القاص كريم بياني:حاولت التجريب في جميع اعمالي – عبد الكريم الزيباري
الملف المبادرة والاسباب
اقترح عدد من الادباء الاكراد على القسم الثقافي في جريدة (الزمان) تخصيص ملف عن القاص الكردي كريم بياني، لان الزمان اعتادت منح فتح صفحاتها لكل مبدع يستحق التقدير والاشادة، ويستحق ان ينال الاحتفاء وتناول النقاد والباحثين، ودراستهم النقدية، ولان كريم البياني قطع اشواطاً مهمة في كتابة القصة، وابدع فيها، وتميز في بعضها، ولكنه بقي بعيداً عن استحقاقه، لم يلتفت اليه احد من النقاد والباحثين ولم تعقد له ندوة لتناول ودراسة اعماله، ومع ان كريم بياني كما حدثنا عنه اصدقاؤه من الادباء الكرد يميل الى التواضع والابتعاد عن الاضواء، وعدم المطالبة بما يستحق من كتابات النقاد والباحثين، الا ان (الزمان) كانت وماتزال تتابع من يستحق الظهور على صفحاتها من الادباء، المبدعين الذين لم يكتب عنهم احد، ولم يطرق ابوابهم احد، ولم تضعهم العيون والاسماع في المواقع الجديرة بابداعهم، وما يتوقع لهم من ابداع في القادم من الايام.
وهؤلاء موجودون في الساحة الثقافية العراقية في كل زمان.
وقد رحل بعضهم ولم ينالوا استحقاقهم، ونال عدد منهم هذا الاستحقاق بعد الرحيل، وقد خصصت لبعضهم (الزمان) الكثير من الصفحات والملفات ويسعدها تقديم هذا الملف عن القاص كريم البياني مع الامنيات ان يطيل الله في عمره، وان يزيد في ابداعه مع الشكر الجزيل للادباء والذين اقترحوا هذا الملف، واسهموا فيها من عناوين مختلفة ومن مقابلة وقصص ومقالات.
القسم الثقافي
لم ينل كريم بياني كقاص حظَّهُ من النقد والترجمة إلى اللغة العربية، كقاص احترفَ وأخلصَ لفنِّ القصة القصيرة حتى لم يكد يكتب غيرها، ولا يمكن لهذا الملف إلا أنْ يكون تنبيهاً إلى القيمة الجمالية لبعض نصوصه وأهميتها، فتجربته القصصية تحتاج أكثر من هذا الملف، ونحن بهذا نشير إلى أهمية هذا الملف كأول مبادرة اهتمام جاد بتجربة قاص كرديٍّ جاء مُبْتَكِرَاً لنفسهِ بيئة جمالية من عالم الطفولة أو الشيخوخة أو من البيوت الصَّامتة الحزينة، مفترِضاً موافقة قارئه بثقة تدفعه إلى مجاراة الاستهلال التفسيري الذي غالباً ما اعتمده بياني كبداية للقصة غريبة أو مألوفة تنتهي بمفارقة كما في قصتي (الأفضل منِّا) والتي ربما لم ينتبه إلى المفارقة اللغوية والسردية الكثير من القراء حتى المحترفين منهم، حيث أنَّ المفارقة لا تخلو من غموض أكثر من المفارقة في قصة (موعد الخميس). بينما نجد قصة (النُّصب) متأثِّرة بظرفي الزمان والمكان في ساحة التحرير وسط بغداد الثمانينات حيث تنتشر مفارز الانضباط العسكري يصطادون المواطنين والمارَّة. كذلك قصة (في يوم مثلج) تعيد القارئ إلى عالم الطفولة في بدايات النصف الأول من القرن العشرين. يبدأ الملف بمحاورة أجراها معه عبدالكريم يحيى الزيباري ثم عدة قصص مترجمة ثم قراءة نوزاد حسن بعنوان (إعادة كتابة الواقع قراءة في المنجز القصصي لكريم بياني) وكتبَ عبدالكريم يحيى (عتبة العنوان في قصص كريم بياني). وقبل ان نقدم هذه المواد نبدأ بتقديم البورترية رنين الغربة وهو صورة عن حياة القاص كريم البياني في المانيا
بورتريه رنين الغربة
دهوكيٌّ في برلين يفتخرُ دوماً بأنَّ لديه بنتٌاً واحدة وثلاثة أبناء. لم يألف غير النظام الدقيق والجديَّة ومظلة القانون فوق الجميع.
