت بعمق صدقها، ولكي نكتشف البناء المحكم لهذه النصوص وواقعيتها السحرية ، علينا ان نرحل مع هذه النصوص ، ففي قصة (حفارو الخنادق) يبدو المبنى السردي لها ،الزمان ، والشكل ، والمضمون ،وكأنه ممر يفضي بنا الى بقية النصوص ، وهو دعوة للاكتشاف ، كون القصة في سياقها الفني ، تتناول مجموعة من الخريجين يساقون الى الخدمة العسكرية والحرب على وشك ان تقوم ( خريجون مرة أخرى ماذا أصنع بالخريجين والحرب على وشك أن تقوم ؟!.) مما يؤكد للمتلقي بأنه سيكون مع احداث ساخنة تكون الحرب مدخلاً لها ، ضابط امرد قصير، وعريف اسمر ، وتم تسلمهم بدلات القتال .. وبدلات العرض .. تسلمهم البنادق والمعاول والمجارف ،وتتوضح هذه الصورة اكثر في نهاية هذا النص (ومن يومها استلمنا المعاول والمجارف والبنادق .. لكن حينما حلت الحرب التي غطتنا كغيمة سوداء ،تساقطنا واحداً تلو الآخر، ولم تنفع كل الحفر التي حفرناها بالمعاول والمجارف … اذ اخترقتنا شظاياها بلا رحمة …) ص 8 ،

في قصة (ضوء ازرق اسفل الوادي )ندخل الحرب من اوسع ابوابها ، اذ ان بطل القصة مقاتل وسط اتون الحرب ونيرانها ، ويعثر صديقه “فخري” على دفتر مذكرات عائد لاحد جنود العدو ، ومن هنا يبدأ نسيج الخيوط السردية للحدث تنسج بشكل تناغمي ، نحو ثيمة انسانية ، اذ يكتشف بطل القصة ان الخصم كائن بشري يخشى الحرب ويمقتها ، وهو تواق الى عودة السلام ، ويحلم بالحبيبة ويتخيلها في الحمام عارية يداعب جسدها الماء، ويفك بطل القصة طلاسم هذه المذكرة ليجد فيها (الانتظار في الحرب يسبب رعباً أكثر من الحرب ذاتها، تنتظر من سيأتي ليقتلك او ربما تقتله .. والأمران يشكلان بحد ذاتهما رعباً حقيقياً بالنسبة لي على الاقل ، لكني واثق ان هناك من يفكر مثلي في الطرف الآخر من الجبل.) ص 12 ،ان القاص يؤكد من خلال تتابع الحدث السردي لهذا النص، ان الحرب لعنة حلت على الطرفين،وان الجميع زج فيها عنوة ولا يملكون الارادة لانتزاع هذه اللعنة او الابتعاد عنها ، وانها لصيقة بهم رغم عنهم حتى وان رفضوها،

في قصة (تراتيل العكاز الاخير ) التي حملت المجموعة اسمها،يحلق بنا القاص في فضاء ويلات الحرب وأثارها وآثامها ، ولوعتها،وحزنها،ومقتها،ولعنتها،بايقاع يهز الوجدان، وبلغة تعبر افق الرؤية الاعتيادية لتدخل اعماق الروح،بنغم متناسق، حيث نكون مع بطل القصة الذي يتعكز على طرف صناعي بعد ان فقد ساقه بسبب الحرب وهو يطلب من امرأة توفي زوجها وكان يتعكز على طرف صناعي هو الآخر الطرف الصناعي الذي لا تحتاجه بعد الآن ، اذ كان يفتش الاطراف الصناعية من الذين لا يحتاجونها ،وقد وظف القاص صوتين بعملية تناول الحدث،صوت بطل القصة الذي بدا شجياً حزيناً مؤلماً ، وصوت المرأة التي فقدت زوجها بعد معاناته وهو يعيش بأطراف صناعية،تمكن القاص من تناول هذا النص بالشكل الذي يدين الحرب، ويدعو الى نبذها،وينقل لنا ضحايا الحرب وحياتهم ، ومعاناتهم،وأن بائع الاطراف الصناعية، يحمل حساً انسانياً يفوق خيالنا، وجعل من متن النص السردي قطعة ايقاعية متناغمة منسجمة ، تتصاعد وتتواتر نحو ذروتها بمعالجة فنية تعطي للمتلقي حقيقة أن القصة بإمكانها ان تنقل لنا الحدث من زوايا تصل فيها بمحاكاة الذات الانسانية،و بعد ان يأخذ البطل الطرف الصناعي ،يقرر ان يرتديها، الا أن الطرف الذي ارتداه يقوده الى البيت الذي فيه روح من كان يرتدي هذا الطرف (وما الضير في أن يقودك الطرف كل يوم الى بيتي!!

نهضت من مكاني وانا اساعده على ارتداء الطرف..ترك العكاز في مكان جلوسه ..ولا اعلم هل سمعني وانا اعيد عليه عبارتي …

“ما الضير في ان يقودك الطرف الى بيتي كل يوم !!”

