الأمم المتحدة وازدراء الأديان والأنبياء
د. أكرم المشهداني
تتداول وسائل الاعلام منذ أيام لقطات من الفيلم الأمريكي الوقح القبيح السيء، فيلم تافه وحاقد بكل معنى الكلمة، أنتجته الولايات المتحدة من انتاج صهيوني أمريكي، وهو واضح المقاصد والأهداف في سياق الحملة الشرسة ضد الاسلام والمسلمين، وتنفيساً للأحقاد الكامنة في نفوسهم الكارهة للاسلام ولنبي الرحمة نبي الله محمد الذي بعثه الله رحمة للعالمين أجمعين قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز
بسم الله الرحمن الرحيم
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَاِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ سورة الجمعة آية 2.
ان الاساءة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم في فيلم أمريكي قبيح تشكل اهانة واضحة للمسلمين ولكل أتباع الأديان السماوية وهي استخفاف مرفوض بالدين الاسلامي من قبل أتفه وأخس الناس في الوجو.
ان أعداء الأمة يجددون اليوم حقدهم وكراهيتهم المعلنة للاسلام والمسلمين وللانسانية أجمع، باستهدافهم لنبي الرحمة والانسانية بفيلم مسيء للرسول الأكرم من انتاج صهيوني أمريكي، بعد سلسلة اساءات متكررة للرسول سبقت من سنوات أبرزها الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة والمشينة، لنجد أن أولئك الذين يتذرعون بالديمقراطية لمهاجمة الاسلام ونبي الرحمة هم يتخبطون في الظلام أمام النور المحمدي الذي عم الكرة الأرضية واخرج ساكنيها من الظلام الى النور لتكون رسالته الخالدة محطا لمن أراد التحرر من عبودية العباد الى عبودية رب العباد, الذي كفل لهم حرية وكرامة سمت بانسانيتهم وخلصتهم من ظلم الطواغيت. ان الاساءة المتعمدة للرسول في الفن الزائف الذي يدعيه بعض المعتوهين من الغرب برعاية حكوماتهم وبدعم صهيوني واضح هو رسالة استخفاف بمشاعر مئات الملايين من المسلمين في العالم، وهو صورة علنية من الحرب ضد الاسلام الحنيف بعد أن فشل حلف الشيطان باطفاء نور الله في الأرض.
انه لمن المؤسف أن نشهد خلال العقدين الاخيرين تصاعداً شريراً ملحوظا في جرائم الاستهانة بالرسول العربي الكريم وبالمصحف الشريف كتاب الله العزيز، من قبل أصحاب الغرض الحقير، في اطار الهجمة الشرسة علي الاسلام والتطاول الفض علي الذات الالهية وعلي الأنبياء والرسل وبخاصة خاتمهم سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم، تحت تسميات وذرائع حقوق الانسان وحرية التعبير والديمقراطية، وما هي الا تشدقات وافتراءات يراد بها باطل أساسه التنفيس عن كراهية الاسلام والحط من معتقدات المسلمين ورموزهم المقدسة، ودافعها الوحيد هو التطرف الأعمى والحقد والعنصرية، وفي الوقت الذي اصدرت المنظمة الدولية للأمم المتحدة عدة اتفاقيات دولية وقرارات من مجلس الامن تجرم العنصرية والتطرف، وتكرس لحقوق الانسان وحرية العقيدة، لكنها لم تقم بتجريم أفعال التطاول علي الذات الالهية وعلى الكتاب المقدس، وعلي الاديان والرسل مما يتنافلى مع أبسط أسس ومبادئ شِرعة حقوق الانسان، والاعلانات والمواثيق الدولية ذات الصلة التي تكرس لاحترام المعتقدات وسائر الأديان والمذاهب ورموزها، متغافلين عن حقيقة أن من شأن ذلك أن يثير الكراهية والبغضاء ويؤجج من مشاعر الانتقام بين الشعوب والمجتمعات في الوقت الذي تتصاعد دعوات الخيرين للتعايش الانساني السلمي بين المجتمعات والشعوب.
