يوميات صحفي شاب خلال رحلته إلى بلغاريا

يوميات صحفي شاب خلال رحلته إلى بلغاريا
سخرية تحمل عبء المرارة
قراءة فيصل عبد الحسن
إن أية حياة مهما كانت تافهة ستكون ممتعة إذا رويت بصدق مقولة الشاعر الانجليزي صموئيل بتلر 1772 1834 التي جعلها الشاعر عبد المطلب محمود عتبة لسيرته، المقالب الجواهرية في ما سبق الأيام الهمجية لا تعبر عن حقيقة المتن في جزئها الأول، لكنها كما أزعم أختيرت بسبب جزئها الثاني، فحياة الإنسان مهما كانت متواضعة وبسيطة، هي حياة غير تافهة، وستكون متألقة ونابضة بالجمال، حين يتناولها فنان شاعر كعبد المطلب محمود.
ينقلنا الكاتب منذ بداية السيرة إلى منتصف السبعينات، إلى جريدة الجمهورية، وإلى أيام الأيفادات إلى خارج العراق، واحراجات ملء أستمارات المعلومات، التي كانت من الضرورات في ذلك الوقت للموافقة على الأيفاد لأي موظف إلى خارج العراق، للمشاركة في وفد إعلامي إلى جمهورية بلغاريا، التي بدورها كانت لها ذات الأهتمامات بأستمارة المعلومات، فقد كان على ضوئها تحدد أهمية الموظف القادم، إلى هذه الدولة، وفي أي فندق يمكن أستضافته، ومن من الموظفين البلغار سيصاحبه في جولاته، فقد كانت مرحلة السبعينات مرحلة الحرب الباردة بين القطبين الجبارين الرأسمالية والأشتراكية وكان لكل دولة من دول المعسكر الأشتراكي مخاوفها وأحترازاتها من أي وافد جديد لبلادها، ومن دواعي سرور السارد أن رئيس تحرير الجريدة رشحه للذهاب في ذلك الأيفاد، إلى هذا البلد الذي يعتبر من البلدان الأشتراكية الفقيرة، والذي يتواجد فيه العراقيون بكثرة، كما أن معظم أجازات الموظفين العراقيين الصيفية يتم تمضيتها في هذا البلد الجميل، والرخيص بالنسبة للعملة العراقية، التي كانت في ذلك الوقت مرتفعة القيمة بالنسبة لعملة هذا البلد، وغيره من بلدان المعسكر الأشتراكي.
الجواهري الكبير
ولم يكن للسارد غير فرات الجواهري ليملأ له الأستمارة مباشرة إلى البلغارية، وهو زميله في الجريدة وأمضى سنوات كثيرة في بلغاريا بصحبة والده الجواهري الكبير حين خرج من العراق ليعيش في ذلك البلد وكان أن أقنعني هذا ال فرات بوجهة نظره، وكان أن فاتتني معرفة بقية الاسباب المهمة للهفتي، وسعادتي إذ كانت تلك أولى مناسبات الأشتراك في الوفود الثقافية والإعلاميةالرسمية، وكان أن راح يوجه إلي الأسئلة المثبتة في الاستمارة الواحد تلو الآخر، وكنت اجيبه ليسجل بالفعل إجاباتي باللغة البلغارية، بقلم الحبر الذي كان يحتفظ به من منذ صباه مثلما أخبرني هدية من الوالد .. يعني الجواهري الكبير وبخطه المتعجل غير القابل للقراءة إلا بصعوبة، حتى وإن كانت كتابته لمقالاته التي يدبجها باللغة العربية ص 9
ولم تتم الموافقة إلى السفر إلى بلغاريا إلا بعد تسعة شهور، ومن المفارقات لم تتم الموافقة على أي من أعضاء الوفد بأستثناء السارد مما أدي إلى سفره أنفراديا ص11 والسبب كما حلله له السيد فرات الجواهري أن الموظفين البلغار قرأوا الأستمارة، التي تم ملئها من قبله، لأنها بلغتهم ولم يبذلوا أي جهد لترجمة أستمارات باقي أفراد الوفد التي كانت مكتوبة باللغة العربية وهكذا سافر السارد وحده إلى بلاد البلغار.
