خريف الأسئلة ووطن تحمل في رؤية طالب حسن
مفردات بسيطة تحمل جملاً مفعمة بالإيحاء – اضواء – أحمد البياتي
خريف الأسئلة ووطن في قبعة مجموعتان شعريتان للشاعر طالب حسن صدرتا عام 2014 و2015عن دار ميزوبوتاميا.
القصيدة ليست الا سحراً خاصاً ورؤية شخصية مشعة في كيان تعبيري محسوس ، إذ لايستطيع الشاعر ان يبتكر لغة من فراغ كونه محكوم بإرث لغوي يحاصره ويضغط على وجدانه ، وهذا الإرث يمثل تحدياً لشخصيته الشعرية ، واللغة بالنسبة للشاعر تظل ميدانا فريداً لتجليه والإفصاح عن شخصيته التعبيرية لأنها هي التي ترفع من نبض التعبير وحرارته ، فاللغة الشعرية تنمو باطراد كي تكون بالغة الكثافة ، حارة ومتحركة وتسد الفضاء الذي ينطلق فيه هواء الروح ، ان من سمات اللغة الشعرية المؤثرة فرادتها كونها لغة الشاعر التي تجسد رؤياه وحلمه وذهوله ، ان شكل النص الشعري او بناءه إذا فصل عن شحنته المعنوية والنفسية لايعدو كونه ضجة مجردة .
في قصيدة ( لو تسمع الريح صمتي ) من مجموعة خريف الأسئلة ص 6 يقول :
شائكة هذه الدروب
شائك هذا الهواء العابق بالنأيِ والإنكسار
إذ يغفو الحلمُ مثل قلب وحيد على الشرفات
ويزدحم الوقت بوقائع الهذيان
يزدحم بألاعيب الذين يبتكرون
في كل لحظة
قوارير جديدة
يلملمون بها دم الفواخت
من على الأشجار
الشعر يمكنه عن طريق الرؤية المتأججة ان يصل بالعام الى حرارة الجزئي والخاص ويستطيع ان يملأ ماهو شخصي وفردي بفيض من الدلالة الشاملة التي تغمر الإنسان في عموميته واطلاقه ، والنقطة التي يتماس فيها الشاعر مع محنة الإنسان ليست نقطة خارجية بل هي في حقيقتها تداخل محتدم ينضح بالدم والحرارة والشفافية .
في قصيدة عزلة فائضة من نفس المجموعة ص 18يقول :
بماذا تعتصم الأسئلة ؟
ماجدوى ان نطرق باباً
تعلم أنه لن ينفتح أبداً .. ؟
1)
غواية هذا الظل
أن ينام وهو يضع
تحت رأسه
فأسُ الغابرين
2)
تحت حد الشفرة
تمشي قبائل من عمى
تمشي في التيه
تمشي كالنيام
لكن .. ما إن يؤذن للحرب
حتى تعود لتحفر انكساراتها
من جديد
أستعمل اللغة البسيطة الواضحة البعيدة عن التعقيد والغموض في اللفظ والتركيب والتي تركت أثرها الواضح على خطابه الشعري مما جعلنا نحن المتلقين ان نتقبلها من دون ان نجهد فكرنا في المعنى والدلالة ، حيث الألفاظ تتدفق وفق إداء مميز في صور شعرية تكمن قوتها في إثارة العواطف والإستجابة لها فأالشعر يؤكد في كل لحظة قدرته الكاشفة التي تتجلى في رؤية مايخفيه عنا الزمن .
في قصيدة مأتم النرجس من نفس المجموعة ص 47 يقول :
احدق في البياض
البياض الذي بدد حروف اغنيتي
وأنا منهمك …
بمأتم النرجس
هذا المساء
أوصدت بابي بوجه صباح
يملؤه الإرتباك
وسدنةٍ يتأبطون المعاول
كذلك … أحكمت إغلاق كل نوافذي
شكلت اللغة عند الشاعر طالب في كتاباته الشعرية ركناً أساسياً ومهماً على اعتبار أنها موطن الهزّة الشعرية وانعاش وتجسيد للفاعلية الشعرية واختزال لكيانها المادي ، لذلك جعلنا الشاعر في هاتين المجموعتين نتحسس الدلالات الساطعة من حيث البناء في هيكل القصائد الممتلئة بالحرارة والشاعرية .