لانه سرعان مافتح الباب واختفى في الظلام ) ص 28

في قصة (صهيل العربة الفارغة) نكون مع تلك التداعيات التي كان يعيشها كل جندي يلتحق الى وحدته وهي مشتركة في المعركة، حيث الانسلاخ من الاهل ، الحنان، الدفء،الطمأنينة، الى حيث الحياة القاسية، ومواجهة الموت وجهاً لوجه،

في قصة (اغنية قديمة)نعيش حالة اخرى ، هي يوم انتهاء الاجازة، ولكن هذه المرة مع الحبيبة، في ليلة امتزج فيها هذا الدفء مع نداء الالتحاق في معالجة فنية ، وتجربة ذاتية احسسناها كما هي حركة السرد في هذا النص

في قصة (انقلاب) نعيش حالة من الذكريات التي تشبه صدىً قادماً من ماض بعيد ،حيث الطفولة، السينما ، لعب الاطفال، الانقلاب، اعتقال الاب،

في قصة ( ملاذات طالب العجيبة) يرسم لنا القاص معالم شخصية حقيقية ، هي شخصية طالب ، الذي بسبب الحرب فقد رجولته ،وهو يتنقل بدراجته ، والحديد القديم الذي يجمعه من المزابل،وزوجته المتسولة ، وتصرفاته وملاذاته العجيبة،

في قصة ( دخان المظلة ) نكون مع بناء فني فيه براعة ومراوغة وتحريك الحدث السردي نحو وضوح متن النص ،وابتعاد القاص عن مجرى الحدث،اذ يقوم بطل القصة بتناول الاحداث بتركيبة غاية في الاتقان ، فهو يعود لمقهى في ساحة الميدان كان قد ارتادها قبل عشر سنوات ، وذكريات مع الحبيبة والباص ، وهذا الرجل ذات العينين الصفراوين الذي يرافقه مع ذكرياته ، ويساعده على اعادة تلك الذكريات ، بعدها يكتشف ان هذا الرجل هو ذاته بعد ان غيرته السنين ،واخذ منه الكبر الكثير واكل منها الدهر وشرب ،

في قصة (اوبتيما زرقاء) ينقل لنا القاص بسياق سردي متناغم بنفس الواقعية السحرية حياة احد المواطنين الذي كان يعيش الخوف كما كانت يحدث ابان العهد المباد ، كون انه يملك آلة كاتبة (اوبتيما) زرقاء داخل البيت ،وكانت مثل هذه الاشياء فيها محاذير امنية ، بالرغم من انه اشتراها ولديه وصل ، الا ان هذا لم يعد مبرراً كافيا وقد تمت مداهمة البيت وصودرت الطابعة مع رواية قد استنسخها،وكانت التداعيات غاية في الدقة مما يوضح ان القاص كتبت هذا النص لحظة حدوثه،كون الحدث الذي ينقل عبر تجارب معاشة ، له تناول محسوس ، وبعد ان يجتاح الجيش الامريكي البلاد ويتم التغيير تعود اليه هذه الطابعة ، وبعودتها يعلن القاص زوال مرحلة مقيتة وصعبة مرت على الشعب العراقي ،

في قصة (سراعا تمضي السحب)نكون مع حكاية شاب يزور قبر امه الا انه يجد بجوارها قبر لشاب مات اثناء الحرب في شرق البصرة ويتعلق الشاب بالصورة والعبارة التي كانت مكتوبة على الصورة (..سراعا..سراعا..تمضي الايام بين ثنايا السحب..)

في قصة (غبار لم آخر) نعيش احداث ساخنة تقطع الانفاس بسحر اللغة السردية وغرابة الحدث ، وعمق الثيمة،اذ نعود الى الخوف الذي كان يسكن نفوسنا ، الا ان هذه المرة من الزوجة التي رأت حلماً مرعباً فيه ترى زوجها ميتاً،ويرتبط خيط الحلم متصلاً مع الواقع بمعالجة فنية رائعة وكأنه امتداد للحلم ، اذ يحدث انفجار تتطاير خلاله شظايا الزجاج المتكسر وتقع الصورة وتتحطم ،ويكمل القاص هذه الرؤية الفنية التي تعكس حالة الخوف بأن يدخل الزوج السرير وينام معها خائفاً

في قصة (جسر الملائكة) ننتقل الى حالة من حالات الخراب الذي الم بالبلد بعد دخول الامريكان ،اذ ان بطل القصة لا يستطيع ان يأخذ ابنه الصغير الذي يواجه الموت من مستشفى الثورة الى المدينة الطبية بسبب وجود القناصين الامريكان الذين لايسمحون لاحد الخروج ليلاً، وان القاص لم يكتفِ بهذه الحكاية الساخنة بل وظف لها ما يشدها ويمتن بناءها ، حيث الملائكة التي هبطت لانتزاع روح الطفل وحديثهما، وخروج سيارة الاسعاف مع خيوط الفجر وبقائها بنهاية تأملية متروكة للمتلقي

في قصة (مطر بلون الرثاء) نكون مع تداعيات غاية في الدهشة،اذ ان بطل هذه القصة يخرج من مأتم صديقه وعليه ان يرثيه،الا ان رثاءه لم ينقل فيها الحقيقة بسبب موته ،وما سبب اعدامه،وحضور روح الصديق الذي يدعوه الى ان يقول ما حدث بصدق.

تمكن القاص محمد علوان جبر في مجموعته (تراتيل العكاز الاخير) ان يجعل منها مجموعة اضاءت فضاءات واسعة من الزمن الصعب بأسلوب يعد لحظة ابداع دونت الاحداث بسخونتها وتوهجها وإحساسها ونبضها وصدقها وعمقها الواقعي والفني ، ولغتها السردية الساحرة ، التي تترك تأثير مشحون بالدهشة والانبهار