ألمانيٌّ في دهوك لم يألف غير الطبيعة الساحرة وذكريات الطفولة، لكنه لم يألف الفوضى وزحمة الشوارع وسجادة القانون تكاد تكون تحت أحذية الجميع.
في السادسة والخمسين من عمرهِ، ظروف العمل اضطرته أنْ يعيش وحيداً في شقة في الطابق الثاني عشر، منقسماً بين جغرافيتين مختلفتين: برلين ودهوك.
لا زال يُحِبُّ الطوابق العليا كما يحب القراءة على أنغام فيروز، ولأنَّهُ مخلص وجدِّي يُحِبُّ التخفف من الالتزامات، فجأةً وجدَ نفسه غارقاً إلى أذنيه بالتزامات متتالية إلى ما لا نهاية. مسؤوليات وهو في أوجِ شبابهِ كان حري به أنْ يتهرَّب منها: يستيقظ في السابعة صباحاً، بعد ساعة يكون على مكتبه في مديرية الطباعة والنشر، أول مَنْ يدخل البناية وآخر من يغادرها، قبل الثالثة بقليل يتأكد من غلق الأبواب ومفاتيح الكهرباء وبقية الأجهزة ثم يغلق الباب الرئيس ويغادر. حديقتكم جميلة. نحن ندفع ثمانين ألف دينار شهريَّاً لتبقى جميلة كما تراها. حالما يركب السيارة يتذكَّر أنَّهُ قد نسيَ شيئاً على طاولة مكتبه يعود من جديد. في الرابعة عصراً يكون جالساً على مقاعد الدراسة طالباً في المرحلة الثالثة قسم العلاقات الدولية في كلية القانون والسياسة من جامعة نوروز والواقعة في الجهة الشمالية القصوى على طريق زاخو، في التاسعة ليلاً يكون في المطبعة في الطرف الآخر من المدينة بداية طريق أربيل. أحياناً لا يجد وقتاً للغداء، وأحياناً يتناول الغداء في كافتيريا الجامعة بوصفها وجبة مزدوجة، وغالباً ما ينسى إلى الليل فيتناول وجبة خفيفة وينتهي اليوم. بعد منتصف الليل قبلَ أنْ يستغرقَ في النوم يجري اتَّصالاً طويلاً مع هلات.
{ متى حدث أول تماس مع المطالعة الخارجية؟
عام 1972 بلغت الثالثة عشرةَ من عمري، كنتُ في الصفِّ الأول متوسط، كانت والدتي ترسلني إلى السوق والذي كان قريبا من بيتنا، لشراء بعض الحاجيات، وكنتُ أمرُّ بمكتبة سليمان صوفي وأرى لديه كتيبات: عنترة بن شداد، أبو زيد الهلالي وعناوين أخرى للفتيان، وكانت أسعارها50- 70 فلساً وكلما تبقَّى لديَّ ما يكفي لشراء كتاب اشتريت كتاباً وقرأته. لكن حادثة غريبة كانت السبب في تغيير حياتي. عام 1975 كنت أخوض الامتحانات الوزارية للصف الثالث المتوسِّط عائداً إلى البيت وقفت أمام مسجد حجي مصطفى وسط السوق، وأشارَ لي زملائي إلى شابٍ وقالوا لي: هذا ضرير. ولم أصدِّق لأنَّ عيناه بدتا سليمتان، فمررت يدي من أمام عينيهِ فشعرَ بحركتي، وسألني: مَنْ أنت؟ أنا فلان. ابن مَنْ؟ إلى أنْ تعرَّف على جدِّي مصطفى. وسألني: ماذا تفعل الآن؟ امتحانات نهاية السنة. وإذا انتهيت ماذا ستفعل في العطلة؟ لا شيء. هل تأتي لتقرأ لي في العطلة. نعم. واتفقنا على موعد بين صلاتي الظهر والعصر. واشتعلَ قلبي شوقاً إلى هذه التجربة الجديدة. وأذكر أنَّ أول كتابٍ قرأته له (روح الصلاة في الإسلام) ثمَّ (روح الدين الإسلامي) عفيف عبد الفتاح طباره، وألفية ابن مالك وشرح ابن عقيل، ثمَّ قال لي اجلب أنتَ كتباً تحبُ أنْ تقرأها فجلبت بعض روايات نجيب الكيلاني (ليالي تركستان) ثم (عمالقة الشمال) في تلك العطلة الصيفية قرأنا معاً أكثر من أربعين كتاباً منها فكرية وسياسية وتاريخية لا زالت عناوينها مدونة لدي في المفكرة.
