ألق يتجدد طيفاً من بغداد إلى كتارا
رحّال مفردة غناها القيصر وصاغت ناصرة دوامتها – حوارات – أحمد الحاج
ناصرة السعدون نجمة متلألئة في سماء الإبداع العراقي أبت ومنذ انطلاقتها الأولى أن تقف على سفح التألق من دون قمتهمن مواليد العراق عام 1946 تخرجت في جامعة بغداد سنة 1966 نشرت خلال مسيرتها الإبداعية الحافلة خمسة أعمال روائية من بين ستة وعشرين إصدارًا أغلبها من الأعمال المترجمة في الرواية والأدب والسياسة والاقتصادكما شاركت في كتابة العديد من الدراسات والبحوث وفي مختلف المجالات المعرفيةفضلًا عن عشرات المقالات في الصحف والمجلات المتخصصة والعامةتلك هي المبدعةناصرة السعدون.
ولأهمية ما كتبت وترجمت من مؤلفات أثرت الثقافة العراقية والعربية ورفدتهما بروائع الأدب العالمي فضلا عن فوزها بأرفع جائزة أدبية عربية كان لنا وقفة لنتحاور مع الفائزة العراقية الأولى بجائزة (كتارا) الدولية للرواية العربية في قطر 2015 فئة روايات منشورة عن روايتها (دوامة الرحيل) :
{ لا شك أن المتتبع للحركة الثقافية في العراق يؤشر أفولًا أحيانا وارتقاءً أحيانا أخرىمن وجهة نظرك لماذا هذا التذبذب؟
– ربما يعود الأمر إلى المتغيرات العميقة والجذرية في المجتمع العراقي مما يؤثر سلبًا وإيجابًا على الأعمال الإبداعية كافة حيث يعاني المشهد الثقافي في العراق من انكفاء واضح بعد احتلاله في 2003 ومع ذلك نرى اتساعًا كبيرًا لمساحة الإبداع العراقي في المهجرإذ نشهد نشر العديد من الأعمال الأدبية والفنية والعلمية لعراقيين اضطروا لمغادرة العراق بعد احتلاله.
لو استعرضنا ما قدمه العراق من كفاءات إبداعية نسوية في مجالات الأدب والمعرفة كافة لشعرنا بالزهو فلماذا لا يكون هناك خيمة أو لنقل محفلًا أو تجمعًا يضم المبدعات العراقيات على اختلاف توجهاتهن يدعم نتاجهن ماديًا ومعنويًا؟
– لا يمكن فصل الإبداعات النسوية في العراق عن الإبداع عموماً وهو ما يثير الزهو حتمًا أما الخيمةكما تسميهافلا أظن أن من مصلحة الإبداع عمومًا التمييز بين الرجل والمرأةبخاصة في هذا المجال فضلا عن ذلك علينا أن لا ننسى الشتات الجغرافي للمبدعين العراقيين فهم يتوزعون بين قارات الكرة الأرضيةولولا الإنترنت لما عرفنا ما أنجزوا.
أين تضعين رواياتك في خانة الأدب الواقعي أم الرمزي أم الرومانسي أم التسجيلي؟
– يجدر توجيه هذا السؤال إلى النقاد وليس للكاتب حين أكتب عملًا روائيًا لا أستطيع حصره في زاوية تصنيف معينأيًا كانوأتمنى على نقاد الأدب أن يلتفتوا إلى نقد الأعمال الأدبية العراقية بدلًا من نشر الدراسات عن مشاهير الكتاب في العــــالم والانغمار في تنظـــــيرات بعــــيدة عن واقع حيــــاتهم.
لقد كان لك دور خلاق في مجال البحوث والدراسات كجزء من نشاطات وزارة الثقافة والإعلام سابقًا فهل أنت مستمرة في هذا النهج؟
– تحتاج البحوث والدراسات إلى استقرار نفسي وبيئة مناسبةوبعد 2003 لم تعد هذه البيئة متوفرة هذا من بين الأسباب التي جعلتني أبتعد عن هذا المجال فكرست جهدي الثقافي في أعمال الترجمة والرواية.