ابنة الرئيس البلغاري
وينقل لنا السارد خيبة امل الموظف البلغاري السيد لطييف الذي استقبله في مطار صوفيا الدولي فقد كان يظن أنه أصغر من أن يسرح بعدد من الخراف فكيف يستطيع شخص بحداثة سنه تنفيذ المهمة الوطنية الكبرى المناطة به لتمثيل الوفد العراقي، الذي سيصادق على على تنفيذ أتفاق التعاون الثقافي والإعلامي مع بلده ؟ ص13
والسارد يخفي في سرده روح سخرية مريرة، لكنها خفية، مما تعيشه بلدان كثيرة في ظل أنظمة شمولية، تتعامل مع كل شيء بروح بيروقراطية، ونظرة قاصرة لدور الفرد، ومشاركته في صنع الحياة والقرار، وهناك اشارات كثيرة حول هذه السخرية تجدها على سبيل المثال كقوله مكتب الثقافة والاعلام الذي هو بمثابة وزارة الثقافة والاعلام وترأسه السيدة لودميللا جيفكوفا وهي ابنة الرئيس البلغاري جيفكوف ص14 وينصح فرات الجواهري صديقه السارد بضرورة زيارة ضريح ديمتروف المحنط مثل لينين حتى يحترم جيدا في الفندق من قبل مضيفيه ص 15 وما كتبه فرات في الاستمارة بأن عمر الموفد 52 سنة، والصحيح انه من تولد 1952 ولذلك اتخذت الاحتياطات في بلغاريا حسب ما وصلهم من المعلومات بأن الموفد شيخ، مضعضع البنية وسينام بعد التاسعة مساء بعد ان يشرب كأسا من الحليب ص24 وعندما يحاول السارد التهرب من لقاء السيد البغيض ثقيل الدم لطييف الذي نظر اليه باستخفاف، وهو يستقبله في المطار ص31 ومع اللقاء بالجميلات المنتشرات في بلغاريا، كذرات الرمل في بلدنا، يتحدث عن صديقة النادلة القطة التي كانت نظراتها تخلعه من الارض وتلقي به إلى الفضاء ص40 .
بعيدا عن أجواء المسؤولية
ويتابع صاحب اليوميات في رحلته البلغارية شبح فرات الجواهري في بلغاريا فقد بدا للسارد ان جميع البلغاريين يعرفونه كدت أصرخ يا ألهي .. أهنا فرات أيضا ؟ لكنني وجدتها تسبقني فتصرخ معقول أنت تعرف الأستاذ فرات ؟ ص 70 ويستخدم السارد معرفته الشخصية بفرات الجواهري المشهور جدا كما بدا له في بلغاريا ليؤكد للبلغار انه متبع أمين لأرشاداته التي زودها بها في بغداد عن بلدهم بلغاريا، لكي يسهل مهمته وكذلك للخلاص من براثن الفتيات الجميلات العابثات ص77 ثم يقول عن مهمته، وما رآه من أهتمام البلغار به مما جعله يشعر بأهميته والحق ان هذه المكالمة الهاتفية جعلتني اشعر شعورا مضاعفا بأهمية ما أوديه من واجبات رسمية لخدمة العلاقات القائمة بين بلدينا الصديقين ولكن شبح فرات لا يختفي حتى عند الشعور باهمية الذات فضلا على المزيد من مشاعر المحبة لصديقي الكبير فرات ص80 وما أن يلتقي السارد بأزاد الشاب الكردي المليونير ولاعب الروليت الخاسر دائما للمال، المتنفذ في تلك البلاد، والمتزوج من ابنة احد البلغاريين النافذين في حكومة جيفكوف، ص95 حتى يتغير ايقاع السرد ويصير سردا لما يجده السائح الباحث عن المتع في هذه البلاد، وبعدا عن أجواء المسؤولية و المحاذير السخيفة اللتين كان يحمل منهما الكثير، من قبل أن يكتب له هذا الأيفاد إلى بلاد البلغار.
أزمة الإنسان
المقالب الجواهرية في ما سبق الأيام الهمجية للشاعر عبد المطلب محمود أحد أهم كتب الرحلات الجميلة، التي تزودك بمفارقات الأيفادات الحكومية في السبعينات، كما أنها تروي الكثير من التفاصيل عن الحياة السياسية والأجتماعية في ظل حكيم فيدور جيفكوف وظل الحقبة السوفيتية على هذا البلد الفقير، من الموارد والذي كان يعيش على نصف مليار دولار من المساعدات السوفيتية كل سنة، وذلك من خلال تصدير النفط الروسي الرخيص إلى هذا البلد ليعاد تصديره إلى الخارج بأضعاف ثمنه الرخيص القادم من الدولة السوفيتية، وكذلك من تصدير ما تنتجه الصناعة البلغارية المتخلفة إلى الدولة السوفيتية، حيث تكون ملزمة بشرائه وضخه لباقي الجمهوريات الأشتراكية لمساعدة الدولة البلغارية، لقد روى السارد يوميات صحفي شاب من العراق في رحلته البلغارية، إذ يتفتح ذهنه لأول مرة على مجتمع أشتراكي بدأت تظهر عليه عوامل التهرء، والسقوط كنظام أقتصادي وأجتماعي، وأخلاقي ايضا، وفي ظل نظام شمولي يعطي للمظاهر الخادعة أكثر مما يولي عناية حقيقية لما يعيشه الناس من أزمات حقيقية في كل شيء أبتداء من أزمة الفقر إلى ازمة الحكم، إلى أزمةالإنسان، وعندما لم تجد بلغاريا المساعدات المالية الضرورية من الاتحاد السوفيتي من خلفاء بريجنيف، أتجهت إلى المعسكر الرأسمالي، وقايضت حكمها واقتصادها الأشتراكي بأقتصاد السوق وقوانينه الرأسمالية.
/9/2012 Issue 4307 – Date 18 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4307 التاريخ 18»9»2012
AZP09