في قصيدة مرآةُ الطين الأزرق من نفس المجموعة ص 58 يقول :
(1)
أين …
يضع بيوض أحلامه
وسياج البيت
خشبهُ مسروق
من أشجار
الجنة .. ؟
(2)
لم يكن يعرفُ
-قبل أن يراكِ-
أنّ الوسائد
تشيخُ
كما الأزهار
جعلنا الشاعر نتلمس طعم التجريد والوهم والحقيقة والخيال حين تحرر من سلطة الواقع المرير وصولاً الى الفعل النفسي في عالم الروح ، محاولاً أن يرتشف من نفحات السرور والسعادة كونه يعتبرها واحته الخضراء التي تفيض شوقاً وحنيناً . استمر في بناء القصائد بالمهارات التي امتلكها عندما وظّف أدواته الشعرية بطريقة مؤثرة ومعبرّة لتصوير الأحداث المتدفقة بصفاء رؤيته الشعرية الثاقبة ولونه الشاعري الجميل .
في قصيدة عطش من مجموعة وطن في قبعة ص 35 يقول :
شاحبة أنامل النهار
شاحب ربيع الفواخت
شاحبة نخلة الدار
لاباب يفتح …
لهواجس اسئلتي
لامناديل تلوحُ
بالوداع
لايمكن أن ننظر الى عملية الإبداع منفصلة عن الشاعر بمعنى أن القصيدة منغلقة على ذاتها ، وكأنها بلا صانع حقيقي ، إذ الشعر لايغدو مخلوقاً بصفات محددة تكسبه ملامحه الخاصة إلا من بعد أن يدخل فيه الفعل والحدث تأثيراً ، لأن الرؤية الراسخة تلقي بظلالها العميقة على مهارات الشاعر الكتابية وتنعكس على أشكاله التعبيرية كما أنه أجادَ بصياغته للقصائد وبمهارة عالية أنه جدد مفاهيم عدة مما زادها قوة ووضوح واعطاها مساحة واسعة للتعبير والتصوير ، مخيلته الأدبية شكلت صنبوراً متدفقاً من الإبداعات حيث أنه لامس هموم الآخرين من خلال مشاركتهم معاناتهم ومحاكياً خلجاتهم ليستقر به الحال الى تجسيد الصورة الشعرية في عالم متداخل .
في مقطع استثناءآت من قصيدة منحنيات وعرة من نفس المجموعة ص 66 يقول :
باستثناء nطيور- جواد سليم
باستثناء-غليون- فائق حسن
باستثناء من مات وتشظى بلا كفن
باستثناء المواقد الخالية من الحطب
باستثناء الحلم الذي فقد عذريته
مع أول رصاصة
وآخر حرب
باستثناء أحجار البيادق
باستثناء دخان الحرائق
تظل احلامنا معلقة
على حبل من الشمس
نظل نحتفي كل صباح
بالزهرة التي اسكناها
حنايا القلب .
لغة الشعر تضع منطقها الخاص وتخلق وجوداً متميزاً وذلك لأن قدرتها الإبداعية تكمن في سعيها الى بناء النص من خلال إحساس قوي وتفكير مليء على اعتبار ان الشعر لديه حالة جدال ديناميكي بين القول والفعل ، لأن اللغة تتكون من عدة مكونات وهي التي تجعل القصيدة تسمو فوق حدود الزمان والمكان الثابتين الى المتحركين .
في قصيدة أكاليل فوق جثامين الوقت من نفس المجموعة ص 30 يقول :
الأموات ..
لايضعون الأكاليل
فوق مقابر التاريخ
الأموات لاهون
بقتل الوقت
ينظر …
للتماثيل مثلومة الوجه
التماثيل الهامدة الرغبات
عيونها مطفئة
شواخصها أشجار غابة
من عطش قديم
ينظر …
لفخاخ الصور الكابية اللون
وهي تصطاد رغيف الخبز
في وضح الظلام
تمثل قصائد هاتين المجموعتين تشكيلات جمالية تضج بالصور والأخيلة مصدرها الذات الشاعرة التي تمثل نقطة تلتقي عندها وتتقاطع مختلف اشكال الفعل الإبداعي الذي يتم تصريفه في فيض جمالي شفاف ، لذلك تلوذ نصوصه بجملة من المكونات والسمات المخصوصة من اجل بناء محتمله التعبيري الحداثي وفق تعاقد ضمني يجعل القارىء يقبل على التعامل مع هذه النصوص بوصفها موضوعاً جمالياً يمنح ادواته الفنية من تصور خاص لمفهوم الشعر ووظيفته .
في صوره الشعرية الصدق والوضوح مبتعدا عن العبارات الفضفاضة متقصياً ومتحرياً حتى تتبين له الصورة الشعرية الشاخصة في رؤياه النافذة عبر أشكال واحوال مختلفة، كما انه امتلك احساسا كاملاً في التعبير والاسلوب فاعطانا نحن القراء والمتذوقين للشعر مانريد.