حرية التعبير لاتعني التطاول على المقدسات
فتحت ادعاءات الحق في التعبير بدأت تظهر تجاوزات وخروقات وتطاول بذيء علي الذات الالهية وعلي حرمة الأديان والمعتقدات، وبالأخص ضد الشريعة الاسلامية ودين الاسلام، من أطراف مشبوهة بعضها يدعي العلم والعلمانية ومنهم من يتظاهرون بكونهم من المسلمين والاسلام منهم براء، ومنهم من يسلك هذا الطريق الشيطاني من اجل الشهرة والانتشار خاصة حين تكون مادة التطاول منشورا أو كتابا أو مطبوعا، لأته يعتقد أن سلوك هذا الطريق الأخرق هو أحسن وأسهل طريق للشهرة والانتشار.
وفي الوقت الذي تبذل الأمم المتحدة ولجنة حقوق الانسان فيها جهوداً متواصلة من أجل الحد من جرائم التمييز العنصري، وتوعز بتغليظ العقاب على مرتكبي الجرائم التي تتعلق بالعنصرية والتمييز بين البشر، وتنمي مشاعر الحقد بينهم، نجدها تتغاضى عن جرائم اهانة المقدسات وازدراء الرموز الدينية، اغفالا لتأثيرها السئ واثارتها للنعرات العنصرية وتأجيج مشاعر الحقد والانتقام.
جريمة منهجية
ان قضية اهانة القرآن الكريم صارت خلال السنين الأخيرة عملا ممنهجاً على المستوى العالمي، تسير حسب خطط خصوم الاسلام بعد دراسات وبحوث وتقارير ميدانية عن قداسة القرآن في قلوب المسلمين وازدياد اهتمامهم به حفظا ودراسة، طبعا ونشرا، تعريفا وتفسيرا، خصوصا بعدما وجدوا أن مراكز توجيه المسلمين ــ أحزابا ومؤسسات وشخصيات ــ يستفيدون وبمهارة فائقة في تنشئتهم العقائدية والفكرية والسياسية والاجتماعية من معطيات الحضارة الغربية من تكنولوجيا حديثة كالانترنت وشبكات الاتصال وغيرهما من وسائل مقروءة ومسموعة ومرئية.. وهم ينظرون الى اتساع مجالات الدعوة بحرقة وألم، كما يرون عودة أبناء أجيال القرن المنصرم المغرر بهم الى الاسلام عقيدة ومنهجا، فكرا وممارسة، دعوة وبناء، وتوجيها للدولة والمجتمع، فالتجؤوا الى أساليب صبيانية في الاستخفاف بالاسلام ومقدساته، حتى بدت بداية ظاهرة قد تليها مراحل أشد عدوانا.
رسوم الكاريكاتير
المسيئة للرسول
ثم علت صرخات التحدي الأوروبي للقرآن وأهله، فقام رسام كاريكاتير دانماركي برسم ما سموه رسوم محمد صلى الله عليه وسلم ليطبعوه في كتاب كاري بلوتكن للأطفال عن القرآن وحياة محمد صلى الله عليه وسلم، ونشرت صحيفة يولاندس بوستن الدانماركية اثني عشر رسما منها في 30 سبتمبر»أيلول 2005، وبعدها بأيام وفي عيد المسلمين قامت مجلة مغازينة النرويجية بنشر الرسوم ثانية فكان ما كان من المواجهات في كل بلاد العالم عدا اسرائيل .. وحرق المسلمون سفارات وقنصليات دانماركية ونرويجية وقاطعوا بضائع الدانمارك وكافؤوها بخسارة ثمانية مليارات دولار خلال سبعة أيام اضافة الى عزل الدانماركيين في كل بلاد المسلمين والنظر اليهم كاسرائيليين.. والنرويج سعت بسرعة لتصحيح موقفها، فأتت الحكومة برئيس تحرير المجلة المسيحية معتذرا عما نشر، وأرسلت وفدا من المسلمين والمسيحيين الى الشيخ يوسف القرضاوي وغيره من العلماء خوفا من مصير اقتصادي واجتماعي مشابه للدانماركي.