الإدارات بين زمنهم النظيف وزمننا الدنس

الإدارات بين زمنهم النظيف وزمننا الدنس

في منتصف القرن الماضي عاد من أمريكا عمي (شقيق والدي) الله يرحمه ويرحم موتاكم وهو يحمل شهادة في الهندسة الغذائية وهي شهادة نادرة في ذلك الزمن فكلف على أثرها بإدارة معمل تعليب كربلاء وقد نجح المعمل في إدارته وإنتاجه وقد ذاع صيته محليا وعربيا سألته ذات مرة وفي أيام تقاعده عن سر نجاح الإدارات في ذلك الزمن وتميزها عن إدارات هذا الزمن في كل النواحي..

قال عمي : عندما تركت منصب مدير المعمل سلمت الى مدير المعمل البديل رسالتين وقلت له عندما تضيق بك الأمور افتح الرسالة الأولى فقط واقرأها وإذا ضاقت بك الأمور مرة أخرى افتح الرسالة الثانية و اقرأها

فسألته فورا : وماذا كتبت في الرسالتين ؟؟

فقال : كتبت له … إذا تعثرت أمور المعمل وسارت أموره بما لا يرضي الآخرين قل لهم السبب في الإدارة السابقة ثم صحح أخطاءك

فقلت له وماذا كتبت في الرسالة الثانية

قال : كتبت له … إذا تعثرت أمور المعمل ثانية وسارت أموره بما لا يرضي الآخرين مرة ثانية أترك العمل وسلم هاتين الرسالتين لمن يأتي بعدك.

إلى هنا انتهى الحديث بيني وبين عمي عن الفرق بين الإدارات في زمنهم النظيف الذي سادت فيه المصلحة العامة على حساب المصلحة الخاصة وبين إدارات زمننا الدنيس الذي سادت فيه الأنانية والتعنت والتمسك بالكرسي ..

اليوم عندما يكون المسؤول مقصرا في عمله وغير ناجح في خطط إدارته تكون النتائج غير مرضية ومخيبة للآمال وعندما يستجوب يكون الجواب جاهزا : السبب هو الإدارة السابقة (حسب رسالة عمي الأولى). لكن عندما يستمر التقصير في العمل وتستمر الخطط الفاشلة لا يترك المسؤول منصبه (حسب رسالة عمي الثانية) بل يبدأ مرحلة جديدة بعقلية فردية لا تقبل التنازل يخوض فيها صراعا ليس حبا بالوطن ومن أجله بل من أجل التمسك بالمنصب الذي بات مصدراً للثروة والجاه، تحت حجج واهية وشعارات براقة زاهية، لا تخدع سوى بعض الانتهازيين ممن يرضون بالفتات الذي يرميه لهم أسيادهم.

ويعمل على مقولة (أنا وليأتي من بعدي الطوفان). ولم تعد خططه فاشلة بل تقوده إلى التخطيط للفشل.

عدنان فاضل الربيعي