وبعد ذلك صرت أقرأ بمفردي وحين وصلت السادس الإعدادي كنتُ قد قرأت كلَّ ما وقعَ تحت يدي من الأدب العالمي قصص موباسان همنغواي سومرست موم مكسيم غوركي وجاك لندن وغيرهم، وأرجو التنبيه إلى أنَّ عملية الحصول على كتاب في مدينة صغيرة كدهوك في ذلك الزمن كان أمراً صعباً.
{ كلُّ هذه الكتب كنتَ تقرأها باللغة العربية، فمتى بدأت القراءة باللغة الكردية، ومتى نشرت أول نصٍّ باللغة الكردية؟
– لم أستطع قراءة الكتب باللغة الكردية حتى عام 1982 قرأت (كُوْمْرْ)لإبراهيم سلمان، ثم كتاب صادق بهاء الدين(شعراء الكرد) وهو كتاب كبير الحجم ضمَّ سيراً وقصائد عدد من الشعراء الكرد. كنتُ كتبتُ عدداً من القصائد باللغتين الكردية والعربية لكنَّ أحداً لم يرَ منها شيئاً.
{ نعود إلى البدايات: متى حدث أول تماس مع الثقافة والأدب والقصة؟ ما هي أول قصة نشرتها؟ وكم عدد القصص التي نشرتها؟
– ركن القصة مجلة كاروان عدد تموز 1983 نشرتُ أول قصة قصيرة لي بعنوان (دلفين)، كان كتَّاب القصة آنذاك من الجيل الذي سبقني مثل أنور محمد طاهر ومحمد سليم سواري وإبراهيم سلمان وغيرهم. ربما كان عدد القصص التي نشرتها عشرين قصة فقط. ولدي الكثير من القصص غير المنشورة. عام 1987 قمت بإعداد وتقديم برنامج في الإذاعة الكردية عن فن القصة القصيرة. وفي مجال المسرح اشتركتُ مع آخرين بتأسيس فرقة مسرح بهدينان 1987 وكنتُ أول رئيس للفرقة وكان أول عروض هذه الفرقة مسرحية من تأليفي بعنوان (ديتن/ عثور) وفي مجال الصحافة أصدرتُ مع مجموعة شباب عام 1985 مجلة (دنكي مه/ صوتنا) وبعد 1991 كنتُ سكرتيراً لتحرير جريدة بوتان، وفي ألمانيا كنت سكرتير تحرير مجلة (هافيبون/ الاغتراب) وكانت تصدر بدعم من جامعة برلين الحرة، إلى أنْ انتقلت المجلة إلى كردستان فانقطعت علاقتي بها. كنتُ عضواً في اللجنة العليا لاتحاد فناني كردستان ورئيس فرع دهوك للاتحاد ومديرا لدائرة الثقافة والفنون في دهوك لغاية 1995 تاريخ هجرتي إلى ألمانيا.
{ لماذا أنتَ مُقِل في إنتاجك القصصي المنشور؟
– بعدما عايشتُ أحداثاً وكنت أرى أنَّ مأساوية الواقع لم يعد بمقدور نصوصي أنْ ترتقي إليها، انتابني لفترةٍ طويلة شعور بعدم جدوى الكتابة، ثم شغلتني الهجرة.
{ بعد أكثر من خمسَ عشرةَ سنة في ألمانيا لم تكتب أدباً باللغة الألمانية ولم يظهر للبيئة الأوربية أيُّ أثرٍ يُذكر في إنتاجكَ القصصي؟
– ظهرت العلاقة في قصص لاحقة لم أنشرها بعد. ونحن كمغتربين كرد، لم نستطع التفاعل بشكلٍ كامل مع البيئة الجديدة التي احتضنتنا، وهناك الكثير من العوامل المانعة ربما يأتي العمر في مقدمتها، لأنني حين وصلتُ ألمانيا كان عمري 35 سنة، ولهذا لم أستطع أنْ أكتبَ نصَّاً أدبياً باللغة الألمانية، لأنَّ اللغة التي تعلمتها كانت للاستخدام اليومي فقط.
