عالم إفتراضي .. عالم حقيقي – نصوص – لؤي قاسم عباس

عالم إفتراضي .. عالم حقيقي – نصوص –  لؤي قاسم عباس

أحاول أن اسرد لكم تجربتي مع عائشة صديقتي في العالم الافتراضي ( الفيس بوك ) وهي من بلاد المغرب العربي ربما لا أجيد فن السرد كما أنني أكتبُ في لوحة مفاتيح ( الحاسبة ) اذ أني لا أجيد الكتابة بالورقة ِ والقلم كما يفعل هواة القص من امثالي .

تذكرت فلقد نسيتُ أن اخبرَكُم عن أسمي فأنا محمد سلطان من العراق , عمري خمسة وأربعون عاماً الا بضعة اشهر , في الفاتح من تموز من هذا العام سأوقد شمعتي الخامسة والاربعين مع أنني أشعرُ بأنني اصغر من عمري فلازال لون شعري لم يتغير ولم تعبث التجاعيد والترهلات على وجهي وصورتي الشخصية على صفحتي في الفيس بوك توحي لكم بذلك . امتهن تدريس مادة الفيزياء منذ عشرين عاماً بالتمام والكمال , طلبتي يقولون عني بأنني شخص محبوب .

اما عن حكايتي مع عائشة فتبدأ منذُ سنين طوال وهي تضعُ بصمة الاعجاب فوق منشوراتي وتطور الأمر الى تعليقاتٍ رقيقة وجميلة تكشف عن شخصيةٍ ملمةٍ بقضايا ثقافية متنوعة . كنت كلما ارد على تعليقاتها تردُّ عليَّ بتعليقٍ اخر وكأنها تريد أن تفتحَ باباً للنقاش , لم انتبه لها كونها صديقتي أم لا كذلك لم انتبه ايضاً لطلبات الصداقة في صفحتي المكتظة دخلتُ الى صفحتها فوجدتُها قد ارسلت طلباً للصداقة منذ وقت طويلٍ جدا ً طبعا كان لابدَّ لي أن اوافقَ على طلبِ صداقتها لي ,  وما أن وصلها القبول حتى ارسلتْ على الفور باقة وردٍ جميل مع كلمات الشكر والأمتنان ثم قالت ارجو ان لا تمانعَ أن ارسلت لك  بين الحين والاخر صباحات ومساءات الخير على بريدك الخاص فقلت لها :- بالعكس يُسعدني ذلك . وفعلا لم تنقطع يوماً عن صباح الخير مع ابتسامة رقيقة او صورة لوردة ومثلها عند المساء واخرى قبل النوم بعباراتٍ جميلة ( عمتَ مساءً, تصبح على خير , اتمنى لك احلاماً وردية …. ) .

كنتُ في وقتها لا أؤمن بوسائل الاتصال كونها وسيلة لإقامة علاقات انسانية او غرامية فهي لا تتعدى كونها عالماً فتراضياً ,  الذكر قد يكون أنثى , والصغير ربما يكون كبيراً , والشاب ما هو الا شيخاً هرماً , والمؤمن قد يكون فاسقاً , فمعلومات المستخدم غير حقيقية والكل يتوهم النجومية وتتلبسهُ  شخصية دون كيشوت و أنه وحيد زمانه , عالم ملائكي  لاوجود للشياطين فيه فالكل يبحث عن الفضيلة , وأدركتُ ايضاً بأن مستخدمي الفيس يستخدمون حبائل للإيقاع بفريستهم وربما يصل الأمر الى ابتزاز هذا او ذاك تحت وطأة التهديد بالتشهير .

كانت علاقتي مع عائشة لا تتعدى هذا الاطار فأنا حذرٌ جدا ً من اقامة علاقات لكوني مؤمناً بأني اعيش في عالمٍ افتراضي ليس الا .

