ميثاق كريم الركابي في راهب الخمر:
تورّدت شفاهي بالظلال – اضواء – فلاح المرسومي
في مجموعتها الشعرية والتي جاءت بعنوان ” راهب الخمــر ” مستلاً من عنوان القصيدة الأولى في المجموعة حيث تنادي الشاعرة ميثاق كريم ” راهب الخمر .. كأسك ملأي بالحزن ..وإنجيلك آياته الســكر ..أديرتك تســابيح ..أشعار أبي نؤاس..” ، “… ولمحرابك دعوات صمّاء ..كقبورِ على الطرقات لا تحمل أسماء ” ، المجموعة تحمل على صفحاتها الـ(112) ســـتوين نصاً نثرياً أغلبها بوحدة الفاعل الشريك (الخمر ) لتعدد استخدامه في مفردة القصيدة ، وفيها مساحة واسعة من وحدة اللغة ، وبفضل الإبداع الذي نجده بين سطور النص فيقوى الأسلوب الشعري في الاستمتاع وفي الوصول الى المتلقّي ، لأن في القصائد تميزاً تعبيرياً متنوعاً وقاسمها المشترك (الخمرة ) ومالها من تأثير وتأثر بنشوة في الحب والعشق والاستذكار والحنين والعشق والحياة والموت ولا يغيب الوطن عنها فأنها تألم فيه أيضاً ، الشاعرة موجودة ربما في كل هذا وذاك وقد نرى فيه شيء من (الأنا ) ظاهر في الشكل وبالكلمة وفي معنى التعبير المباشر القاصد في من تعنيهم حبيب أو قريب أو ولي أمر رحل عنها هي بحاجة لا تزال اليه كما في قصيدة ” ليلة واحدة ” .. لنسهر ليلة واحدة .. وننسى ضجيج الأرض .. ولغو البشر ..كن كما أهوى ..خصلة من العطر .. لحناً .. قافيته الفجـــر ،،، وبجمر الهوى نحترق .. ونعصر بكفّي ليلتنا .. قارة من الكرم .. فلا يحل ورحيق حرفي إلا .. بشفتيك ..وقت السحر.. فتنتقل لتخاطب والديها (رحمهما الله ) .. الى أبي ..وأمي .. نبعان من الحنان .. من الدلال .. والدي بعدكما .. أتسلق جبــال نوائبي .. بأذرع الــــدمع .. بقايا روح ..أنا ،، وجســـد متلهف لرمل النجـــــــف ..” القصيدة عند ميثاق أنشودة لا بد من حفظها لحاجة الاستمتاع بقراءتها بعد حين في لقاء مع الأحبة أو في خلوة النفس ، كما والقصيدة لا تخلو من لمسات التعبير المقصود كما أسلفنا ، نقرأ في واحدة منها (كفك ) كفك حلـــوى عيـــد .. أسرق منها مائة حلم .. مائة قبلة .. أحولها لكلمات ،، تبعث بالجيــــد والنهـــد .. ترســم على جســـدي .. طرقات برائحة جــوز الهنــد .. تمزق برد كانون .. وتضيع بأمواج ظفائري ،، كفك .. نسمة بمذاق النبــع .. ثورة .. معتقّة بالنصر ،، وقصيدة .. تصلي على الخـــد ” ، في لغة الشاعرة احتفاءً بالماء (الذي هو صنو الخمرة وتابعها ) واللون أيضاً لحـــد الوله تخطف اللب وتســكر القلب ليصل عتبة الذوبان في لحظة الذوبان كما في قصائد عدة منها ” قميصك الأبيض ” حيث تخاطبه .. قميصك الأبيض يثيرني .. يبعثر قصائدي ..يحوّلني بين شفتيك قبلة .. بنكهة الأوطــان ، وكذا في قصيدة ” أحن إليك ” .. ولرحي التي تقّبلك بألف فم .. أحبك …. أشتهيك .. والشوق يقتص من جسدي .. يضم جرحي بذراع من الملح .. بغيابك بسماتي ضاعت .. بين أكساد النوائب ، وأملي .. مظلماً كاللحـــد ” وفي قصيدة ” الى ملهمي ” .. صباحك ومساؤك قبلة .. يا ملهمي وكل عجائب عبقر .. كل ما فيك كوثر .. على جبينك أدّون تاريخ الشموس .. وبلون عينيك يذوب الشعر ويسكر.. ” كما وأنها تذوب في وطنها العراق حباً حين تقول في قصيدة ” من أنــا ” .. أنا من عاشت في بلد الحروب .. أنا قبرً ظّم رفات وطني .. وصندوق لملم حسرات الأيتام ..