{ أينَ يجدُ كريم بياني نفسه في حركة النقد الكردية؟
– لا يوجد كاتب أو قاص لا يحب أنْ تتعرَّض نصوصه للقراءة والنقد، ويزعجني كثيراً أنْ يصدرَ كتابٌ جديد أو مجموعة قصصية وتمرُّ مرور الكرام، فهذا يزعجني وهو ما يحدث غالباً. أبداً لم أُناقِش ناقداً أو قارئاً حول رأيهِ في قصة من قصصي، لأنني أعتقد أنَّ من حقِّ القارئ أنْ يكون له رأيه الخاص حتى لو أساء الفهم.
{ أين القاص كريم بياني من التجريب؟
– أعتقد إنني حاولت التجريب في كل قصة من قصصي، لأنَّ الكتابة في أصلها عملية تجريب، على مستوى المتن الحكائي واللغة والواقع الذي كتبت القصة لمحاكاته، لأنَّ هذا الواقع في تطور وتغير مستمرين، لذا يجب على الكاتب تطوير أدواته اللغوية والحكائية ليوازي الحياة.
{ إذا كان التجريب محاولة لكسر الأنماط، فلماذا نَجدُ في معظم قصصك أنَّكَ بدأت باستهلال شارح؟
– نعم صحيح ذلك في نصوصي الأولى، كانت لديَّ فكرة بأنني أكتب من أجلِ أنْ يقرأ الناس، وكان الظرف السياسي مختلفاً، وبسبب مخاوفي ألا تصل الفكرة التي من أجلها كتبت القصة، كنتُ أقوم بتسطير مقدمة من سطرين. ولا أعرف ولا أهتم إذا كان هذا الأمر قد يسيء إلى شكل النص القصصي أو لا، لأنني كنتُ معنيَّاً بالفكرة أكثر آنذاك. وأحياناً كنتُ أتداخل مع الراوي كقاص داخل النص القصصي فأقوم بطرح أسئلة لأقدِّم بعض التوضيحات.
{ إذا كانت لديك أفكار تريد إيصالها، فلماذا لم تكتب جنساً أدبيَّاً آخر غير القصة القصيرة؟
– لأنِّي أرى في القصة القصيرة كفايتي، القصة تكتبني وأكتبها، وفيها أجدُ نفسي.
{ هل تشعر بالغبن حيث لم تلق تجربتك القصصية الاهتمام الذي تستحقه مقارنة بكتاب آخرين؟
– لم أتعرَّض لأي غُبن، وإذا كان هناك تقصير فأنا هو المُقصِّر الوحيد، وعلى عاتقي تقع المسؤولية كلها، ولا أشعر بالقلق من ناحية الاهتمام لأنَّ الزمن يتكفَّل بإبراز النصوص الجيدة.
{ أين ترى مستوى القصة الكردية القصيرة؟
-لا يوجد مقياس لتحديده، لكن إذا كان الواقع القصصي دون المستوى فنحن السبب، لأننا لا زلنا نعيش سُباتاً وخمولاً، ولا زالت نشاطاتنا الثقـــــــــافية تجري بتلك الطريقة عينها كما كانت سابقاً، وإلى الآن نسير على النمطِ عينهِ بدءاً بعناوين الأمسيات القصصية والمحاضرات النقدية، لا تكاد توجد لدينا مناقشات جادة.
توجد لدينا حركة ثقافية تقليدية تثقل كواهلنا، وبعد كلِّ هذا كيف تتوقَّع أنْ يكون المشهد القصصي أو الحركة الثقافية ككل؟ نحن أبعد ما نكون عن همــــوم الثقافة ومشاكلها الحقيقية، لا زلنا نخاف المواجهة، والخـــــــــوف ليس من صِفات المثقف، نحن ندَّعي الحداثة لكنـــــــــــــنا في نفس الوقــــت نريد لكلِّ شيء من حولنا أنْ يبقـــــــــى كما هو دون أدنى تغيير.
