ومرة أخرى في هولندا، ذلك المجتمع الديمقراطي والمنفتح على ثقافات الأمم وجد بلاده ساحة تحد حضاري بين ضيقي الأفق الغربيين والمتعصبين الأمريكيين ضد المسلمين في أوروبا البالغ عددهم خمسة وعشرين مليونا، حيث يشكلون في هولندا وحدها 20 من السكان البالغ عددهم سبعة عشر مليونا، منهم أحد عشر ألف مسلم ولدوا من أبوين هولنديين أصليين.شكل السياسي الهولندي خيرت فيلدرز ــ الذي درس سنتين في اسرائيل ــ بعد مقتل صديقه فان جوخ حزبا سياسيا في 2006 جمع حوله كل من يعادي المسلمين وطلب بصورة علنية حظر القرآن في هولندا، ودعا عام 2007 المسلمين مرارا الى تمزيق نصف القرآن اذا أرادوا البقاء ووصف القرآن علنا بأنه كتاب فاشي ككتاب كفاحي لهتلر.. وأنتج في 2008 فلما سماه الفتنة مهاجما الاسلام والقرآن ومحذرا أوروبا عموما وهولندا خصوصا من المستقبل الذي يقع بيد المسلمين وغيرها من الاثارة.وقرر حرق القرآن علنا فأثار الأمر كل السياسيين الهولنديين وقد قام رئيس الحكومة ووزير العدل ووزير الخارجية بمناقشته في التلفزيون لثنيه عن حرق القرآن، لكنه أبى. ثم حرَّق سرا، وصور ونشر فعلته.. وعندما قدم للاستجواب أظهر الصورة على حقيقتها وتبين أن الذي حرَّقه كانت نسخة من دفتر كتالوج التلفونات.
محاولات خبيثة لشيطنة الاسلام في أنظار الغرب
واستمر الغرب في تنفيذ خطط تأجيج الصراع ضد الاسلام والمسلمين، صراع حضارات، كما سمّاه صموئيل هنتنغتون. ليوجهوا مجتمعاتهم ويقنعوهم أن العدو الجديد لهم هو الاسلام المتحدي فلسفة وفكرا، حركة تغير وسياسة، قيما اجتماعية متأصلة، موجهة بالقرآن روحيا، كي يحرموا المسلمين من نفس من ديمقراطيتهم، كي يدوسوا حقوقهم باسم حقوق الانسان بعد ما نصح رئيس أميركا الأسبق بيل كلينتون الحكومات الأوروبية بالكف عن الاساءة للاسلام وذكَّرهم بما فعلوه باليهود وما دفعوه اليهم بعد انشاء اسرائيل ــ والمسلمون يمرون بحالة مشابهة لحالة اليهود قبل الحرب العالمية الثانية ــ اذا بقسيس أميركي تيري جونسون من فلوريدا يدعو الى اليوم العالمي لحرق القرآن وقد قرر أن يحرق مائتي نسخة من المصحف في ساحة كنيسته في يومه العالمي لحرق القرآن وعندما وجد رد الفعل عنيفا في كل ولاية أمريكية ثم في العالم كله تراجع.ثم أعلن ملحد أسترالى لا يؤمن بالأديان ويدعى اليكس ستيوارت بأنه سيحرق الانجيل والقرآن معا، لكنه لم يرنا الا صفحة انجيل لفَّها على شكل سيجارة وأشعلها وشهق دخانها وقال ما أقدسه لما وجد الغرب أن ردود أفعال المسلمين لا تتجه الى أديانهم بل الى الجانب الاقتصادي والأمني من حياتهم اضطروا أن يسايروا.. لكنهم شجعوا بصور غير مباشرة ملاحدة بلادنا وأبناء الجاليات المسلمة من الذين انحرفوا عقائديا على اهانة القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم والاسلام، بترجمة ما يكتب لهم من الخارج ويوصل اليهم عبر شبكات الانترنت ليرددوه باسمهم وكأنهم مفكرون وكتاب أو مناضلون من أجل الديمقراطية وحقوق الانسان دون أن يتركوا جبهة حرق القرآن قيد أنملة.