شهقاتي أجيال من الدمار .. وزادي خيال أعرج .. وغدي بقبضة المجهول .. أنا من تغلغلت بملامح وطني .. حتى صارت روحي تشبه العراق ،،،، أنا من عصرت الليل خمْرا .. ورشقت العشق جنوناً وشعْرا ،،،، أنا من تورّدت شفاهي بالظّلال .. وتكّور نهــدي رغم الأعراف .. متخومة بالشعر والأنوثة .. منذ أن ظفرت بالتفاحة حـــواء .. فلتســقط القضبــان .. وليسقط الســجّان .. أنا .. عشـــتار النســاء ” ، لقد كان في المجموعة حقول من المتعة الروحية في خمرة تسكرني بنصوصها التي لا تغيب عنها الخمرة في حديقة عشق يتجلى فيها الحلم يقين ، وقد بان الحب فيها هو الحياة وإن كان بينهما عذاب جميل قد يفضي الى مغادرة الحياة بنصوص هي أشبه بشتلات في حديقة يقين عطرها ورود يانعة في لغة الشعر ، فتقول بقصيدة ” منشغلة بك ” لا أنشغل عنك .. إلا بك ..فبلادي لا تشرق إلا بروحك،، وتصل بالقصيدة لتقول .. منشغلة عنك .. بك .. وأنا أَحدث نسيم الصباح .. عن عنبر أنفاسك ، وعن نيسان حضورك .. مقفلة السمع والبصر .. عـــن ســـواك … فكيف تتهمني بالإنشغال عنــك ، وأنا .. لا أتقــن .. إلا هــواك ” ويتصاعد الانغماس في الحب والعشق حتى الجنون حين نراه في قصيدة (اختصار الوجود ) .. يا خمل عشق .. ولغة أوام .. يا لحن عناد إنغمس في نوبة هيــام .. فيــك أذوب عشــقاً .. أهذي شعراً .. ترمقني النساء بعين حسود .. لأني منك كالرحيق للعنقود .. كلّي شــفاه .. وكذلك خدود .. بين جفني الحلم .. تلاشـــت حدودي في حدودك و …….اختصــرنا الوجود ” ، ولا تنسى نصيب الحكام العرب بنص كان عنوانه ” من انتمــي اعــرب ؟ ” عجيب أمركم يا حكام العرب ! يأ أخوة يوسف ، يا من زمرة دمائكم الدجل .. اختلفتم على السلام .. وتصافحتم على الحرب .. تصنعون للتاريخ القادم مجازر وتهتفون : (فلتحيــا الأمم ) .. يا عهر الشــيوخ .. يا من اتخذتم الصبيان شهوة .. أهـــذه شـــيّم العـــرب ؟ ،،، تسأل الحكام وهي تجيب “.. فمن أنتم ياعرب ؟ أنتم عفن بسوق الضجـــر .. وغراب يدعي إنه نســــر ! ..أنتم ثورات خيبات لا تثمر إلا لضرر .. فلا تتباهوا أنكم خيــر الأمم .. أنتم قطاع طرق سرقوا الذهب .. وزمهرير .. ودخان ،، وروث غنـــــم..” هكذا كانت نصوص مجموعة الشاعرة ميثاق كريم الركابي : ومضة هادرة من هجس الفكر تعطي لزمن من الفسحة في الذاكرة سطراً سطراً في تجليات الماء الذي يتطهر فيه كل شيء وفي تخفيف الخمر من السكر يندفع الشعر ليطفئ الحريق فنطفأ بها (أي في الخمرة ) النار .
المجموعة صادرة عن دار الجواهري للطباعة والنشر والتوزيع / بغداد / المتنبي وفي بيروت وفي دمشق / 2015.
