كنتُ استمعُ لقصصٍ كثيرة من اصدقائي عن علاقات غرامية في بعض الاحيان تكون مبتذلة وتفتقر الى ادنى مستوى الاخلاق تصل بعضها الى ممارسة الجنس البذيْ السلبي عن بعد ( العادة السرية ) ربما الكثير منهم  انغمسوا في هذه التفاهات لكني كنتُ مجبراً للاستماعِ عن لتلك القصص التي يرويها اصدقائي الحقيقين عن عالمهم الافتراضي , وكان احد اولئك ( زميل مدرس )  معي كان يُطلعني بكل صغيرة وكبيرة ولا يُخفي عني شيئاً و كنتُ أرى عيناه متورمة من قلة النوم والسهر فكان يروي لي كيف ينسحب بعد منتصف الليل من فراشه الزوجي ليختلي مع معشوقته الافتراضية يمارس معها الجنس عن بعد على الرغم من ان عمره قد تجاوز عقده الخامس , لا اخفيكم سراً حدثتني نفسي أن اكون مبتذلاً وتافهاً مثلهُ ومثل بقية اصدقائي ممن هم على شاكلته .

كانت عائشة هي الفريسة التي صممتُ على الايقاع بها وفعلاً بدأت بنصب شباكي وانا اترقب الساعة التي اوقع ضحيتي ( عائشة ). في صباح اليوم التالي ارسلت لي كالعادة :- صباح الخير , فقلتُ لها عذراً لا أستطيع ردَّ الصباح لشخصٍ وهمي لا يتعدى كونه خيال ليس أكثراً فما أنتِ الا شخصاً افتراضياً في عالم ٍ افتراضي .

 فقالت :- وما المطلوب كي اقنعك بأنني شخص حقيقي , قلت لها :- اريد رقم هاتفك لأتصل بك على الفايبر او الوايتساب او السكايب .

:- قالت وما يُدريك بأني سأرد عليك بنفسي لِمَا لا اطلب من اي شخص يردُّ عليك كي تتوهم بأنني مجرد شخص حقيقي , على العموم سأعطيك رقم هاتفي لتتأكدْ وتطمئن  لأني لا أريد أن اخسرك فأني احسُّ بأن افكارك قريبة الى نفسي وبصراحة اقولها اشعر بأنك تؤأم روحي . كانت هذه الكلمات بمثابة جرعات منشطة تشجيعية للاستمرار بما يدور في رأسي . وفعلاً اتصلتُ بها , فردَّت فوراً , وقالت :- هل تأكدت بأنني شخص حقيقي . قلت ُ :- لازال هناك ثمةُ شكٍ في رأسي هل تستطيعين فتح الكاميرا لأراك ِ قالت :- أنا افترض دوماً بأنك شخصٌ محترم ومثقفٌ وأنسان واع تحملُ قيماً انسانية فذلك ما لمسته من كتاباتك التي احرص على قرآتها كل يوم , لذلك لا أمانع سأفتحُ معك الكاميرا وعليك أن تعرف بأن المعلومات التي اوردتها على الفيس هي حقيقية فأنا مهندسة وزوجي طبيب و لي ولد وبنت ( طبيب ومهندسة ) وعمري كما هو مذكور في صفحتي مواليد 1975 )) يعني عمري الان اربعين سنة , وودعتها وطلبت منها ان نفتح كاميرا السكايب ليلا واغلقت حاسبتي وذهبت الى حيث اجتمع مع اصدقائي  في كازينو قريب من بيتنا لأستمع الى المزيد من مغامرات وحيل الايقاع بالخصوم . وفي الطريق كنتُ افكرُ عن تلك المعلومات هل من الممكن ان تكون فعلاً مهندسة كنت امني النفس بأنه ربما هناك مشاكل زوجية بينها وبين زوجها تجعلها تبحث عن بديل في اماكن مظلمة كما يفعل اصدقائي وكما سأفعل انا او ربما هي الرغبة في التجديد او ربما هي ليست مهندسة  كما تدعي فهي لازالت مجرد شخص افتراضي وهمي رغم أنني متأكدٌ أنها أنثى .