الجنود الأمريكان واهانة المصحف تاريخ طويل
ولعل قيام جنود أمريكان باهانة المصحف الشريف بين آونة وأخرى تظهر مدى الحقد الدفين الذي يحمله بعض من هؤلاء ضد القرآن الكريم، وآخرها ما حصل في أفغانستان يوم الخميس 23 فبراير»شباط 2012 من حرق للقرآن الكريم من قبل جنود الاحتلال الأمريكي في قاعدة باغرام الجوية في كابول، وعلى أثرها هبت تظاهرات عفوية جوبهت بالرصاص وسقط عدد كبير من القتلى ومازالت التظاهرات متصاعدة، وأعلن شيخ الأزهر ان القرآن الكريم هو خط احمر.. ووصل الأمر بالرئيس الأمريكي أوباما الى الاعتذار علنا الى الشعب الأفغاني جراء هذه الجريمة..وسبق للجنود الأمريكان أن فعلوها في العراق يوم ان وضعوا المصحف هدفا للرماية بالاسلحة النارية للتسلية.
لابد من وقفة صارمة
ولحماية ثوابتنا الدينية من عبث العابثين فلابد من وقفة حازمة تجاه الذين يطعنون بصحابة رسول الله وازواجه او يسبونهم او يكذبون عليهم، ولابد من تشريعات وطنية تجرم مثل هذه التجاوزات البذيئة. ولابد من تفعيل سبل المواجهة التشريعية للدول بالتعاون الدولي لمكافحة جرائم ازدراء وامتهان الأديان علي المستوي العالمي وذلك بعقد الاتفاقيات الدولية لملاحقة أعداء السلام العالمي الذين يثيرون الفتنة الدينية بين شعوب العالم بما يؤدي الى وقوع اضطرابات بين الدول وذلك بردع الفئة المثيرة للقلاقل. ترتيبا علي ذلك فان الدين أحد مقوماتنا الأساسية الذي لا يتجزأ عن النظام العام وأن مبادئ الشريعة الاسلامية هي الثوابت التشريعية وتحتل في بناء التدرج القانوني التشريعي درجة الدستور التي تتضمن الأحكام العامة ويكون للمشرع أن يسن القوانين التي توائم الحياة المعاصرة بما لا يخالف ثوابتنا التشريعية القرآن والسنة النبوية وبالتالى لايجوز امتهان ثوابتنا التشريعية الدينية كالذات الالهية وشخص رسولنا المصطفي وخلفائه الراشدين وأهل بيته الأطهار وصحابته الكرام.
ولا يسعنا في الختام الا أن نؤكد ما يلي
ــ ان اهانة الرسول الأكرم في فيلم أمريكي هو تجاوز للخطوط الحمراء، فلا يمكن السكوت على ذلك بأي شكل من الأشكال.
ــ ندعو المسلمين جميعا الى نصرة نبيهم وزعيمهم بكل الوسائل السلمية والمشروعة لان ذلك واجب عليهم.
ــ نذكر العرب والمسلمين أن نصر نبينا يكون أولا بالتمسك بنهجه وبالدرب الذي رسمه لنا والاعتصام بحبل الله المتين.
ــ على الولايات المتحدة أن تحاسب وتعتذر لامتنا عن هذا العمل فلن تخذل امتنا نبيها وقدوتها.
ــ ندعو الدول الاسلامية للضغط على حكومة الولايات المتحدة لمحاسبة من قاموا بهذا العمل الذي يشكل ازدراء لكل الأديان السماوية.
كما نؤكد ضرورة قيام الأمم المتحدة باصدار قرار ملزم يجرم ازدراء الذات الالهية والأديان والأنبياء والرموز المقدسة…. فلا تهاون ولا مهدنة مع من يهين خير الأنام وامام المرسلين.
واننا لمنتظرون لما ستقدم عليه حكوماتنا الغيورة باذن الله… وعندها يكون لكا حادث حديث.
/9/2012 Issue 4304 – Date 15 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4304 التاريخ 15»9»2012
AZP07
