ما هو تقييمكم للرواية العراقية الحديثة وهل تبوأت موقعها الحقيقي أم إنها تعاني الإقصاء والتهميش أو لنقل الانحدار؟
– الرواية العراقية الحديثة تمتد بامتداد القرن العشرين وحتى اليوم لكنها ولظروف كثيرة ظل توزيعها ضمن جغرافيا العراقولم تنتشر إلى الوطن العربيباستثناء ما نُشر في بيروت أو القاهرة وهذا من بين الأسباب التي يمكن ذكرها لعدم شهرة الكاتب العراقي في الوطن العربي أما (الإقصاء والتهميش) فلا أظنه متعمدًا لأن هذا الوطن باتت تمزقه الحدود والرقابة مما حدا بالإبداع أن ينحصر في الحدود التي وضعت.
نأسف لمحلية الإبداع العراقي سواء على صعيد القصة أو الرواية أو الشعر الحر والعمودي هل هو قصور في الكاتب أم القاص أم الناشر أم الشاعر أم ماذا؟ وهل ترجمت نتاجاتنا إلى لغات العالم؟
– محلية الإبداع العراقي في المجالات كافة لا يعود إلى الكاتب بالتأكيدفالكاتب أصلًا يعاني من صعوبة النشرولا أقول الانتشارفهذا طموح كان من الصعب تحقيق هو ما يزال لهذا أعتقد أنه يعود إلى قصور عملية توزيع الكتب بين أرجاء الوطن العربي وارتفاع تكاليفها وعدم استخدام الوسائل الحديثة في النشرمثل النشر المشترك أو النشر الإلكتروني فكم من النتاج العراقي الرائع ظل محصورًا في حدود القارئ المحلي ولم يصل إلى لبنان وتونس ومصر مثلًاولا أقول إلى العرب المنتشرين في المنافي؟ أما بالنسبة للترجمة فقد صدرت ترجمات قليلة جدًا لبعض كتابنا العراقيين وبجهود ذاتية لا غير.
قيل قديمًا الكتاب أو الرواية تُؤلف في مصر وتُطبع في لبنان وتُقرأ في العراق هل لا يزال الوضع على ما هو عليه؟ وهل أثّرت الثورة التكنولوجية على ذائقة القارئ العربي عمومًا والعراقي على وجه الخصوص فضلا عن ثقافته؟
-هذا القول صحيح حتى نهاية القرن العشرين أما بعدها فيصعب قياس الأمور لأسباب شتىمن أهمها الثورة التكنولوجيةواضطراب الوضع السياسي والاجتماعي والثقافي في الوطن العربي ككل بخاصة بعد احتلال العراق. أما بالنسبة للثورة التكنولوجيةفقد أثرت بالتأكيد على ذائقة القارئ العربي والعراقيفقد فتحت أمامه أبوابًا واسعة لينهل منها خصوصا بين شريحة قراء الكتب الإلكترونيةالتي جعلت المثقف يتخلص من عبء الكتاب الورقي ويقلص الحيز الذي تشغله المكتبة إلى حجم طابع البريد على شاشة الحاسوب ولا ننسى في هذا المجال اغتراب الكثير من المثقفين عن بلدانهم مما جعلهم يتخلون عن نقل كتبهم ومكتباتهم لصعوبة نقلهاوبالتالي حل محلها الكتاب الإلكتروني هذا مجال جديد يستحق المتابعة والتوسع باستخدامه سواء في قراءة الكتب أو في نشرها وتوزيعهاإن وجدنا من يهتم بهذا الجانب ويكون الرائد فيه.
الشعر غذاء الروح ودواء القلوب العليلة فهل لك سهم في هذا الفن أسوة بالرواية.. هل هناك ديوان مطبوع أو مخطوط في شتى فنون الشعر العمودي والحر والشعبي؟
– تُمتعني قراءة الشعر كثيرًالكني لم أجرب يومًا كتابته كتبت المقالة والروايةوترجمت العديد من الكتب لكني لم أكتب الشعرفهذا ليس مجال اهتمامي. أشعر أن الرواية هي ما يجعلني قادرة على التعبير عن ذاتيأكثر من الشعرأو حتى القصة.