كان ذلك اليوم يوماً غير اعتيادي اجتمعت فيه مع اصدقائي ورحتُ أسألهم عن كل كبيرة وصغيرة للولوج الى عالم السفالة التي احلم ان ادخلها كانوا كرماء معي واغدقوا علي بتعليمات وتفاصيل لا تخطر حتى على بال الشيطان نفسه عدتُ الى البيت في ساعةٍ متأخرة وفرحتُ جدا حين وجدت ُ زوجتي كعادتها مستسلمة للنوم فالتمستُ العذر لنفسي وسوَّلت لي , وانسحبتُ الى حجرة الضيوف احملُ معي ( جهاز الحاسوب ) واوقدت شموعاً وخلقت ُ جواً رومانسياً شاعرياً يليق بهذه الليلة البهيجة وكانها ليلة زفافي , بعثتُ لها رسالة ( مسج )  وطلبت منها أن تفتح السكايب وجاء الرد سريعا بأنها موجودةٌ الان على السكايب تتحدثُ مع والدتها وفعلاً فتحتُ الكاميرا ورأيتها وجه لوجه , كانت جميلة وانيقة اكثر مما تخيلتُ , لا أعرف لماذا تصببتُ عرقاً وتسارعت نبضات قلبي وشعرتُ بأن دمائي تغيير مسراها حين رأيتها فهذه هي المرة الاولى التي اختلى فيها مع امراة عدا زوجتي وتحدثت معي بلطف شديد:-  أهلا محمد سلطان كيفك , وسألتها أن كانت لوحدها فاستغربت من سؤالي ولِمَ وحدي ! انا هنا في بيتي مع زوجي واولادي وأدارت الكاميرا صوب زوجها وطلبت منه أن يسلم علي وفعلاً حضر زوجها امام الكاميرا وأمتدحني واثنى على كتاباتي وقال بأنه هو الاخر معجب بكتاباتي ، كنت قد ارسلتُ اليك طلب صداقة لكنك لم تستجب ولم احاول أن أؤثر عليك لأني أؤمن بحق الأنسان في حرية الاختيار في كل شيء . كان الموقف محرجاً بالنسبة لي وصدمة حقيقية حين حضر اولادها وسلموا علي شعرتُ حينها بأني شخص مبتذل لا اليق أن أكون صديقاً لعائشة الطيبة وعائلتها.

ذهلت ُ حين استمعت منها كلاماً طيباً عكس ما كنتُ اتوقعهُ كان من جملة قولها .

أن على المثقفين العرب أن يستفيدوا من هذه التكنلوجيا الرائعة من اجل التواصل وتبادل المعلومات ومشاركة الاراء لا البحث عن التفاهات والقضايا الرخيصة التي تباع على ارصفة الشوارع عند المتسكعين اما نحن هنا فينبغي أن نسعى  الى تطوير حياة مجتمعاتنا الى ما هو افضل وبما يتلاءم وروح العصر . لقد اوجد لنا العلم وسيلة رائعة للتواصل فلا نجعلها وسيلة للابتذال علينا أن نلتحق بركب التطور العالمي وان لا نبقى نبحث عن التفاهات في نفس المكان حينها سنجد العالم قد سبقنا أكثر وأكثر ونحن نقبع في المؤخرة نسد رمق الشهوات .

ودعتها مع كلمات الاعتذار لما جال في فكري واحسست حينها بأنني مبتذل و رخيص وأمنتُ من يومها بأن ذلك العالم الأفتراضي هو عالم حقيقي فيه الطيبببن والصالحون والخيِّرون شأنه شأن العالم الحقيقي . وما أن فرغتُ من محادثة صديقتي عائشة حتى قررتُ أن اكتب لكم عن تجربتي فكانت هذه الاسطر التي بين ايديكم  .