إعادة كتابة الواقع
قراءة في المنجز القصصي لبياني – نصوص – نوزاد حسن
يشعر الكاتب الكردي انه مطالب بالالتزام بقضاياه أكثر من أي كاتب في العالم. ومن هنا أستطيع القول أن الكاتب الكردي يشبه مثقفي امريكا اللاتينية الى درجة كبيرة. فكما كان الشاعر او الروائي اللاتيني مهموما في ايجاد لعبة التوازن بين اللغة والواقع كذلك فان المثقف الكردي يحمل نفس العبء والمسؤولية. وفي الغالب فان المثقف اللاتيني كان يهتم كثيرا بعلم النفس ويجعل من نفسه مريضا وطبيبا. لذا نجد ان الشعر والرواية في القارة اللاتينية تميل دائما الى وضع خطوط واضحة تفصل بين ملكات الانسان. ومن الممكن الاعتراف ان الواقعية السحرية لم تكن لتولد في مكان غير المكان اللاتيني لان البيئة والتفكير الفني قادا الى بلورة مفهوم الواقعية السحرية. المهم يريد الكاتب الكردي ان يكون هو الاخر نموذجا عميقا لتصوير الصراع الدائم بين الواقع وبين اللغة الفنية. وعند كثير من الكتاب الاكراد نرى ملامح قوية نقدر ان نصفها تحت خانة نكتب عليها: اللغة تشتبك مع الواقع المعقد.هكذا اذن تبدا رحلة الكاتب في اقليم كردستان وفي غيره من الأمكنة.. انها رحلة الرجل الباحث عن خلاصة لكل المشاكل والعقبات التي تواجه المثقفين. وفي اشارة خاطفة اعترف دستوفسكي بالمسافة الهائلة بين ما يفكر فيه وما ينفذه على الورق. هذا الهم الفني يكبر عند كل من يمارس الكتابة او اي فن من الفنون. وسيكون الكاتب اللاتيني وزميله المثقف هنا نموذجين قويين لهذا النوع من البحث والكتابة.نعم هناك فرق جمالي بين الاسلوب الذي كتب به المثقف هناك.. والاسلوب الذي كتب به المثقف هنا. أهم علامة هي ان الكاتب اللاتيني كان محللا لذاته.وكان يعرف معنى ان يتملص من عقله ليفوز بخياله.في الواقع ان قصتي النصب، وموعد الخميس تكشفان عن كل ما قلته. في قصة النصب نلمس حقيقة مهمة وهي ان الخوف من السلم مشكلة. وأنا اعتقد ان الحرب تزرع مثل هذه الفكرة في عقولنا. بداية قصة النصب مشجعة جدا للمضي في قراءتها بمتعة. إنها قصة مختصرة لكنها تنتهي عند نقطة محددة نصادفها في قصص كثيرة. وهي ظهور رقيب امني يتربص بالآخرين. إن جو القصة العام يتألف من ثلاث وحدات بنائية. بداية القصة والحوار عن الحرب.. وتأمل نصب الحرية. والرقيب الأمني الذي طلب من البطل هويته. المكان مقصود في القصة لأنه مكان تتجسد فيه الحرية ممثلة بنصب جواد سليم. لكن المضمون الحقيقي للحرية غير موجود. لذا أنا أرى أن القصة كان يمكن ان تنفتح على مدى آخر يزيد من ثراء دلالاتها لو أن القاص حاول ان يدخل أبطاله جميعا في إطار تخيلي يغير من قانون بناء قصته.النصب محاولة للتعبير عن الواقع المتناقض.. هذا هو هدف الكاتب الاهم. فلنصب الحرية حضور لكنه حضور مقيد بعين رقيب لا يغفل. وبلا اية مبالغة اقرر ان القصة توقفت عند نهاية كان من الجائز منحها بعدا اكثر عمقا. لكن رسالة القاص بدأت وانتهت عند حدود كشف تناقض الواقع الذي قد ينخدع فيه كثيرون..