يقول هنريك أبسن عندما أستحضر شخصياتي وأعيش معهم أغلق باب غرفتي.. فهل البيئة التي تصنعينها وتكتبين عنها فضلا عن شخوص رواياتك مستلهمة من الواقع المُعاش ومستوحاة من الذاكرة الحبلى بالهموم.. وأعني بها هموم الوطن.. وهل لك طقوس خاصة في الكتابة؟
– قد يغلق هنريك أبسن باب غرفتهلكن أجد هذا مستحيلًا بالنسبة ليكما لا أشعر بضرورته. ما أكتبه أغلق عليه باب عقليوبالتالي أظل أفكر بالرواية وأحداثها وأتماهى مع شخصياتها. وحين أفتح ملف (الفصل الأول) من روايتي على الحاسوبأبدأ بكتابة ما قمت بصياغته في الليالي السابقةوأتواصل مع شخوص الروايةلا بل أتماهى معهم. أضحك وأبكيوأبتسم لأفكارهم وأحداثهم. الذاكرة حبلى بالأحداث والأشخاصفأستحضر ما أحتاجه من خزين الذاكرة لأؤثث روايتي. هموم الوطن حاضرة دومًا في أعمالي الروائيةليس من باب الوعظ أو التوثيقبل لأن حياتي هي جزء من هموم هذا الوطن التي عاصرتها وشاركت في الكثير منهالهذا فما يمكن أن توصف به أعمالي الروائية هي كونها تمزج بين العام والخاص. من البيئة وتفاعل الشخوص معها.
أما فيما يتعلق بالشطر الأخير من السؤالحول الطقوس الخاصة بالكتابة فلا أسميها طقوسًا فأنا أواجه الحاسوب ليلا ونهارًا أضخ في ذاكرته ما يجول في ذهني وحين يبدأ مشروع الرواية بالتكامل في ذهني أبدأ بالكتابة الطقس الوحيد الذي لا يفارقني قطهو سماع الموسيقى في جميع الأوقات خصوصًا أثناء كتابة الرواية وأظن هذا واضحًا في أعمالي التي لا يخلو أي منها من ذكر للموسيقى أو بعض الأغنيات.
{ من تعتقدين جازمة الصنف الذي يقرأ رواياتك ويتأثر بها وما هي الرواية الأحب إلى قلبك؟
– لا أستطيع الجزم بكينونة من يقرأ أعمالي الروائيةلكني أعرف أن الكثير من الشباب يقرأ ليوالكثير من الشيوخ من أمثالي أيضًا تروق لهم قراءتها. وعرفت مؤخرًا أن أطفالًا بعمر العاشرة قرأ بعضهم أعمالي الروائية. لا أدري.. ما أحب أعمالي؟ هذا سؤال تقليدي وصعب في آن واحدلكني أظن أن روايتي الأخيرة (دوامة الرحيل) هي أهم ما كتبتسواء بأحداثها أو شخوصها.
معلوم أن شكل النتاج الأدبي مهم جدا في انجذاب القارئ كيف تختارين مصممي أغلفة الروايات؟ ولماذا اخترت وداد الأورفلي لتصميم غلاف روايتك الأخيرة؟
– لكل رواية حكايتها.. وغلافها يهمني لأنه بطاقة الدعوة للقارئ لكي يفتح الغلاف الذي يروقه وفي الوقت نفسه يعبر عن ماهية الروايةعادة ما أختار لوحة الغلافليقوم المصمم بإضافة العنوان واسم الكاتب عليهأما سبب اختيار لوحة الصديقة وداد الأورفلي غلافًا لرواية (دوامة الرحيل) فأترك لك أن تقرأ الرواية لتجد الجواب على سؤالك فإن وداد الأورفلي حاضرة فيها ولهذا طلبت الإذن منها لوضع واحدة من أحب لوحاتها إلى قلبي لتزين روايتي.
