حروف لا تعرف الحب
بينّما كانّ كَعادتهِ مشغولاً بِقراءةِ الكتب ، جَلستْ بِقربهِ على المائدةِ وقدمتْ لهُ طبقَ الكعكِ المُحلى وكوبَ قهوةٍ مُرة المذاق حاولت من خلالها جَذبَ انتباهه إليها حيث قلت له :
– صَنعتَ لكَ الكعكةَ بِيدي أجابَني دون أن يَرفعْ عينيِّه مِنَ الكتاب :
-شكراً لكِ ، سأتناولُها الآن .
رمقتهُ بِنظراتِ عتبٍ كبيرٍة وقد انتابني ألم شديد بسبب تجاهله لي فتذكرت وقتها كلامَ صديقتِي عِندما قالتْ لي: -ما أسعدَ حظكِ ، زوجُكِ كاتبٌ يَتغزلُ بِكِ غزلاً مُختلفاً ويَصوغُ مِنْ حروفِ الحبِّ قلادةً وأساور ، يَغوصُ بِكِ في بحورِ الشّعرِ ويُحلّقُ مّعكِ ليلاً إلى سماءِ العشقِ يَجعلُ لكِ مِنَ القمرِ بيتاً ولا يُقارنَكِ حتى بالنجوم .
حاولت وقتَها أن أكتفي بابتسامة تُخفي خلفَها الكثير مِنَ الكلام ورَددتْ في نفسِي:
-لو تعرفينَ كمْ حظها تَعيسٌ مَنْ تّتزوجُ كاتباً لا يُمسكَ بِيدهِ سِوى كتابٍ وقلم يَقضي النهارَ بينّ جريدةٍ وكتابٍ لا شيء يُثير اهتمامه أكثرَ مِنْ كتابِ طُبعَ مؤخراً ولمْ يَقتنيهِ بعدْ ، أو قصيدةٍ غيرَ مُكتملةِ ويَحتاجُ لإكمالها ، أحضّرُ لهُ الطعامَ وأقضي نصفَ نهاري في إعدادهِ عَسى أنْ يَنالَ استحسانه فلا يُبدي بِسخطٍ أو رضا كأنّـهُ لمْ يأكلهُ حتى أعودُ سعيدةً بارتداء فستاناً جديداً علّهُ يَحركُ مشاعرهُ ، أسألهُ : حبيبي ما رأيك ؟ لا يَنتبهُ وكأنّي اكلمُ نَفسي .. أُكررُ سؤالي ويُكرر تَجاهلهُ حتى إذا رفعَ رأسهُ مُتذمراً لأنّي قطعتْ عليهِ طقوسَ قراءتهِ التي لا اعرفَ متى ينتهي منها ليقول : رأي بماذا ؟ فأجيبه وقدْ بانت عليَّ علاماتِ الضّجر : رأيُكَ بالفستان ؟!
-آه جميل .
يَعودُ ليلاً لينزلَ عليهِ وحيِّ القلمِ ويَكتبُ ما يَجولُ بِذهنهِ مِن غزلٍ لا أراهُ منهُ سِوى بِأوراقٍ أرتبها بعدَ أنْ يَنشرَ الفوضى بِكلِّ مكانٍ دون أي اهتمام منه طالما هناك مَن يُرتبُ كلّ شيءٍ عدا وصفهِ لفتياتٍ بِقصائدِ الغزلِ والغرامِ أجهلُ هل هنّ حقيقةٌ أم خيال وحتى وأنْ مُجردَ خيالٍ فواقعهُ أولى بهِ .
فيا صديقتي هنيئاً لكِ ولكلِّ أنثى تَزوجتْ رجلاً عادياً بعيداً عَن كبرياءِ وعزلةِ رجلٍ كاتب لا تعرف حروفه معنى الحب.
نورس حسين الجابري – بغداد