2
اما في قصة موعد الخميس فيبدو النص أكثر جاذبية لأنه تصاعدي وانتهى بمفاجأة تقودنا لقراءة النص مرة ثانية. القراءة الثانية هي للتركيز على وقفة الفتاة التي نفهم انها تحب رجلا وإنها تتحضر للقائه. وبعد تأخر قليل عن الموعد تناديها الام انهما لن تذهبا لعرس وانما لمقبرة. هذه النهاية الموفقة تشبه مع الفارق ايضا الخاتمة التي تنتهي بها رواية اسم الوردة وما يمثله الراهب الاعمى يورج في الدير. فالنص تغير كليا لان النهاية غيرت من علاقتنا بالقصة. وفي اكثر الاحيان يكون الحل التخيلي هو الافضل في جعل القصة تبدو اكثر جمالا.في القصص الناضجة تلعب النهايات دورا في خلق ما اسميه “بيت القصيد الروائي” بمعنى ان كل ما قراناه انتهى بنهاية هي مدخل لقراءة ثانية اكثر انفتاحا. في سورة يوسف نجد هذا الايقاع الرائع في قمة تناغمه. حين يسجد الاخوة والاب ليوسف نجد أنفسنا في بداية القصة التي بدأت بحلم رآه يوسف الصغير وحذره الاب النبي من روايته. نعود الى الكلمة الاولى في السورة وكأننا نعيد شريطا الى البداية بصورة لا إرادية. هذه النهاية هي دافع فني من اجل اعادة قراءة النص وتأمله. وليس من السهل الوصول الى بناء فني له هذا الشكل المؤثر دائما.
موعد الخميس لها جمال فني تكشفه جملة الام العجوز الأخيرة. فالفتاة تجهز نفسها لزيارة زوج أو حبيب أو خطيب رحل قبل الأوان. لكن العلاقة لم تنته بينهما لان الفتاة بقيت وفية لموعدها مع الميت.
لكن القصة تنتمي الى نوع من الكتابة مثله همنغواي في قصصه القصيرة التي تبتعد عن المواقف السياسية او الفلسفية. وإن كانت- أيْ القصة – تعكس رؤيا خاصة لها جذور سياسية او فلسفية الا ان البناء الفني وطبيعة الفكرة لا يوحيان بشيء خارج المصير الانساني وعذابات الإنسان. من هنا فان القاص كريم بياني قدم من خلال نص غير معقد بعيد عن الترويج لفكرة ما حقيقة الوجود في شخصية فتاة لم يذكر حتى اسمها. كان من الواقعي جدا ان تنادي الام ابنتها باسمها. سيكون النداء بالاسم أكثر انطباقا على الحالة الواقعية. لكن القاص لم يفعل هذا وانما اكتفى بطلب الأُم من ابنتها أنْ تسرع. عندها يدرك القارئ الصدمة التي تركها طلب الأُم. وفي حقيقة الامر فان النص الذي يكتب بقوة الخيال يفجر فينا حسا إنسانيا فريدا. ولن نقف عند قراءة القصة مرة ثانية محاولين اكتشافها من جديد، وانما نعثر على مواقف او شخصيات تحركت بفعل أثر النص المقروء. أنا شخصيا أعادتني موعد الخميس الى موقف كاريبي شاهده ماركيز بعينيه حين لمح صباحا ابنة وامها ترتديان ثياب حداد وهما ذاهبتان لزيارة المقبرة لان الابن اللص قتل وهو يسرق أحد البيوت. كانت القرية كلها تنظر اليهما من الشرفات. ومع ان قصة بياني لا ترتبط بجو الواقعة التي رواها ماركيز الا انها فجرت ركود حركة المرأتين في داخلي وكأنهما مشدودتين بقصة موعد الخميس والبطلة الواقفة امام المرآة.لأكرر بعض الحقائق النقدية: قصتا كريم بياني تعيدان كتابة الواقع بحذر وطريقته في تناول الاشياء تقترب من أسلوب همنغواي الذي كان مهموما بوجوده كانسان. ولا يعني هذا الا ان الكاتب يمكن ان يكتب عن الناس الذين يراهم فيشعرنا انه يعني كل البشر.قلت: النصان بسيطان جدا وهما قصيران.. وكانت قصة موعد الخميس أكثر عمقا على المستوى النفسي. وقد حققت نجاحا جماليا لأنها حولت النهاية الصادمة الى حالة ذوقية بكل ما في الكلمة من معنى.الميراث الذي يجمع الشاعر الايرلندي ييتس والسياب بالمثقف الكردي عن قصة “الأفضل منا” لكريم بياني ربما اكون قد اشرت مرة الى مرحلة مهمة من مراحل التطور الشعري الذي مر بها الشاعر الايرلندي ييتس..