{ حدثينا قليلا عن هذه الرواية؟
– لا أجيد التحدث عن أعمالي الروائية وأفضل أن أترك للقارئ الاستمتاع بقراءتها والسير مع أحداثهابكل ما فيها من أحزان وأفراح من حيرة وقلق. لكن يكفي القول أن (دوامة الرحيل) هي حكاية الرحيل عن العراق بعد احتلالهوالدوامة التي يجابهها العراقي من حيوات جديدة في بلدان الاغتراب والقرارات الصعبة التي يجب عليه اتخاذها في كل موقف. فيها بعض الاستشراف لما يمكن أن يكون عليه العراقي في حياته الجديدة بعيدًا عن بيئته التي تم اقتلاعه منهاوزرعه في بيئة جديدة غريبة عليه وكيف يمكن أن يكون الحب لدى هؤلاء الشباب الذين اقتلعوا من أرضهم في عمر الحبأظن أن البقية يمكن معرفتها بعد قراءة الرواية.
{ لماذا برأيك لم يفز أحد من روائيينا بجائزة البوكر العربية باستثناء رواية “فرانكشتاين في بغداد؟” ولماذا لم تتحول رواية واحدة من رواياتنا إلى فيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني عربي أسوة بروايات إحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ وأسامة أنور عكاشة وغيرهم؟
– نيل الجوائز يحتاج إلى انتشار وترويج وهذا ما نفتقده لما نشر من رواياتناوالبوكر العربية لم يمض على قيامها سوى بضعة أعوام أما بالنسبة لتحويل أعمالنا الروائية إلى أفلام أو مسلسلاتفعلينا أن لا ننسى أن مصر هي أم السينما العربية لذلك من الطبيعي تحويل أعمال كتابها إلى أفلام ومسلسلات وما يجدر ذكره في هذا المجال أن القناة الفضائية العراقية تعاقدت معي في عام 2002 على إنتاج (أحلام مهشمة) لعمل تلفزيوني لكن الاحتلال وما تلاه وأَد الفكرة قبل ولادتهاوما يزال سيناريو (أحلام مهشمة) بصيغة كتاب ورقيآمل يومًا إصدار طبعة ثانية منه كما فعلت مع روايتي (أحببتك طيفًا). أما تحويله إلى مسلسلفهذا قرار يرجع للمنتجينوالقنوات الفضائية العربية العديدةفهو سيناريو مسلسل متكامل يتحدث عن الحب في زمن الحصاروليس هذا تشبيهًا لرائعة ماركيز (الحب في زمن الكوليرا)بل لأن هذا السيناريو يطرح بالفعل حكاية حب شابين طموحين يقف الحصار في وجه تحقيق طموحاتهماهو سيناريو أتمنى إنتاجه ليعرف العالم معاناة شعب العراق وشبابه في تلك الفترة التي امتدت على مدى ثلاثة عشر عاما.
{ كيف تنظرين إلى واقع الرواية العربية والعراقية في الوقت الحاضر وما هو انطباعك عما تكتبه أحلام مستغانمي؟
– الرواية العربيةهي انعكاس للواقع العربي حاضرًا وماضيًا ومستقبلًاالرواية العربية بخير ما دام الروائيون ينتجون أعمالا جديدة ولا شك أحلام مستغانمي وغادة السمان ولطفية الدليمي وغيرهن قامات بارزة في المشهد الثقافي العربيوثمة أسماء أخرى تستحق الذكر في هذا المجال.
{ كلمة أخيرة تودين إضافتها؟
– أتمنى على دور النشر العربية أن تخطو الخطوة العملاقة الأولى في مجال النشر الإلكتروني ولا تتخلف عن ركب التقدم الذي شهده العالم منذ سنواتفهذا المجال الحيوي يضمن نشر الثقافة العربية في جميع أرجاء الأرض ويوسع نطاق الاطلاع عليه وربما ترجمة ما يستحق الترجمة منه إلى اللغات الأخرى الاقتصار على النشر الورقي قد انحسر في العالموما نزال نصر على الاكتفاء بهبرغم ما يشوبه من صعوبات وتكاليف باهظة. تجدر الإشارة الى ان السعدون فازت ضمن المرتبة الأولى لجائزة كتارا للرواية العربية،2015 في قطر عن رواية (دوامة الرحيل) فئة الروايات المنشورة فيما فازت الروائية العراقية ميسلون هاديعن رواية (العرش والجدول )في فئة الروايات غير المنشورة في ذات المسابقة .
