وفي هذه المرحلة استطاع الشاعر الايرلندي ان يصنع عالما رائعا مستخدما اساطير شعبه الايرلندي. وكان عالم الجن بكل غموضه وتدفقه موضوعا شيقا عبر الشاعر من خلاله عن رؤياه الفنية التي لم تكن رؤية انهزامية أو ساذجة. يشير كولن ولسن في كتابه الشعر والصوفية الى هذا التطور الفني في شعر ييتس ويعده تطورا ايجابيا جدا، بل ويحاول ولسن ان يكشف عن عمق هذا التطور الذي قد يراه الاخرون مجرد هيام شعري بعالم زائف. فما معنى عالم الجن في ايامنا هذه وفي ايام ييتس. لقد وجد كولن ولسن في عالم جنيات الشاعر الايرلندي ادانة لكل الانتهاكات والاخطاء التي كانت تقع في الواقع. ومن هنا سيكون عالم الجن ذلك العالم اللامرئي بديلا عن فوضى العالم. ومهما يكن من امر فهذه المرحلة التي مر بها الشاعر الايرلندي تعني لنا الكثير ولا بد ان ننطلق منها لوضع معايير نقدية تنير فهمنا للشعر والاسطورة والواقع في وقت واحد. لو اردنا ان نضع مفهوما نقديا مهما يفيدنا في فهم اسباب الاهتمام وعدم الاهتمام بعالم الجن اقول بكلمة واحدة: ان دنيا الجن هي رمز فني عميق. ييتس حول ذلك العالم الى رمز. والسياب فعل الشيء نفسه رغم ان عالمه في القرية جنوب العراق لم يكن عامرا بأساطير وقصص الجن. لكن السياب كتب عن الجن ولا اشك في انه تأثر بييتس بالدرجة الاولى، وببعض قراءاته الانكليزية أيضا. إذن سنكون امام حقيقة فنية وهي الى أي مدى اهتم المثقف الكردي بأهم أسطورة في حياته، وماذا فعل ليجعل منها رمزا فنيا له ايحاءاته وتأثيراته المتعددة. ان النص الوحيد الذي قراته حتى الان عن اسطورة الجن ذلك العالم الغامض هو قصة قصيرة للقاص كريم بياني. وحتى هذه القصة تناولت الموضوع من جانب اثبات وجود الجن او عدم إثباته. وانا اعرف لماذا يريد الكاتب ان يكتب قصة من باب وجود او عدم وجود عالم الجن.. القضية واضحة جدا فغياب عالم الجن اكثر فائدة من وجوده. لكن الكرد الكبار في السن وليسوا مواليد التسعينيات وما بعدها ممن تربوا في المدن لا يشعرون بقوة حضور الجن. أما في القرية القديمة ايام كانت القرية تأخذ نورها من لمبة او شمعة فهذه القرية كانت نبعا للجن. وبمرور الوقت قل تأثير الجني في حياة الكردي المدني. يريد القاص كريم بياني ان يثبت قوة العالم الذي بقي ساكنا في صفاء ليل القرية.. يريد الكاتب ان يقول ان الجن موجودون حولنا ولهم معنا حكايات وقصص مثيرة. وما زلت اذكر والدتي التي كانت تحذرني من سكب الماء الساخن دون رفع الصوت بالبسملة لأني قد اسلخ فروة جني يجلس حيث اسكب الماء. ولم تكن والدتي تدرك الفرق بين ما عاشته في قرية بعيدة تتشابك اغصان اشجارها وغاباتها وبين مدينة كبغداد. المهم يريد القاص كريم بياني ان يقول ان الافضل منا موجودون في كل مكان كالفراش لكننا لا نراهم. ويبدو ان القاص احس بقوة الجيل الجديد على عدم ادراك جمال السحر الاول حيث اختلط الوجود المادي للناس بوجود هذه الكائنات غير المرئية.وتروى بهذا الصدد قصص لا مجال لحصرها. ان نهاية قصة “الافضل منا” وهي قصة تستمد تقنيتها الفنية من نقطة محددة مفادها ان عالم الجن موجود بكل تفاصيله. ويستذكر القاص يوما بعيدا حــدث له في القرية كيف انه سمع صوتا جعله يتوقف ليرى ما حقيقة ذلك الصوت. أن القصة برسالتها المعروفــــة وسيلة لإثبات غياب ذلك العالم. ومع ذلك فان هذا العالم البالغ السحر والجمال يحتاج ان يكتب عنه في اعمال أكثر عمقا. فكما حول ييتس عالم الجن الى رمز فينبغي ان نحول حكايات ابائنا الى رمز لا يقل جمالا عن أي رمز آخر لأنه بعث لأسطورة غير قليلة الاثر في ذاكرة الكرد.
تنتهي قصة بياني بالاعتراف بوجود عالم اخر يلتصق بعالمنا ويمتزج معه دون ان نحس بذلك. وتعود بنا القصة الى حقيقة الجن كما وردت في سورة كاملة هي سورة الجن وموضوع السورة معروف للجميع. إذن ليس ترفا ان نقول ان عالما لا نراه يحيط بنا. إن عالم جنيات ييتس وحتى عالم السياب اقل رعبا من كل القصص التي تروى على السنة العجائز ممن قضوا اعمارهم في قرى متباعدة وكثيفة الشجر. دائما ما يقوم الجن بالعبث في حياة الآخرين. فكل ممسوس ومجنون لا بد ان جنيا ما حوله الى فاقد للعقل لسبب ما. هذه الحكايات الدرامية المشعة التي كانت تحكى وتعاش تحت سماء القرية هي مكسب كبير لبلورة حس جمالي بالعالم. إذ لا يكفي ان نقول ان الاشياء تجمع وتطرح فتزيد وتنقص.. هذه فكرة باطلة عن الحياة ولا يمكن ان يكون الطرح والجمع طريقا لفهم الاساطير والقصص الإنسانية. لقد أحب السياب الجن وكتب عنهم. وقد اكدت انه كان مقلدا لعالم لم يعشه ولا تربى على حكاياته. وفي المقابل ينسى المثقف الكردي سواء اكان شاعرا ام قاصا جمال الاسطورة فلا يتفجر سحر القرية روائيا في عمل يعكس العمق الحقيقي لخوف الناس ورغبتهم الدفينة في فهم الاشياء من حولهم. ينقصنا الحس المتأثر بالعالم.. وينقصنا الشعور العميق ايضا. ذلك لأننا لا نريد ان نتحدث عن اشياء لم تثبت علميا. من هنا اقول ان محاولة كريم بياني خطوة اولى اتمنى ان يدلني اخرون على نماذج اخرى كي نتحاور في تصنيفها وجعلها نماذج لها قوة الرمز الذي طبع مرحلة شعرية مهمة من حياة الايرلندي ييتس. لذا اقول ان النص أي نص ليس له من طريق الا طريق بيئته.. ولا يظن احد ان امكانية الحديث عن اشياء نراها انما هي مسالة بسيطة للغاية.كلا،فان الرؤية في احيان كثيرة تلغي تفاصيل نحن بامس الحاجة اليها. ومن الظلم الكبير الاعتقاد بان اليوم الذي نعيشه مفصول تماما عن اليوم قبل مئة سنة.هذا الفصل العنصري بين الايام لعنة لانه فصل يقتل شعور احدنا بوجدانه.ولاني لم اتطرق نقديا لتحليل قصة كريم بياني فقد اردت ان اقول فيها هذه الكلمات لانها حقا محاولة لبعث الاسطورة من منجمها البعيد.. وهذا ما يحسب له.
























